من الفجيرة إلى خورفكان: هل وضعت الإمارات استراتيجية جديدة بعد هرمز؟ – بقلم شاشوف


أثرت الأزمة الأمنية في مضيق هرمز بشكل كبير على الاقتصاد الإماراتي، مما دفع أبوظبي لإعادة تقييم استراتيجياتها التجارية. بدلاً من الاعتماد على هذا الممر البحري الحيوي، تركز الإمارات على إنشاء شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب، لتعزيز مرونة صادراتها. رغم تحسن حركة النقل، لا يزال هناك حذر بين شركات الشحن. ترى الإمارات في تطوير موانئها على خليج عُمان مفتاحاً لتقليل الاعتماد على هرمز، مما يتيح لها جذب استثمارات جديدة ويعزز أمن طاقة البلد اقتصادياً. الأزمة الأخيرة قد تكون نقطة تحول في التفكير الاستثماري والاستراتيجي للدول في المنطقة.

الاقتصاد العربي | شاشوف

لم تنتظر الإمارات انتهاء الأزمة أو استعادة الملاحة الكاملة في مضيق هرمز لتعيد تقييم استراتيجياتها. الأوضاع المتوترة التي شهدتها الأشهر الماضية بين أمريكا وإيران والخطر الذي تعرضت له واحدة من أبرز شرايين الطاقة العالمية، جعلت أبوظبي تأخذ الأمور كإنذار استراتيجي وليس مجرد حدث عابر. بينما ينتظر العالم توقيع الاتفاق النهائي لإعادة فتح المضيق، تبدو الإمارات مشغولة بسؤال مختلف: ماذا لو تكررت هذه الأوضاع مستقبلاً؟

أظهرت الأزمة الأخيرة حجم المخاطر التي تواجه الاقتصادات المعتمدة على الممرات البحرية الضيقة، وخصوصاً في المنطقة التي تمر عبرها تقريبا خمس تجارة النفط والغاز العالمية. خلال أسابيع قليلة، تعطلت حركة مئات السفن، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن لمستويات غير مسبوقة، مما كشف عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. ورغم أن الاتفاق المرتقب أعاد الأمل بعودة التدفقات الطبيعية، إلا أن آثار الحصار الاقتصادية تركت آثاراً أكبر من أن تُمحى بمجرد استئناف الملاحة.

ومن هنا، بدأت الإمارات في تسريع مشروع استراتيجي أوسع لا يتوقف فقط عند تجاوز الأزمة الحالية، بل يشمل إعادة صياغة موقعها في خريطة التجارة والطاقة الإقليمية. بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على مضيق هرمز، تتجه البلاد نحو بناء شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب والبنية التحتية اللوجستية التي تضمن استمرار تدفقات التجارة والصادرات حتى في أسوأ السيناريوهات الجيوسياسية.

تعتمد الاستراتيجية الإماراتية على تطوير هذه الشبكة من الموانئ وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق البرية، مع التركيز على توسيع موانئ الفجيرة وخورفكان ودبا الواقعة على خليج عمان خارج نطاق المضيق. كما يتضمن التقرير معلومات عن إنشاء ميناء جديد على الساحل الشرقي وتسريع تنفيذ خط أنابيب ثانٍ يهدف إلى مضاعفة صادرات النفط عبر الفجيرة، بالإضافة إلى دراسة إنشاء خط أنابيب ثالث وتطوير حلول بديلة لتصدير الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات.

مع ذلك، تواجه هذه الخطط صعوبات لوجستية واقتصادية، حيث لا تزال الإمارات تعتمد بشكل كبير على موانئ الخليج العربي، وعلى رأسها ميناء جبل علي، في عمليات الاستيراد وإعادة التوزيع. كما أن نقل البضائع من الموانئ الواقعة على الساحل الشرقي إلى المراكز التجارية الرئيسية في دبي وأبوظبي يرفع التكاليف التشغيلية، وهو ما تعمل الدولة على معالجته عبر التوسع في مشاريع السكك الحديدية وشبكات النقل الحديثة.

عودة الملاحة… لكن بحذر شديد

رغم التحسن النسبي في حركة السفن خلال الأيام الأخيرة، فإن الأرقام تشير إلى أن مضيق هرمز لم يستعد عافيته الكاملة بعد. ارتفاع عدد السفن العابرة لا يعكس بالضرورة استعادة الثقة في الأسواق، بل يعبر عن اختبار تدريجي من الشركات الشحن وملاك الناقلات الذين لا يزالون يتعاملون بحذر مع هذا الممر البحري الحساس.

تشير بيانات حديثة للاطلاع عليها من قبل “شاشوف” إلى تحسن محدود في حركة العبور في 16 يونيو، حيث ارتفع عدد عمليات المرور الموثقة عبر المضيق إلى 13 عملية مقارنة بخمس عمليات في اليوم السابق، مما يدل على بدء استعادة النشاط البحري تدريجياً بعد أشهر من الاضطرابات.

يبدو أن ذاكرة السوق ما تزال مثقلة بأحداث الأشهر السابقة. السفن التي اضطرت لتغيير مساراتها أو الانتظار طويلاً خارج المنطقة، وشركات التأمين التي رفعت رسوم المخاطر، جميعها تبحث اليوم عن مؤشرات أكثر وضوحًا حول استقرار الوضع الأمني قبل العودة الكاملة إلى أنماط التشغيل السابقة.

لذا، لا يزال العديد من المشغلين يفضلون الانتظار بالقرب من خليج عمان والمحيط الهندي بدلاً من التسرع في العبور. بالنسبة لقطاع الشحن، لا تكفي الاتفاقات السياسية وحدها لإعادة الثقة؛ بل تحتاج الأسواق إلى فترة من الاستقرار الفعلي لإثبات أن المضيق عاد للعمل دون مخاطر استثنائية.

ناقلات النفط تسبق الاتفاق

المشهد البحري الحالي يكشف مفارقة مثيرة؛ فبينما لا تزال بعض السفن تتردد في عبور المضيق، بدأت ناقلات نفط عملاقة بالعودة تدريجياً إلى المنطقة استعداداً لما بعد الحصار. هذا يشير إلى رهان مبكر من شركات الشحن على أن الاتفاق المرتقب سيؤدي إلى انفتاح واسع في تجارة النفط والطاقة.

وفقاً للبيانات التي رصدها شاشوف، توزعت حركة العبور بين 8 سفن متجهة من شرق المضيق إلى غربه وخمس سفن في الاتجاه المعاكس، بما في ذلك ناقلات نفط ومنتجات بترولية وسفن حاويات. ومع ذلك، فإن طبيعة المسارات المستخدمة تكشف استمرار حالة الحذر، حيث عبرت ست سفن عبر المسار الإيراني مقابل سفينة واحدة استخدمت المسار المعتمد من المنظمة البحرية الدولية.

تحركات الناقلات التي يتابعها شاشوف تشير إلى أن الأسواق لا تنتظر توقيع الاتفاق بقدر ما تستعد للاستفادة من نتائجه فور دخوله حيز التنفيذ؛ فكل يوم تأخير في استئناف تصدير النفط يعني استمرار حالة الشح النسبية في بعض الأسواق، مما يرفع تكاليف النقل، مما يمنح الأفضلية للمشغلين الذين يتواجدون بالقرب من مراكز التصدير الخليجية.

كما أن عودة الناقلات الإيرانية إلى الحركة بعد أشهر من التوقف تعكس مؤشراً إضافياً على أن الأسواق بدأت تتعامل مع احتمالات عودة النفط الإيراني إلى التجارة الدولية. إذا تحقق ذلك، فقد يشهد النصف الثاني من العام تغيرات مهمة في توازن العرض والطلب داخل سوق النفط العالمية.

الإمارات تبحث عن “صفر اعتماد”

الرسالة الواضحة التي خرجت بها أبوظبي من الأزمة تتعلق بتقليل الحاجة للاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً. تنظر الإمارات إلى الاعتماد الكامل على المضيق كضعف استراتيجي يجب معالجته، بغض النظر عن التفاهمات السياسية الجارية في المنطقة.

لذا، تتجه الاستثمارات نحو توسيع دور الموانئ الواقعة على بحر عمان وخليج عمان، وفي مقدمتها الفجيرة وخورفكان. كما ستعزز من شبكات النقل البري والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب القادرة على نقل النفط والبضائع دون المرور عبر المسار التقليدي.

لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على الجانب الأمني وحده، بل لها أبعاد اقتصادية طويلة الأجل. فقد تتحول الموانئ الواقعة خارج هرمز إلى مراكز جذب جديدة للاستثمارات الصناعية واللوجستية، خاصةً مع تزايد اهتمام الشركات العالمية في بناء سلاسل توريد أكثر مرونة أمام الأزمات.

أثبتت أزمة هرمز أن مفهوم أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدول على إيصال صادراتها إلى الأسواق العالمية تحت مختلف الظروف. الدول التي تمتلك بدائل لوجستية أصبحت أقل عرضة للصدمات وأكثر قدرة على الحفاظ على تدفق تجارتها الخارجية.

في هذا السياق، قد تكون الحرب الأخيرة نقطة تحول في طريقة تفكير الحكومات الخليجية. بدلاً من الاكتفاء بزيادة الإنتاج، قد تتجه الاستثمارات بشكل أكبر نحو الموانئ البديلة والبنية التحتية العابرة للحدود، مما يقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.

بدأت الشركات العالمية أيضاً في إعادة تقييم استراتيجياتها في المنطقة؛ فقد أظهرت الأزمة أن المخاطر الجيوسياسية قد تعطل حركة التجارة بسرعة، مما سيدفع المستثمرين لإعطاء أهمية أكبر لعوامل المرونة اللوجستية والاستقرار الجغرافي عند اختيار مواقع الاستثمار مستقبلاً.

قد يعود مضيق هرمز للعمل بكامل طاقته خلال الأسابيع القادمة، وقد تستعيد الأسواق جزءاً من استقرارها المفقود، لكن الأزمة الأخيرة تركت أثراً دائماً في طريقة تفكير الحكومات والشركات على حد سواء. الثقة التي تزعزعت خلال الحرب لن تعود بالكامل بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

لهذا، يبدو أن الإمارات تستعد لعالم مختلف، عالم لا يُبنى فيه الأمن الاقتصادي على ممر واحد مهما بلغت أهميته. بينما ينتظر الآخرون إعادة فتح مضيق هرمز، تعمل أبوظبي على بناء نظام يجعل استمرار تجارتها وصادراتها أقل ارتباطاً بالمضيق وأكثر ارتباطاً بقدرتها على خلق بدائل دائمة ومستمرة.