ما هو الرابط بين ترامب وتحذير الأمم المتحدة بشأن خطر انهيار الاقتصاد العالمي؟ – شاشوف

ما هو الرابط بين ترامب وتحذير الأمم المتحدة بشأن خطر


أشار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى أزمة النظام التجاري العالمي، محذرًا من تأثيرات التضخم، والرسوم الجمركية المرتفعة، وتراجع الأمان المالي للدول النامية. في مؤتمر بجنيف، كشف غوتيريش أن 3.5 مليار شخص يعيشون في دول تدفع أكثر لخدمة ديونها من التعليم والصحة. تضاعفت ديون الدول النامية، وأصبح أكثر من 40 دولة تتجاوز ميزانياتها لأغراض الدين. بينما تواجه الدول الناشئة تحديات في الاستثمارات والديون، دعا غوتيريش إلى إنشاء نظام تجاري عالمي عادل، وزيادة التمويل، وتوجيه الابتكار نحو العدالة، محذرًا من انهيار النظام الحالي الذي لا يناسب القرن الحادي والعشرين.

تقارير | شاشوف

لم تعد التحذيرات تأتي من الاقتصاديين فحسب، بل من أعلى هرم النظام الدولي.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عاد ليرتفع صوته محذراً من أن النظام التجاري العالمي القائم على القواعد بات قريباً من الانهيار، نتيجة تضافر ثلاث قوى مدمّرة: زيادة الديون، تصاعد الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتراجع الأمان المالي للبلدان النامية.

خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في جنيف، أشار غوتيريش إلى حقيقة مؤلمة: ‘ثلاثة مليارات ونصف إنسان يعيشون في دول تنفق على خدمة ديونها أكثر مما تنفق على التعليم أو الصحة.’

هذه العبارة تعكس مفارقة العصر، حيث يتفاخر العالم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكنه يعجز عن توفير التمويل لمدارس أطفاله.

ازدادت ديون الدول النامية بشكل ملحوظ في العقد الأخير حتى بلغت مستويات ‘غير قابلة للسداد’ في بعض الحالات، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. أوضح غوتيريش أن أكثر من 40 دولة تُنفق أكثر من نصف موازناتها على فوائد الدين، مما يجعل التنمية حلماً بعيد المنال.

هذا الاختناق المالي ناتج عن نظام ائتماني عالمي صُمم ليخدم المقرضين بدلاً من المقترضين. والنتيجة هي أن الدول تُجبر على تقليص الإنفاق الاجتماعي لتسديد ديونها، مما يزيد من تآكل شرعيتها السياسية.

ترامب يُعيد تعريف التجارة الدولية

رغم أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين هي العنوان الأبرز، إلا أن آثارها تمتد إلى جميع القارات.

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، فرضت واشنطن رسوماً جمركية واسعة وصلت في بعض الحالات إلى 40% على السلع الواردة من دول نامية لا تمثل أكثر من 1% من التجارة العالمية.

لقد قال غوتيريش بوضوح: ‘الحمائية قد تكون أمراً حتمياً في بعض الحالات، لكنها يجب أن تكون على الأقل عقلانية.’ إلا أن السياسات في الواقع اختلفت؛ حيث لم تحترم سياسات ترامب التوازن بين حماية الصناعة المحلية والحفاظ على النظام التجاري الدولي، بل استخدمت التعريفات كأداة سياسية لمعاقبة الخصوم وكسب النقاط الانتخابية، مما أدخل التجارة العالمية في عصر ‘الابتزاز الاقتصادي’ بدلاً من المنافسة العادلة.

تحدث الأمين العام عن انعدام الأمان المالي للبلدان الناشئة، التي تواجه تراجعاً حاداً في الاستثمارات الأجنبية، واضطرابات في سلاسل التوريد، وتكاليف اقتراض مرتفعة جداً.

الكثير من هذه الدول عالقة في دوامة: تقترض لتسديد القروض القديمة، وتخفض إنفاقها العام لتلبية طلبات المقرضين الدوليين، بينما ترتفع مستويات الفقر والجوع عاماً بعد عام.

وأضاف غوتيريش: ‘نظامنا المالي الدولي لا يوفر شبكة أمان كافية. الفقر مستمر، والجوع يزداد، بينما ينفق العالم بشكل متزايد على التسلح.’ هذا التصريح يلخص انهيار ترتيب الأولويات على مستوى العالم؛ إذ تنفق الدول على الأسلحة أكثر مما تنفقه على ضمان حياة شعوبها.

تحولات في خريطة الاقتصاد

من المفارقات التي ذكرها غوتيريش أن ثلاثة أرباع النمو العالمي يأتي حالياً من الدول النامية، لكن هذه النقلة الاقتصادية لا تنعكس على العدالة الاقتصادية. بينما تشهد تجارة الخدمات والتقنيات الرقمية ازدهاراً، تبقى معظم المكاسب محصورة في الدول الغنية القادرة على تمويل الابتكار واستيعاب التكنولوجيا.

وتواجه الدول الصغيرة ‘تعريفات جمركية مرتفعة’ تصل إلى 40% على صادراتها البسيطة، في حين تكتظ الأسواق المتقدمة بفائض الإنتاج المدعوم سياسياً.

بهذه الطريقة، يتحول النظام التجاري الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية تحت مسمى ‘الحرية الاقتصادية’ إلى نظام انتقائي، يسمح بحرية حركة رأس المال، بينما يقيد حركة الفقراء.

في ضوء هذا الواقع، دعا الأمين العام إلى أربع أولويات عاجلة لإنقاذ النظام الدولي من التفكك: إنشاء نظام عالمي عادل للتجارة والاستثمار، تمويل مستدام للدول النامية وخفض تكاليف الاقتراض، توجيه التكنولوجيا والابتكار لدعم النمو العادل، ومواءمة سياسات التجارة مع الأهداف المناخية.

كما أعلن عن عزمه إطلاق منتدى إشبيلية بشأن الديون لتعبئة تمويل جديد للدول المهددة بالتعثر، وزيادة قدرة بنوك التنمية على الإقراض بثلاثة أضعاف طاقتها الحالية.

هذه خطوات قد تبدو طموحة، لكنها تواجه الواقع السياسي، حيث إن الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، الأطراف التي تملك مفاتيح التمويل والقرار، لا تزال تخوض صراعاتها الخاصة على النفوذ والرسوم.

تحذيرات غوتيريش ليست إنذاراً مالياً فحسب، بل هي صرخة سياسية ضد هندسة عالمٍ يُصاغ ليتناسب مع مصالح القوى الكبرى. بينما تغرق الدول الفقيرة في الديون، تنشغل القوى الغنية في سباقات الذكاء الاصطناعي والتسلح التجاري، وعندما تصبح التجارة أداة نفوذ بدلاً من أن تكون شريان حياة، فإن ‘القواعد’ التي أُقيمت على أساسها منظمة التجارة العالمية تفقد معناها.

ما حذّر منه غوتيريش ببساطة هو أن النظام الحالي لم يعد يصلح للقرن الحادي والعشرين: عالم يُنتج من قِبل يدٍ نامية ويتحكم فيه يدٌ غنية، ويُدَار من عاصمة واحدة تُصدر الرسوم الجمركية كما تُصدر قرارات الحرب، وهو نظام يتنفس المال ويختنق بالعدالة، بينما يأتي الإنذار هذه المرة من ضمير الأمم المتحدة نفسه.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version