تشير التقارير إلى تزايد خسارة الآثار اليمنية، مع انتشار تحف تاريخية في متاحف عالمية مثل متحف المتروبوليتان في نيويورك. توثق القطع المباعة بأنها جزء من الهوية السيادية اليمنية، ما يؤكد أن هذه الآثار لا تُعامل كمجرد فن. تعاني اليمن من فراغ قانوني، مما يسهل تهريب هذه القطع، على عكس دول مثل مصر واليونان التي تستفيد اقتصادياً من تراثها الثقافي. يبرز تجارب العراق وسوريا التأثير المدمر لتعزيز الآثار غير المشروعة. يشير الخبراء إلى ضرورة التحرك السريع والتعاون الدولي لوقف النزيف الاقتصادي واستعادة التراث الثقافي المنهوب.
الاقتصاد المحلي | شاشوف
تتزايد المؤشرات على توسع أزمة الآثار اليمنية نحو الخارج. يُبرز خبير الآثار عبدالله محسن أربع قطع أثرية محفوظة في متحف المتروبوليتان بنيويورك، منها إناء وضوء معدني من تعز يعود لعصر الملك المجاهد علي بن المؤيد داود (1321–1363م) مزخرف بالنقوش العربية وشعار الوردة خماسية البتلات، إلى جانب صينية نحاسية صُنعت للسلطان المؤيَّد داود بن يوسف (1297–1321م) تتوسطها رموز الكواكب وعلامات الأبراج، وأسطرلاب فريد ينسب للأشرف عمر بن يوسف (1295–1296م)، وموقد محمول مزخرف بألقاب السلطان المظفَّر يوسف بن عمر (1250–1295م) حيث تتكرر الوردة الخماسية كشعار للدولة.
هذه القطع -المعتمدة أكاديمياً والموجودة في أحد أكبر متاحف العالم- تثبت أن ما يُباع ويُعرض في المعارض الغربية ليس مجرد “تحف فنية”، بل علامات صحة وهوية جرى انتزاعها من سياقها الوطني وتحويلها إلى أصول تجارية.
في ديسمبر 2024، بيعت رؤوس تماثيل من سبأ وقتبان في دار “جورني وموش” بألمانيا، وهي السابقة التي تمت بوصول وجهٍ برونزي نادر مزخرف بعيون مرصعة في باريس (2009).
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، وثّق “شاشوف” مبيعات علنية في أمريكا لشواهد جنائزية سبئية تحمل أسماء شخصيات معروفة في نقوش المسند مثل “معد كرب” وابنته “غثم” – حيث تم بيعها بين 2003 و2008 بلا أي تحرك رسمي من الجانب اليمني. وأكثر ما يثير القلق أن مزاداً أمريكياً أخطأ حتى في تعريف قطعة “غثم” وعرفها بوصفها “ذكراً”، مما يعكس الإهمال المهني والنظرة التجارية البحتة التي تتعامل بها الأسواق مع الإرث اليمني.
فجوة قانونية وفراغٌ رسمي… تُشرعن السرقة
الثغرات تتكرر: عبارات مثل “أصل غير محدد” و”مجموعات خاصة” تكفي لإدراج القطع في المزادات، بينما يبقى تسجيل اليمن في قواعد بيانات الآثار المسروقة عالمياً ضعيفاً، مما يسهل تدفق اللقى عبر قنوات قانونية ظاهرياً. والنتيجة خسارة مزدوجة: موروثٌ لا يُقدَّر بثمن يُفقد للأبد، وفرص اقتصادية وسياحية محلية تتبخر.
في مصر، أسهمت السياحة – المدفوعة بالمواقع والمتاحف – في تحقيق إيرادات تجاوزت 14 مليار دولار في 2024 مع 15.7 مليون زائر، مع مساهمة مباشرة وغير مباشرة تقارب 8.5% من الناتج المحلي وتوفير ملايين فرص العمل، وفقاً لتقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة.
وفي اليونان، تجاوز عدد الزوار 33 مليوناً في 2023، وبلغت مساهمة السياحة نحو 28.5 مليار يورو سنوياً، فيما تشكل السياحة الثقافية ركيزة أساسية لذلك الدخل. هذه المقارنات تبرز أن التراث يعد مصدراً مولّداً للقيمة لا يقل أهمية عن النفط والمعادن عند إدارته بسياسة دولة طويلة الأجل.
السوق العالمية للآثار المنهوبة: مؤشرات موثقة بدل “أساطير الأرقام”
على الرغم من شيوع ادعاءات مبالغ فيها بشأن “حجم” تجارة الآثار المنهوبة، تُظهر الأدلة الموثوقة أن غياب البيانات المعيارية يجعل تقديرات الحجم العالمي غير مؤكدة. تحليل صادر عن مؤسسة RAND (2020) أظهر أن الروايات الشائعة حول سوقٍ بمليارات الدولارات في الآثار المنهوبة ليست مدعومة بأدلة قوية، وأن ما يتوفر هو مؤشرات ضبط وإنفاذ (مصادرات، واستردادات) تشير إلى نشاطٍ أصغر بكثير من الادعاءات السائدة، خصوصاً في قنوات الإنترنت التي قُدِّرت تعاملاتها في نطاق عشرات الملايين سنوياً وليس المليارات.
على الجانب التنفيذي، أعلنت “يوروبول” ضمن عملية Pandora IX (2025) عن مصادرة 37,700 قطعة ثقافية واعتقال 80 شخصاً خلال حملة مشتركة في 33 دولة – وهو رقم يعطي “خطّ قياس” واقعياً لتدفقات السوق غير المشروعة التي تُكشف سنوياً، وقد نقلت “واشنطن بوست” حصيلة العملية عن «يوروبول» مع تفاصيلٍ إضافية حول أنماط التهريب العابرة للحدود.
وفي الولايات المتحدة، تُظهر بيانات مكتب التحقيقات الفدرالي أن جهود إنفاذ القانون أسفرت – منذ 2004 – عن استرداد أكثر من 20 ألف قطعة فنية وأثرية بقيمة إجمالية تتجاوز 900 مليون دولار وفقاً لتقارير شاشوف، مما يعكس حجم الخسائر الاقتصادية وقابلية الاسترداد عند توفر الإرادة والأدوات القانونية.
وبالمقابل، يُقدّر تقرير “آرت بازل–يو بي إس” قيمة السوق الفنية العالمية المشروعة بحوالي 65 مليار دولار في 2023 (مع تراجع إلى 57.5 مليار في 2024 وفق “فايننشال تايمز”)، وبالمقارنة مع هذا الحجم، تبدو تجارة الآثار غير المشروعة صغيرة نسبياً لكنها عالية العائد على المهرّبين ومكلفة اجتماعياً لأنها تستنزف رأس المال الثقافي للدول وتضر بثقة السوق الشرعية.
دروس العراق: عندما تتحوّل «الاستعادة» إلى سياسات دولة
بعد نهب المتحف الوطني العراقي عقب غزو 2003، تم سرقة نحو 15 ألف قطعة وفق تقديرات متحفية وإعلامية، واستمرت جهود الاسترداد لسنوات. في 2021، أعادت الولايات المتحدة إلى العراق أكثر من 17 ألف قطعة نُهبت خلال الفوضى – في أكبر عملية استرداد فردية من نوعها – بقيمة تقديرية قاربت 10 ملايين دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية وبعض التقارير الدولية. هذا المثال يبرهن أن الإطار القانوني والتعاون القضائي يمكن أن يعكسا اتجاه النزيف ولو جزئياً.
كما رسّخ قرار مجلس الأمن 2199 (2015) حظر الاتجار بالممتلكات الثقافية القادمة من العراق وسوريا، مما يؤكد أن تجارة الآثار قد تكون مصدراً لتمويل العنف، مُرسلاً بذلك إشارة سياسية مهمة لسوقٍ تغذيها الطلبات العالمية. المعنى الاقتصادي لليمن: كلما اتسعت دائرة الحظر والتنفيذ، ارتفعت تكاليف المخاطرة على سلاسل التهريب التي تمر عبر البلد.
العراق ليست الدولة الوحيدة أو الأبرز، فبعد سنوات الحرب، تحوّلت سوريا إلى إحدى الساحات الأكثر نشاطاً في التهريب. تُظهر التقارير الميدانية أن شبكات منظمة تستغل الفوضى الأمنية وتُهرّب اللقى عبر حدود رخوة إلى سوق عالمية تبحث عن “أصول نادرة”.
وقد وثّقت صحف دولية في 2025 عودة نشاط التهريب مع تغييرات السيطرة، وتحدثت عن تجدد الحفر غير المشروع وحلقات البيع والتحويل المعقدة.
الدرس لليمن: عندما تغيب الدولة وتضعف السجلات والمطابقات، تصبح المواقع الأثرية “بنوكاً مكشوفة” على الخرائط.
في موازاة ذلك، تواصل عمليات “Pandora” السنوية ضبط تحف ذات منشأ سوري/عراقي ضمن شحنات عابرة لأوروبا وآسيا، مما يدل على أن قنوات التهريب نفسها غالباً ما تُستخدم لدول متجاورة أو متشابهة في ظروف الحرب – وهو ما يجب أن يوجه تصميم اليمن لاستراتيجية مكافحة عابرة للحدود.
هذا ولا يقتصر تهريب الآثار على كونه جريمة ضد الذاكرة، بل هو نزيف اقتصادي مستمر. تدل المؤشرات التنفيذية – من مصادرات “Pandora” إلى استردادات الـFBI – على أن السوق السوداء موجودة، متحوّلة، وعابرة للحدود، لكنها قابلة للانكماش إذا تحركت الدول بسرعة وبأدوات صحيحة.
تم نسخ الرابط
