عُقد مؤتمر ‘العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026’ في السعودية، بمشاركة وزراء المالية وصناع القرار الاقتصادي من دول متعددة. جاء المؤتمر وسط تباطؤ اقتصادي عالمي وارتفاع في مستوى عدم اليقين، حيث تسهم اقتصادات الأسواق الناشئة بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أكد أهمية استقرار الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية، مشدداً على ضرورة التعاون الدولي. كما ناقشت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي تحديات الديون وأهمية الاستثمار في رأس المال البشري. المؤتمر أشار إلى الدور المتنامي لهذه الاقتصادات في مواجهة تعقيدات النظام الاقتصادي العالمي.
الاقتصاد العربي | شاشوف
في ظل عالم يتسم بتحولات اقتصادية سريعة وضغوط هيكلية متزايدة، تم تنظيم النسخة الثانية من مؤتمر “العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026” في محافظة العُلا بالمملكة العربية السعودية، بالشراكة بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة صناع القرار الاقتصادي ووزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وقادة المؤسسات المالية الدولية، بالإضافة إلى خبراء ومختصين من مختلف دول العالم.
عقد المؤتمر في وقت حساس يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا في النمو، وارتفاعًا في مستويات عدم اليقين، وزيادة في التحديات المرتبطة بالديون، لا سيما في الدول الصاعدة والنامية.
وقد وُصف انعقاد المؤتمر بأنه يعكس إدراكًا متزايدًا لدور اقتصادات الأسواق الناشئة في الاقتصاد العالمي، في وقت يشهد فيه النظامان التجاري والمالي العالميان تحولات عميقة. وفقًا لما ورد لـ ‘شاشوف’ من تصريحات وتقديرات المشاركين، فإن هذه التحولات ليست عابرة أو ظرفية، بل تعكس تغييرات هيكلية ممتدة تفرض على الدول اتباع سياسات أكثر تنسيقًا وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية وفروق مستويات التنمية والقدرة المؤسسية بين الاقتصادات.
وزير المالية السعودي محمد الجدعان، في كلمته الافتتاحية، أشار إلى أن اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية تمثل اليوم نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق معيار تعادل القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70% من النمو العالمي. كما لفت إلى أن إسهام هذه الاقتصادات في الاقتصاد العالمي تضاعف منذ عام 2000، مما جعلها محركًا رئيسيًا للنمو، مشيرًا إلى أن الاقتصادات الصاعدة العشر ضمن مجموعة العشرين باتت مسؤولة عن أكثر من نصف النمو العالمي.
في المقابل، شدد الجدعان على أن هذه الاقتصادات تواجه بيئة عالمية أكثر تعقيدًا، تتجلى في تصاعد ضعف الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية إلى نحو نصف المتوسط المسجل قبل جائحة كورونا، بالإضافة إلى تقلبات رؤوس الأموال وحساسيتها الشديدة للتغيرات في السياسات النقدية العالمية. كما أوضح أن أكثر من نصف الدول ذات الدخل المنخفض تعاني حاليًا من ضائقة ديون فعلية أو تقف على أعتابها، مما يفرض تحديات كبيرة على الاستقرار المالي والتنمية المستدامة.
الجدعان اعتبر أنه لا يمكن التعامل مع التحديات الراهنة بوصفها أزمات دورية، بل باعتبارها انعكاسات لتحولات هيكلية تتطلب استجابات سياسية تتميز بالمصداقية والتنسيق، تتبع أطر مالية متوسطة الأجل واضحة، وإدارة منضبطة للديون.
كما ذكر أن المؤتمر يهدف إلى تبادل الخبرات العملية والتركيز على التنفيذ الفعلي للسياسات، مع الإقرار بتنوع اقتصادات الأسواق الناشئة وعدم إمكانية التعامل معها ككتلة متجانسة.
ثلاثة دروس اقتصادية
في هذا السياق، استعرض وزير المالية السعودي “ثلاثة دروس” استقاها من التجربة الاقتصادية خلال العقد الماضي وفق اطلاع شاشوف.
الدرس الأول يؤكد أن الاستقرار الاقتصادي الكلي لا يتعارض مع النمو، بل يعد قاعدته الأساسية. بينما يتمثل الدرس الثاني في أن الإصلاحات الهيكلية لا تؤتي ثمارها إلا بوجود مؤسسات فاعلة، وحوكمة رشيدة، وشفافية، وقدرة على تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.
أما الدرس الثالث فيشير إلى تزايد أهمية التعاون الدولي في عالم يتجه نحو مزيد من التشرذم، حيث تبقى المؤسسات المالية متعددة الأطراف وشبكات الأمان المالي العالمية أدوات أساسية لمساندة الاقتصادات الصاعدة في مواجهة الصدمات المتكررة.
بدوره، تحدث وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم عن أن مرحلة الاضطراب الحالية في التجارة العالمية لا ينبغي أن تُستغل لفرض مسارات محددة على الاقتصادات الناشئة، معتبرًا أن هذه المرحلة تمثل فرصة حقيقية للبحث عن مصادر جديدة للقيمة. وشدد على أن التأخير في اتخاذ القرارات والإصلاحات سيؤدي إلى كلفة اقتصادية متزايدة مع مرور الزمن، مما يحد من قدرة هذه الاقتصادات على التكيف مع التحولات الجارية.
على المستوى الدولي، أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا أن مؤتمر العُلا يعكس الأهمية المتزايدة للأسواق الناشئة في الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن حصتها تجاوزت 56% من حجم الاقتصاد العالمي.
وأوضحت أن هذا التقدم تحقق بفضل التعاون الدولي وتعزيز الأطر المؤسسية، لكنها حذرت من أن النمو العالمي لا يزال دون المستوى المطلوب منذ جائحة كورونا، فيما تستمر مخاطر التعرض لصدمات جديدة.
غورغيفا أشارت إلى أن ارتفاع مستويات الديون وضغوط الإنفاق في العديد من الدول يفرضان تحديات معقدة على صناع السياسات، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على إطلاق طاقات القطاع الخاص، وتعميق دور الأسواق الناشئة، وتعزيز الإطار المؤسسي، بجانب الاستثمار في رأس المال البشري، وتمكين الشباب من اكتساب مهارات جديدة تتناسب مع متطلبات أعمال المستقبل.
الحوار الاقتصادي وهيمنة الدولار
في جانب آخر من النقاشات، دعا وزير المالية الصيني بول تشن إلى التمسك بالحوار بدلاً من المواجهة، وتعزيز التكامل بدلاً من فك الارتباط، مؤكدًا أن الحفاظ على نظام اقتصادي عالمي منفتح يستدعي الالتزام بالتعددية، وضمان مشاركة جميع الدول في صنع القرار الاقتصادي الدولي بشكل متساوٍ.
وفي إطار النقاشات النقدية، قال محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري إن ربط الريال السعودي بالدولار قد ساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار وتضخم منخفض في المملكة لأكثر من 40 عامًا، موضحًا أن التضخم ظل خلال السنوات الخمس الماضية دون مستوى 3% وفق قراءة شاشوف، وهو ما يعد مستوى متواضعًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة. وأشار إلى أن الدولار لا يزال يحتفظ بمكانته المحورية في النظام النقدي الدولي، مفضلًا توصيف التطورات الجارية بأنها إعادة تهيئة وتنويع تدريجي داخل نظام نقدي مرن، بدلاً من الحديث عن “إزالة الدولرة”.
السياري تطرق أيضًا إلى التحديات التي تواجه الأسواق الناشئة، مثل التوترات الجيوسياسية، وتشرذم التجارة العالمية، وارتفاع مستويات الدين وتكلفته، محذراً من أن استمرار هذه العوامل قد يؤدي إلى تسريع الضغوط التضخمية، وتقليل آفاق النمو، وزيادة تقلب تدفقات رؤوس الأموال. وأوضح أن قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الصدمات تعتمد على عاملين رئيسين، هما الأطر السياسات المحلية المتماسكة، وتوفر أدوات فعالة لامتصاص الصدمات، بما في ذلك احتياطيات كافية من النقد الأجنبي وعمق أسواق الدين.
بشكل عام، عبّر مؤتمر العُلا عن توافق على أن اقتصادات الأسواق الناشئة تقف اليوم عند مفترق طرق، بين فرص متزايدة لتعزيز دورها في الاقتصاد العالمي، وتحديات متراكمة تتطلب إصلاحات جادة وتعاونًا دوليًا أعمق. وبينما تبدو هذه الاقتصادات أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، فإن قدرتها على تحويل هذا الثقل إلى نمو مستدام ستظل مرهونة بمدى نجاحها في إدارة الديون، وتعزيز الأطر المؤسسية، والتكيف مع نظام اقتصادي عالمي يتسم بقدر متزايد من التعقيد وعدم اليقين.
تم نسخ الرابط
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
