مجاعة غير مألوفة وأرقام مقلقة: تقرير أممي يكشف عن الوضع المظلم للأمن الغذائي العالمي – شاشوف
كشف ‘التقرير العالمي عن أزمات الغذاء’ عن تدهور الأمن الغذائي، حيث يعاني حوالي 266 مليون شخص من الجوع الحاد في 47 دولة بحلول 2025. حذّر التقرير من المجاعات المعلنة في غزة والسودان وذكر أن 1.4 مليون شخص يواجهون خطر الموت جوعًا يوميًا. تفاقمت الأزمات بسبب الحروب، القيود على المساعدات، والانهيارات الاقتصادية. كما يعاني 35.5 مليون طفل من سوء التغذية. دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لوقف الحروب وتحسين الدعم الإنساني. يشير التقرير إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية بدلاً من تقديم مساعدات مؤقتة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
تقارير | شاشوف
في تطور ينذر بالخطر بالنسبة للأمن الغذائي العالمي، كشفت النسخة العاشرة من “التقرير العالمي عن أزمات الغذاء”، الصادر عن الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء والاتحاد الأوروبي، عن حالة مروعة مع ارتفاع الجوع الحاد إلى مستويات غير مسبوقة.
التقرير، الذي اطلع عليه “شاشوف” ويشكل مرجعاً مهماً للعمل الإنساني، أشار إلى تضاعف عدد المعرضين لانعدام الأمن الغذائي خلال العقد الأخير، مع تسجيل أكثر من 266 مليون شخص في 47 دولة يعانون من مستويات مرتفعة من الجوع الحاد بحلول عام 2025، ليكونوا حوالي 23% من إجمالي السكان الذين شملهم التحليل.
وللمرة الأولى منذ انطلاق هذه التقارير، سجل الخبراء الأمميون حدوث مجاعتين علنيتين في عام واحد، وفي منطقتين متباينتين؛ حيث أصابت المجاعة أجزاء من قطاع غزة، بالإضافة إلى تفشيها في السودان، ولا سيما في مخيم “زمزم” للنازحين في ولاية شمال دارفور.
هذه الأحداث المأساوية تعكس تزايد الأزمات الإنسانية، حيث ارتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون جوعاً كارثياً (المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) إلى تسعة أضعاف ما كان عليه الوضع في عام 2016، ليتجاوز عددهم 1.4 مليون شخص يواجهون خطر الموت جوعاً يومياً.
سلط التقرير الضوء على الأسباب الأساسية وراء هذه الكارثة الإنسانية المهولة، مؤكدًا أن الحروب المشتعلة تعد المحرك الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية.
تفاقمت هذه الآثار المدمرة بفعل القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية، والتخفيضات في تمويل البرامج الإغاثية، فضلاً عن الانهيارات الاقتصادية المتسارعة والصدمات المناخية، مما أدي إلى تكوين حلقة مفرغة من المعاناة الإنسانية تطالب بتدخل دولي عاجل.
خارطة الجوع.. تركيز الأزمات وتداعيات النزوح المأساوية
وفق قراءة “شاشوف”، ترسم خارطة الجوع العالمية في هذا التقرير صورة قاتمة، حيث تتركز المعاناة الإنسانية بشكل مزعج في نقاط جغرافية محددة. تشير البيانات إلى أن عشر دول فقط تستحوذ على ثلثي سكان العالم الذين يعانون من مستويات الجوع الحاد، وهي: أفغانستان، وبنغلاديش، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وميانمار، ونيجيريا، وباكستان، وجنوب السودان، والسودان، وسوريا، واليمن.
وتصدرت كل من أفغانستان والسودان وجنوب السودان واليمن القائمة من حيث شدة الأزمات، سواء من حيث نسب السكان المتضررين أو الأعداد المطلقة، مما يضع هذه الدول في طليعة أولويات الاستجابة الإنسانية المعقدة.
وفي الوقت ذاته، يواجه العالم أزمة سوء تغذية مستمرة تؤثر على الأجيال الناشئة. وفق الإحصائيات الخاصة بعام 2025، عانى 35.5 مليون طفل من سوء التغذية الحاد، من بينهم نحو 10 ملايين طفل واجهوا سوء تغذية حاد ووخيم يهدد حياتهم. وفي مناطق الحروب العنيفة مثل غزة والسودان وميانمار، أدت انهيارات النظم الصحية وارتفاع الأمراض المعدية إلى زيادة معدلات الوفيات بين الأطفال بشكل كبير، مع مواجهة نصف المناطق التي تعاني من أزمات غذائية انهياراً مزدوجاً يشمل نقص الغذاء والغذاء العلاجي.
ولا يمكن فهم هذه الأزمات الغذائية بمعزل عن مأساة النزوح القسري الذي يمس ملايين الأشخاص. فقد أدى تصاعد الحروب والعنف إلى فرار أكثر من 85 مليون شخص من ديارهم قسراً خلال عام 2025 داخل الدول التي تواجه أزمات غذائية.
هؤلاء النازحون داخلياً واللاجئون وطالبو اللجوء، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مستويات أشد قسوة من الجوع مقارنة بالمجتمعات التي تستضيفهم، خصوصًا مع استمرار تراجع الدعم الدولي وترتيبات التقشف في برامج الإغاثة.
نداءات دولية للتحرك العاجل وإنقاذ الأرواح
في ظل هذه الصورة المظلمة، تتعالى الأصوات الدولية محذرة من مخاطر التقاعس عن معالجة الوضع الإنساني المنهار. الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أرسل رسالة قوية في مقدمة التقرير، مشدداً على أن الحروب ستظل السبب الرئيسي والكبرى في حرمان الملايين من الغذاء الأساسي، وإن إعلان مجاعتين في عام واحد هو تطور كارثي وغير مسبوق.
غوتيريش اعتبر الوثيقة بمثابة صرخة استغاثة عالمية، داعيًا قادة الدول إلى الإرادة السياسية الحقيقية لوقف آلة الحرب فوراً وزيادة الاستثمارات العاجلة في برامج إنقاذ الحياة.
من جانبها، أكدت المفوضة الأوروبية للمساواة وإدارة الأزمات، الحاجة لحبيب، على أهمية التقرير كنتاج لتعاون دولي على مدار عشر سنوات، مشيرةً إلى أنه يوفر قاعدة بيانات موثوقة للعمل الإنساني.
كما أعربت عن أن الأرقام المتزايدة تعكس حقيقة واضحة بأن وتيرة الجوع تتسارع بشكل مخيف. ورأت أن هذه البيانات ليست مجرد مؤشرات بل تنبه المجتمع الدولي للانتقال من الرصد إلى العمل الفعلي.
عكس التقرير أيضًا توافقاً بين المنظمات المانحة على ضرورة ربط التدخلات الإغاثية الطارئة بمجهودات دبلوماسية وسياسية حقيقية. وقد أعاد الاتحاد الأوروبي، بوصفه جهة مانحة رئيسية، التأكيد على التزامه الثابت بمكافحة انعدام الأمن الغذائي.
ختم الخبراء الدوليون بالتأكيد على أن تقديم المساعدات دون معالجة الأسباب الجذرية، مثل وقف الحروب ورفع القيود على إيصال الإغاثة، لن يكون إلا حلاً مؤقتاً لن يدوم طويلاً مع الانهيارات المتسارعة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.
في الختام، يضع “التقرير العالمي عن أزمات الغذاء” المجتمع الدولي أمام مرآة تعكس واقعاً إنسانياً مأساوياً يتطلب معالجة شاملة لا تقتصر على الحلول السطحية.
إن دفع مئات الملايين إلى حافة الهاوية، وتأكيد وقوع المجاعات في عدة مناطق، ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي بمثابة شهادة حيّة على فشل المنظومة العالمية في حماية الفئات الأكثر ضعفًا من تداعيات الحروب المستمرة والانهيارات الاقتصادية.
ولن يكون من الممكن تغيير هذا المسار الكارثي دون إرادة سياسية حقيقية توقف فورة الحروب وتضمن وصول المساعدات بشكل آمن وغير مشروط، وتستعيد مستويات التمويل الإنساني التي تراجعت بشكل كبير. وحتى تتحقق هذه التحركات الجادة على أرض الواقع، سيظل شبح الجوع يطارد الملايين، مما يحول التقارير الأممية من أدوات إنذار مبكر إلى سجلات تاريخية توثق أعظم مآسي العصر الحديث.