مع إغلاق هرمز.. الشركات النفطية الأمريكية تستفيد من الأزمة والعالم يواجه تكاليف مرتفعة – شاشوف


إغلاق مضيق هرمز تحول إلى أزمة مؤثرة في أسواق الطاقة العالمية، حيث يمر عبره 20% من إمدادات النفط و5% من تجارة الغاز الطبيعي. يعاني الاقتصاد العالمي من تضخم متزايد بسبب ارتفاع الأسعار، بينما تستفيد شركات النفط الأمريكية بشكل كبير من هذه القفزات السعرية. الأزمة أثرت أيضاً على الأمن الغذائي والصناعي، وأدت إلى تغييرات في استراتيجيات الطاقة، حيث تتجه الدول نحو التنويع وتحسين الاستثمارات في الطاقة البديلة. التوترات الجيوسياسية تجعل من مستقبل الإمدادات النفطية غير مؤكد، وتجعل التحديات عالمية تتجاوز حدود المنطقة.

تقارير |شاشوف

إغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد حدث جديد في الصراع المستمر في الشرق الأوسط، بل أصبح بسرعة أحد أكثر الأحداث تأثيراً في أسواق الطاقة العالمية في السنوات الأخيرة.

هذا الممر البحري، الذي ينقل حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، أصبح نقطة اختناق استراتيجية تهدد استقرار التجارة الدولية وتعيد تشكيل خريطة تدفقات الطاقة بين المنتجين والمستهلكين.

استناداً إلى تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن حوالي 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الأزمة، مما يمثل تقريباً ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، بالإضافة إلى مرور نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عبره.

بينما تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل والتأمين، بدأت آثار الأزمة تظهر رابحين وخاسرين جدد في سوق الطاقة العالمي.

ورغم أن العديد من الدول تكافح للتعامل مع تأثيرات الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، فإن شركات النفط الأمريكية تبدو في وضع يؤهلها لتحقيق مكاسب استثنائية نتيجة الزيادة السعرية التي أعادت هوامش الربح إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات.

علاوة على ذلك، لا تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق النفط فقط، بل تمتد أيضاً إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الغذاء والصناعة والاستثمار. وكلما طال أمد التوتر في هذا الممر البحري الحيوي، زادت المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التضخم المرتفع وعدم اليقين، بينما لا تزال الاقتصادات الكبرى تتعامل مع تداعيات أزمات متكررة خلال العقد الحالي.

20% من نفط العالم تحت التهديد.. اختناق أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي

يعتبر مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم، حيث تمر عبره يومياً ملايين البراميل من النفط الخام والمنتجات النفطية المتوجهة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية.

تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام وحده قد مرت عبر المضيق في عام 2025، مما يمثل حوالي 34% من تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحراً حسب بيانات ‘شاشوف’. وتُوجه تقريباً 80% من هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، بما في ذلك الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، مما يجعل أي اضطراب في المضيق قضية تؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره.

أدت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط وما تبعها من اضطرابات في الملاحة البحرية إلى زيادة كبيرة في المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالنقل البحري للطاقة. مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات، أسفر ذلك نحو أسعار النفط العالمية التي شهدت ارتفاعات متتالية نتيجة مخاوف نقص المعروض. وتعتقد مؤسسات مالية دولية أن الأسواق قد أضافت ما يسمى بـ ‘علاوة المخاطر الجيوسياسية’ إلى أسعار النفط، مما يؤدي إلى رفع الأسعار حتى مع عدم وجود نقص فعلي في الإمدادات.

لا تقتصر أهمية المضيق على النفط فقط، بل يعد ممراً حيوياً لتجارة الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة والعديد من السلع الاستراتيجية الأخرى.

تعتمد قطر على المضيق لنقل الجزء الأكبر من صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، بينما تمر عبره النسبة الكبرى من صادرات الطاقة القادمة من الخليج. لذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة لا يهدد أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الغذائي والصناعي في العديد من دول العالم.

لماذا أصبحت شركات الطاقة الأمريكية أكبر المستفيدين؟

خلال الاضطرابات الحالية، برزت الولايات المتحدة كواحدة من أكبر المستفيدين اقتصادياً من الارتفاع في أسعار الطاقة. فقد سجلت الولايات المتحدة في عام 2025 مستوى قياسياً في الإنتاج بلغ حوالي 13.6 مليون برميل يومياً، مما يساعدها على الاحتفاظ بموقعها كأكبر منتج للنفط الخام في العالم، متفوقة على السعودية وروسيا. هذا الحجم الكبير من الإنتاج يمنح شركات الطاقة الأمريكية القدرة الأكبر على الاستفادة من أي ارتفاعات حادة في الأسعار دون التعرض لمخاطر جيوسياسية مباشرة مثل تلك التي يواجهها المنتجون في مناطق النزاع.

حسب تقديرات نقلها رئيس شركة روسنفت الروسية إيجور سيتشين عن مؤسسة ‘ريستاد إنرجي’، من المتوقع أن تحقق شركات النفط والغاز الأمريكية أكثر من 60 مليار دولار من الأرباح الإضافية خلال العام الجاري وفق معلومات ‘شاشوف’ بفعل الاضطرابات الحادثة في أسواق الطاقة.

كما استفادت هذه الشركات من الزيادة في الطلب العالمي على الإمدادات الأمريكية، خصوصاً من الدول التي تسعى إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على المناطق ذات المخاطر العالية.

في الوقت نفسه، يتحمل المستهلك العالمي الجزء الأكبر من تكلفة الأزمة. فالارتفاع في أسعار النفط يؤثر مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء والنقل والصناعة، مما يزيد معدلات التضخم ويضغط على ميزانيات الأسر والشركات.

تشير تقديرات سيتشين إلى أن المستهلكين الأمريكيين وحدهم تكبدوا أعباء إضافية تجاوزت 40 مليار دولار نتيجة الارتفاع في أسعار الوقود منذ بداية الأزمة، في حين أن الاقتصادات المستوردة للطاقة تواجه ضغطاً أكبر بسبب اعتمادها المباشر على الواردات النفطية.

أزمة قد تسرع التحول العالمي بعيداً عن النفط

المفارقة التي تواجه أسواق الطاقة حالياً هي أن ارتفاع أسعار النفط، على الرغم من فوائده على صعيد المنتجين على المدى القصير، قد تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية على المدى الطويل. مع ارتفاع الأسعار واستمرار حالة عدم اليقين، تصبح الاستثمارات في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتقنيات كفاءة الطاقة أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية، مما قد يسرع التحول العالمي بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وفقاً لما استعرضته ‘شاشوف’، أظهرت التجارب السابقة أن فترات الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة غالباً ما تدفع الحكومات والشركات إلى تسريع برامج التحول الطاقي والتقليل من الاعتماد على النفط. تزداد هذه المخاوف مع توقعات تشير إلى إمكانية تجاوز أسعار النفط 150 دولاراً للبرميل إذا استمرت الاضطرابات وتفاقمت المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، مما قد يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والاستثمار في قطاع الطاقة خلال السنوات المقبلة.

كما أعادت الأزمة الحالية إلى السطح قضية أمن الطاقة التي تعتبر أولوية للأمن القومي للدول الكبرى. إذ تنظر الصين والهند والاتحاد الأوروبي واليابان بشكل متزايد إلى أهمية تنويع مصادر الإمداد وإنشاء احتياطيات استراتيجية وتعزيز الاستثمارات في الطاقة البديلة كأدوات ضرورية لحماية اقتصاداتها من الصدمات المستقبلية.

تظهر أزمة مضيق هرمز أن أسواق الطاقة العالمية قد دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة. بينما يستمر أحد أهم الممرات البحرية في تحديد اتجاهات الأسعار والإمدادات، تتكشف أيضاً تحولات أعمق حول إعادة توزيع النفوذ والمكاسب داخل سوق الطاقة العالمي.

كما تُظهر الأزمة حدود البدائل المتاحة أمام الأسواق العالمية في حالة تعطل هذا الممر الحيوي لفترة طويلة، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن خطوط الأنابيب البديلة غير قادرة على نقل سوى جزء محدود من الكميات التي كانت تمر عبره يومياً.

بينما تحقق شركات الطاقة الأمريكية مكاسب كبيرة من ارتفاع الأسعار، تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطاً متزايدة، فيما يبدو أن التحول نحو مصادر الطاقة البديلة هو احتمال وشيك. وفي خضم الرابحين والخاسرين، يبقى مؤكدًا أن تداعيات أزمة هرمز لم تعد شأناً إقليمياً يخص الشرق الأوسط وحده، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في مستقبل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة للسنوات القادمة.