لماذا لم يخفف الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة من ارتفاع الأسعار العالمية؟ – شاشوف
رغم انتهاء الحرب على إيران، فإن الأسواق العالمية قد تحتاج وقتًا للتعافي. الاتفاق السياسي بين الولايات المتحدة وإيران قد لا يؤدي إلى تراجع فوري في أسعار الوقود والغذاء، حيث سيظل المستهلكون يتحملون الأعباء لفترة طويلة بسبب التحديات الناجمة عن الاضطرابات في سلاسل الإمداد. رغم انخفاض أسعار النفط بعد الاتفاق، فإن الأسعار في محطات الوقود قد لا تتأثر مباشرة لارتباطها بعقود طويلة الأجل. تشير توقعات الخبراء إلى استمرار ضغوط الأسعار على السلع الغذائية، خصوصًا في ظل تكاليف النقل المرتفعة، مما يجعل التعافي التدريجي أمرًا محتملًا وطويل الأمد.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يبدو أن الأسواق العالمية قد تحتاج إلى بعض الوقت للتعافي على الرغم من انتهاء الحرب في إيران. فقد أثار الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وبدء ترتيبات إعادة فتح مضيق هرمز تساؤلات كثيرة حول سرعة تأثير هذا التطور على أسعار الوقود، والغذاء، والنقل، والشحن في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، يؤكد خبراء الاقتصاد والمحللون أن الأسواق لن تتجاوب سريعًا مع هذا التحول، وأن المستهلكين سيظلّون يواجهون أعباء الأسعار المرتفعة في الفترة المقبلة بسبب التداعيات العميقة التي خلفتها الحرب على سلاسل الإمداد العالمية.
وفقاً لمصادر “شاشوف” من وكالة “أسوشيتد برس”، يرى الاقتصاديون أن مجرد الإعلان عن اتفاق سياسي لا يكفي لإعادة الأسواق إلى أوضاعها السابقة بشكل فوري. فالأسواق التجارية العالمية بحاجة إلى وقت لاستعادة توازنها بعد أشهر من الاضطرابات التي تعرضت لها أحد أهم الممرات البحرية في العالم. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال الشركات التي تكبدت خسائر إضافية خلال فترة النزاع تتعامل مع تكاليف مرتفعة، وشحنات متأخرة، وعقود طويلة الأجل تم إبرامها في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشتها الأسواق في الأشهر الماضية.
وعلى الرغم من أن أسعار النفط شهدت انخفاضًا ملحوظًا بعد الإعلان عن الاتفاق، حيث تراجع سعر خام غرب تكساس الأمريكي إلى حوالي 80 دولارًا للبرميل مقارنةً بأكثر من 120 دولارًا في ذروة النزاع، وبعد أن كان مستقرًا حول 67 دولارًا قبل اندلاع الحرب، فإن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار في البنزين والديزل فورًا. وذلك بسبب طبيعة عمل قطاع الطاقة، حيث تعتمد المصافي وشركات التوزيع على عقود شراء تمتد لأسابيع أو أشهر، مما يعني أن الوقود المتوفر حاليًا في الأسواق تم شراؤه عندما كانت الأسعار أعلى بكثير.
في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي بريت هاوس أن المستهلكين لم يلاحظوا حتى الآن أي تحسن ملموس في أوضاعهم الاقتصادية رغم مرور ثلاثة أشهر على بدء الحرب. ويشير إلى أن التداعيات السلبية للحرب ما تزال تؤثر في القوة الشرائية وفي تكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويعتقد هاوس أن الأسواق تحتاج إلى فترة زمنية أطول لتستوعب المتغيرات الجديدة وتعيد تسعير المنتجات والخدمات وفق المعطيات المستجدة.
معضلة الأسعار.. خفض تدريجي لا فوري
يتفق خبراء قطاع الطاقة على أن أسعار الوقود عادة ما تستجيب ببطء لتحركات أسعار النفط الخام. ووفقًا لمايكل لينش، الزميل في مؤسسة أبحاث سياسة الطاقة، تحتاج المواد الخام إلى أسابيع قبل أن تمر عبر عمليات التكرير، والتخزين، والتوزيع، لتصل في النهاية إلى المستهلك، مما يفسر استمرار ارتفاع أسعار البنزين حتى بعد تراجع النفط في الأسواق العالمية.
كما يلاحظ مارك بارتيو، أستاذ الهندسة الكيميائية في جامعة تكساس “إيه آند إم”، أن بعض المناطق قد تحتاج إلى فترة أطول من غيرها للاستفادة من انخفاض أسعار النفط، خصوصًا تلك التي لا تمتلك قدرات تكرير كافية لتلبية احتياجاتها المحلية، مثل الساحل الغربي للولايات المتحدة. ولذلك، فإن الانخفاض المتوقع في أسعار الوقود لن يكون متساويًا أو متزامنًا في كافة الأسواق، بل سيختلف من دولة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى بناءً على طبيعة البنية التحتية وسلاسل التوريد المحلية.
كما يحذر خبراء الاقتصاد الغذائي من أن أسعار السلع الغذائية ستظل تحت ضغط خلال الأشهر المقبلة. ويؤكد ديفيد أورتيغا، أستاذ اقتصاديات الغذاء والسياسة في جامعة ولاية ميشيغن، أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تؤدي إلى تراجع سريع في أسعار الغذاء، لأن تكلفة الوقود تمثل ما بين 15% و30% من إجمالي تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع المواد الغذائية، حسب بيانات تحالف متاجر البقالة المستقل الذي يضم نحو 7500 متجر حول العالم.
ويضيف أورتيغا أن أسعار الوقود، والديزل، والأسمدة ما زالت بحاجة إلى وقت قبل أن تنخفض بصورة تشكل فارقًا، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن آليات إعادة فتح المضيق وعودة حركة الملاحة التجارية إلى مستوياتها الطبيعية. وبالتالي، يُتوقع استمرار الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة، حتى مع بدء تحسن الظروف الجيوسياسية في المنطقة.
وقد كان قطاع الأسمدة من أكثر القطاعات تأثرًا بالحرب، حيث كان نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع النزاع. مع تعطل حركة الإمدادات خلال الأشهر الماضية، شهدت الأسواق ارتفاعات ملموسة في الأسعار، ويتوقع الخبراء أن تستغرق عودة الشحنات واستقرار الأسواق فترة طويلة نسبيًا بسبب التراكمات التي خلفتها الأزمة.
كما أثر النزاع على قطاع الشحن البحري العالمي، حيث أوضح جوداه ليفين، رئيس الأبحاث في منصة “فرايتوس”، أن إغلاق مضيق هرمز أثر مباشرة على ما بين 2% و3% من إجمالي سفن الحاويات المستخدمة في التجارة العالمية. ومع ذلك، جاء التأثير الأكبر من ارتفاع أسعار النفط واضطراب خطوط الملاحة، مما أدّى إلى زيادة تكاليف النقل البحري، والتأمين، وإطالة أوقات الشحن.
تتفق التقديرات على أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تهدئة الأسواق العالمية وإعادة الاستقرار إلى التجارة الدولية. لكن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها الاقتصادية بشكل مباشر، فالتكاليف المرتفعة التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، والاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد، والعقود التجارية المبرمة خلال فترة الأزمة، ستكون جميعها عوامل ستجعل عملية العودة إلى مستويات الأسعار السابقة عملية تدريجية وطويلة نسبيًا.