لماذا يسعى إيمانويل ماكرون لتحويل أوروبا إلى “قوة فضائية دولية”؟

لمَ يريد إيمانويل ماكرون أن تصبح أوروبا "قوة فضائية عالمية"؟


خلال معرض باريس الجوي في 20 يونيو 2025، نوّه القائد الفرنسي إيمانويل ماكرون أهمية إعادة أوروبا كقوة فضائية عالمية. جاء ذلك بعد أن ضاعفت فرنسا حصتها في شركة “يوتل سات”، لتصبح أكبر مساهم فيها، ضمن استراتيجية لتعزيز الاستقلال الأوروبي في الفضاء. ماكرون أنذر من تهميش أوروبا أمام المنافسة من شركات مثل سبيس إكس وأمازون، وضرورة التنمية الاقتصادية في تطوير تكنولوجيا الفضاء. الفضاء أصبح بُنية تحتية أساسية لحياتنا اليومية، والاستقلال التكنولوجي ضروري لحماية الاستقرار الرقمي والماليةي. بالمقابل، تشهد السنوات الأخيرة زيادة في عدد الإطلاقات الفضائية، مما يعكس تسارعاً في المنافسة العالمية.

خلال معرض باريس الجوي في 20 يونيو/حزيران 2025، نوّه القائد الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة أن تستعيد أوروبا مكانتها كقوة فضائية عالمية، طبقًا لما أوردته وكالة فرنس برس.

جاء ذلك بعد أن عززت فرنسا حصتها في شركة “يوتل سات”، لتصبح بذلك أكبر مساهم فيها، وهي خطوة تعكس استراتيجيتها لتعزيز الاستقلال الأوروبي في الفضاء.

وعلى وجه الخصوص، شدد ماكرون على أن أوروبا قد تواجه التهميش في سوق الأقمار الصناعية منخفضة المدار بسبب المنافسة القوية من قبل شركات مثل سبيس إكس (التي يمتلكها الملياردير الأمريكي إيلون ماسك) وشركة أمازون الفضائية (التي يمتلكها الملياردير الأمريكي جيف بيزوس)، بالإضافة إلى الجهود المتزايدة من الصين في هذا المجال.

المدار الأرضي المنخفض هو الأقرب إلى سطح الكوكب (شترستوك)

في المدار

المدار الأرضي المنخفض هو أحد الأنواع التي تدور فيها الأقمار الصناعية حول الأرض، ويمتاز بأنه الأقرب إلى سطح الكوكب، حيث يقع على ارتفاع يتراوح بين 160 و2000 كيلومتر فوق سطح الأرض، ويدور القمر الصناعي في هذا المدار بسرعة عالية تصل إلى 90 دقيقة للدورة الكاملة.

تتيح المسافة القريبة من الأرض للأقمار الصناعية إنشاء اتصالات ذات سرعة عالية، فالقرب يعني زمن تأخير منخفض، وهو أمر مهم للغاية في مكالمات الشبكة العنكبوتية والخدمات المصرفية الفورية.

بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم هذه الأقمار لمراقبة الطقس والمناخ والزراعة، ورصد المحاصيل، وتتبع الفيضانات والحرائق والكوارث الطبيعية.

كما توفر هذه الأقمار خدمات الشبكة العنكبوتية والاتصال لمناطق لا تصلها الشبكات الأرضية، مثل الصحاري والجبال والسفن في البحر، وتستخدم أيضًا من قبل الجيوش والحكومات لرصد الأنشطة العسكرية أو إطلاق الصواريخ.

لكن عيب هذا المدار هو أنه يغطي منطقة صغيرة فقط، لذا تحتاج الشبكات من الأقمار الصناعية إلى مزيد من الوحدات لتوفير تغطية عالمية، وهو ما تقوم به شركات مثل سبيس إكس عبر أقمار ستارلينك، التي أطلقت حتى الآن نحو 12000 قمر صناعي، ومن المتوقع أن تصل الشبكة إلى 42000 قمر صناعي في المستقبل.

لذلك، قد يواجه هذا المدار في مرحلة ما مشكلة ازدحام، حيث إن وجود آلاف الأقمار في مدارات متقاربة يزيد من خطر التصادم، كما تشكل الأقمار التالفة خطرًا محتملًا على الأقمار السنةلة ورواد الفضاء.

تتنافس العديد من الدول على الهيمنة في الفضاء (أسوشيتد برس)

فضاء مختلف

في خطابه، وصف ماكرون الفضاء بأنه “مقياس جديد للقوة”، encompassing الاتصالات والدفاع والاستجابة للطوارئ والاستقلال التكنولوجي.

حيث إن الدفاع لم يعد مقتصرًا على الحروب الأرضية، بل أصبح يشمل حماية الأصول العسكرية في الفضاء، مثل أقمار التجسس التي تُستخدم لمراقبة تحركات الجيوش والدول، وأقمار الاتصالات العسكرية التي تمكّن القوات من التنسيق السريع والآمن في أي مكان في العالم، بالإضافة إلى أنظمة الإنذار المبكر التي تكتشف إطلاق الصواريخ أو الهجمات المفاجئة.

تتزايد عسكرة الفضاء سنويًا، حيث قامت بعض الدول بتطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية يمكنها تدمير أو تعطيل أقمار صناعية لدول أخرى، بالإضافة إلى الأقمار الصناعية الهجومية التي تحمل قدرات تشويش أو هجوم إلكتروني.

على سبيل المثال، أسست الولايات المتحدة “قوة الفضاء كفرع مستقل من القوات المسلحة منذ عام 2019، كما طورت الصين وروسيا برامج مماثلة في السنوات الأخيرة.

أثناء التحضير لإطلاق أحد أقمار يوتل سات الصناعية (وكالة الأنباء الأوروبية)

استقلال تكنولوجي

تتطلب الظروف الراهنة حاجة ملحة لتحقيق الاستقلال التكنولوجي، حيث أصبح الفضاء بنية تحتية أساسية في الحياة اليومية. نعتمد يوميًا على الأقمار الصناعية في مجالات الملاحة والاتصالات (الشبكة العنكبوتية، الهواتف، البث التلفزيوني)، ورصد الطقس والمناخ، والخدمات المالية والمصرفية.

إذا كانت هذه الأنظمة تحت سيطرة دول أو شركات أجنبية، فإن أمن الدول الرقمي والماليةي يصبح معرضًا للخطر.

علاوة على ذلك، يمثل الفضاء سوقًا اقتصاديًا ضخمًا. ومن يتحكم في الأقمار الصناعية وشبكات المدار المنخفض، يتحكم في خدمات الشبكة العنكبوتية العالمية ورصد الزراعة والبيئة والأسواق المستقبلية مثل التعدين الفضائي والسياحة الفضائية. ولذلك، فإن التنمية الاقتصادية في هذه المجالات يضمن نصيبًا عادلًا من هذه الأسواق، بدلاً من أن نكون مستهلكين فقط.

يستلزم بناء برامج فضائية مستقلة أن تسعى الدول الأوروبية إلى تطوير أقمارها بشكل ذاتي دون الاعتماد على دول أخرى، وامتلاك صواريخ إطلاق خاصة بها (مثل أريان الفرنسية) بدلاً من الاعتماد على شركات مثل سبيس إكس، وإدارة شبكات الاتصالات والملاحة الفضائية بشكل مستقل، بالإضافة إلى تطوير التقنيات الرقمية المتعلقة بالفضاء (مثل الشرائح وأنظمة القيادة والذكاء الاصطناعي) داخل أوروبا.

وبشكل خاص، بدأت أوروبا تدرك خطر الانفصال التدريجي عن الولايات المتحدة، مما يستدعي زيادة المصاريف على التصنيع والتطوير العسكري لضمان سد الثغرات التي تتركها أمريكا. كما يعد الاستقلال التكنولوجي بنفس أهمية التسليح بالنسبة للبعض.

تسارع عالمي

في السنوات الأخيرة، شهدنا زيادة ملحوظة في عدد الإطلاقات الصاروخية الفضائية مقارنة بالعقود السابقة. في التسعينيات، كان المعدل يتراوح بين 40 إلى 60 إطلاقاً سنويًا، بينما تجاوز عدد الإطلاقات في عامي 2023 و2024 حاجز 220 إطلاقًا سنويًا، معظمها من قيادة شركات خاصة.

هناك عدة أسباب لهذه الزيادة، أبرزها العدد المتزايد من الأقمار الصناعية الصغيرة، حيث تطورت تقنيات تصنيع الأقمار الصناعية، مما جعل من السهل والرخيص صنع أقمار صغيرة وخفيفة، وقد شاركت في ذلك جامعات وشركات خاصة، حتى أصبحت دول صغيرة تطلق أقمارها الخاصة بمعدلات متسارعة لخدمة مختلف الأغراض، من الاتصالات إلى العمليات العسكرية.

بالإضافة إلى ذلك، تنمو مشاريع الكوكبات الضخمة، حيث تخطط شركات مثل “كايبر” و”ستارلينك” و”غووانغ” لإطلاق آلاف الأقمار لتوفير الشبكة العنكبوتية عالميًا.

تتطلب هذه المشاريع وحدها عشرات الإطلاقات سنويًا، ويأتي ذلك في سياق تطور تقنيات تصنيع الصواريخ التي أصبحت أسهل وأرخص، خاصة مع إمكانية إعادة استخدام الصاروخ بعد العودة إلى الأرض.

علاوة على ذلك، نحن في خضم سباق فضائي جديد، حيث تقوم دول مثل الصين والولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية بتوسيع برامجها الفضائية بشكل كبير، فيما تنمو المخاوف من سباق تسلح فضائي.


رابط المصدر

Exit mobile version