مليار دولار من البنك الدولي: لماذا تسعى السعودية إلى شركاء تمويليين؟ – شاشوف
وقّع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرتي تفاهم مع مجموعة البنك الدولي بقيمة 9.5 مليارات دولار، في إطار جهود المملكة لتنويع مصادر تمويل مشاريع رؤية 2030 وسط الضغوط المالية. تشمل الاتفاقيات 6 مليارات دولار مع مؤسسة التمويل الدولية و3.5 مليارات مع وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف لتسهيل التمويل لمشاريع البنية التحتية والطاقة وغيرها. رغم أن السعودية تملك صندوقاً سيادياً ضخماً، إلا أن حجم المشاريع يرفع من احتياجاتها التمويلية. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى استمرار العجز المالي، مما يزيد الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي لضمان تنفيذ المشاريع دون تأثير كبير على المالية العامة.
الاقتصاد العربي | شاشوف
وقع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرة تفاهم واحدة بقيمة إجمالية تصل إلى 9.5 مليارات دولار مع الذراعين الخاصين في مجموعة البنك الدولي، في خطوة تعكس توجه المملكة المتزايد نحو تنويع مصادر تمويل المشاريع الكبرى، وسط الضغوط المالية الناجمة عن استمرار الإنفاق على مشاريع ‘رؤية 2030’، والتقلبات في أسعار النفط، والعجز المستمر في الموازنة.
تأتي هذه الاتفاقية في وقت تعاني فيه المالية العامة السعودية من تحديات، إذ تسعى الحكومة لتحقيق التوازن بين دعم مشاريع التحول الاقتصادي وضغوط انخفاض الإيرادات النفطية مقارنة بمستويات الإنفاق المرتفعة.
حسب المعلومات التي حصلت عليها ‘شاشوف’ من ‘رويترز’، تتضمن الاتفاقيات مذكرة تفاهم بقيمة 6 مليارات دولار بين صندوق الاستثمارات العامة ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)، لمناقشة التمويل المشترك لمشاريع ضمن محفظة الصندوق في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والسياحة والرعاية الصحية.
كما تشمل مذكرة أخرى بقيمة 3.5 مليارات دولار مع وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (MIGA)، لدراسة تقديم ضمانات وأدوات تمويل تساعد الشركات التابعة للصندوق على جذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع داخل السعودية وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
أوضح صندوق الاستثمارات العامة أن الهدف من هذه الاتفاقيات هو توسيع الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية وجذب المزيد من رؤوس الأموال الخاصة لدعم مشاريع رؤية 2030، مما يساهم في خلق فرص عمل وتعزيز التنوع الاقتصادي.
من جهة أخرى، وقع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرة تفاهم مع بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بقيمة تصل إلى 15 مليار دولار، بهدف توفير إطار تمويلي للشركات المؤهلة في محفظة الصندوق لشراء السلع والخدمات الأمريكية.
لماذا تحتاج السعودية إلى التمويل؟
رغم امتلاك السعودية لأحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، إلا أن حجم المشاريع التي أطلقتها في السنوات الأخيرة أدّى إلى رفع احتياجاتها التمويلية إلى مستويات غير مسبوقة.
تتضمن هذه المشاريع ‘نيوم’، والقدية، والبحر الأحمر، والدرعية، والبنية التحتية المتعلقة بإكسبو 2030 وكأس العالم 2034، بالإضافة إلى مشاريع النقل والطاقة والسياحة، مما جعل هذه النفقات الكبيرة الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة أكثر اعتماداً على التمويل الخارجي والداخلي، بدلاً من الاعتماد بشكل كامل على الإيرادات النفطية.
تستند الموازنة السعودية بصورة رئيسية إلى عائدات النفط، لكن السنوات الأخيرة شهدت تقلبات في الأسعار، بالإضافة إلى تأثير تخفيضات إنتاج ‘أوبك+’ على الإيرادات الحكومية.
وأشار صندوق النقد الدولي في تقييم له إلى أن انخفاض أسعار النفط يؤثر سلبياً على الإيرادات العامة، في حين يستمر الإنفاق المرتبط بمشاريع التحول الاقتصادي، مما يؤدي إلى استمرار العجز المالي في السنوات القادمة مع تمويل جزء كبير منه عبر الاقتراض.
كما تؤكد تقارير اقتصادية أن الحكومة السعودية تواصل مراجعة أولويات الإنفاق دون التخلي عن المشاريع الاستراتيجية التي تشكل جوهر رؤية 2030.
تتوقع تقديرات صندوق النقد الدولي أن تبقى المالية العامة السعودية في منطقة العجز خلال الأعوام القادمة، مع استمرار ارتفاع الإنفاق على المشاريع الكبرى.
ويتوقع الصندوق أن يصل العجز المالي إلى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وأن يبقى بالقرب من هذا المستوى في 2026، في ظل استمرار الإنفاق الاستثماري الكبير وانخفاض مساهمة الإيرادات النفطية مقارنة بفترة الطفرة النفطية.
تشير تقديرات وزارة المالية السعودية أيضاً إلى استمرار تسجيل عجز في الموازنة، مع توقعات بعجز يصل إلى نحو 165 مليار ريال في 2026، مما يعكس الفجوة المستمرة بين الإيرادات والمصروفات.
الاعتماد على أسواق الدَّين يتزايد
لتغطية هذا العجز، توسعت السعودية بشكل ملحوظ في الاقتراض من الأسواق المحلية والدولية.
يعتقد صندوق النقد الدولي أن العجز سيتم تمويله بشكل رئيسي من خلال إصدار الدين، والقروض المجمعة، وأدوات التمويل الأخرى، مما سيساهم في ارتفاع نسبة الدين العام تدريجياً في السنوات القادمة، رغم أنها تبقى عند مستويات أقل من العديد من الاقتصادات الكبرى.
كما يتوقع الصندوق زيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي، بالتزامن مع تراجع وتيرة تراكم الأصول الأجنبية وارتفاع الواردات المرتبطة بمشاريع الاستثمار.
يظهر الاتفاق مع البنك الدولي تحولاً في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة، حيث أنه لم يعد يعتمد فقط على موارده الذاتية، بل يسعى إلى تمويل مشترك مع مؤسسات مالية دولية، ما يخفف من العبء المالي المباشر ويمكّن من تنفيذ عدد أكبر من المشاريع دون تحمل كامل التكلفة.
علاوة على ذلك، يساعد استخدام ضمانات وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف شركات الصندوق في جذب مستثمرين وممولين جدد وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمارات طويلة الأجل.
المملكة بين الطموح والضغوط
يؤكد اقتصاديون أن رؤية 2030 حققت تقدمًا في تطوير القطاعات غير النفطية، إلا أن تمويل هذا التحول يحتاج إلى إنفاق ضخم سيمتد لسنوات، مما يجعل المملكة أكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط وأسعار الفائدة العالمية.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد غير النفطي سيظل قويًا نسبيًا، مدفوعًا بالاستثمارات الحكومية، ولكن هذا النمو يأتي في ظل استمرار الضغوط على المالية العامة والحساب الجاري، مع زيادة الاعتماد على الاقتراض وتمويل المشاريع من خلال الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
في هذا السياق، تُعتبر الاتفاقيات التمويلية مع مؤسسة التمويل الدولية ووكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة تمويل ‘رؤية 2030’.
بدلاً من الاعتماد الكامل على الخزانة العامة أو صندوق الاستثمارات العامة، تتجه المملكة بشكل متزايد نحو إشراك المؤسسات المالية الدولية ورؤوس الأموال الخاصة في تحمل تكاليف المشاريع العملاقة.
هذا يشير إلى إدراك متزايد بأن الحفاظ على زخم ‘رؤية 2030’ في ظل استمرار العجز المالي، وتقلبات أسعار النفط، وزيادة الاحتياجات التمويلية، يتطلب تنويع مصادر التمويل وتعزيز الاعتماد على الشراكات والاقتراض المنظم، مما يضمن استمرارية تنفيذ المشاريع دون إضافة ضغوط أكبر على المالية العامة السعودية.