كأس عالم للطبقة الراقية؟.. أمريكا تصرف المليارات والجماهير مُبعدة عن الملعب – شاشوف
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، تبرز تساؤلات حول فوائد استضافة الولايات المتحدة للبطولة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار تذاكر المباريات إلى نحو 2000 دولار. هذا التحول يجعل البطولة تبدو كمنتج ترفيهي للأثرياء، بخلاف مونديال 1994 الذي ساعد في تطوير كرة القدم في أمريكا. بينما تكبدت الحكومة الأمريكية تكاليف أمنية كبيرة، يشعر 80% من أصحاب الفنادق بالقلق من ضعف الحجوزات. في حين أن المكسيك تعالج البطولة كاحتفال وطني مع تذاكر أكثر سهولة، تثير الأوضاع الحالية تساؤلات حول فقدان كأس العالم لجاذبيتها الجماهيرية.
منوعات | شاشوف
قبل أسابيع قليلة من بدء كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، بدأت ملامح البطولة تتضح بأسلوب يطرح سؤالاً محرجاً: ما الذي ستكسبه الولايات المتحدة من استضافة المونديال، إذا كانت جماهيرها غير قادرة على حضور المباريات؟
تذاكر المباريات الرسمية للمنتخب الأمريكي تتجاوز أسعارها حاجز الـ2000 دولار حتى للمقاعد البعيدة، بينما تخطت بعض باقات الضيافة الفاخرة ثمن سيارة كاملة، في مشهد يوضح كيف تحولت البطولة تدريجياً من حدث جماهيري عالمي إلى منتج ترفيهي يستهدف الأثرياء فقط.
وفقاً لما نشرته وكالة “بلومبيرغ” وبناءً على معلومات مرصد “شاشوف”، فإن النسخة القادمة من كأس العالم تختلف بشكل جذري عن مونديال 1994 الذي استضافته الولايات المتحدة قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما كانت البطولة وسيلة لتعزيز كرة القدم في المجتمع الأمريكي وتطوير البنية الرياضية المحلية، التي تُعتبر متواضعة مقارنة بدول أخرى.
في عام 1994، كانت كرة القدم ما تزال رياضة غير شائعة نسبياً في الولايات المتحدة، لذلك جاءت استضافة المونديال كجزء من مشروع رياضي وثقافي طويل الأجل. حينها، وافق الاتحاد الأمريكي لكرة القدم على إنشاء دوري محترفين، مما أدى لاحقاً إلى ظهور الدوري الأمريكي الحالي الذي يضم اليوم مجموعة من الأندية والملاعب الحديثة.
أسعار التذاكر كانت في متناول الجماهير، حيث بدأت من 25 دولاراً، مما جعل البطولة تجربة جماعية حقيقية يشعر المواطن العادي بأنه جزء منها.
أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً. الولايات المتحدة تمتلك بالفعل بنية تحتية ضخمة، بما في ذلك المطارات، الفنادق، وشبكات النقل، بالإضافة إلى دوري رياضي قوي يجذب نجوم عالميين في كرة القدم. لذا يتساءل الكثيرون: إذا كانت أمريكا لا تحتاج لتطوير اللعبة أو البنية التحتية، وإذا كانت الجماهير لا تستطيع حضور المباريات، فما الفائدة الحقيقية من الاستضافة؟
فاتورة ضخمة ومكاسب ضبابية
المفارقة أن المواطن الأمريكي ما يزال مطالباً بتحمل تبعات البطولة كلها، بدءاً من الازدحام والإغلاقات والإجراءات الأمنية المشددة وصولاً إلى الإنفاق الحكومي الضخم.
خصصت الحكومة الفيدرالية في أمريكا حوالي 625 مليون دولار للأمن، بينما تتكبد كل مدينة من المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة ما يصل إلى 200 مليون دولار إضافية لتأمين المباريات والتنظيم، حسب تقارير أمريكية.
لكن المكاسب الاقتصادية تبدو أقل وضوحاً مقارنة بالبطولات السابقة. حيث أظهرت تقارير رصدها شاشوف أن نحو 80% من مالكي الفنادق يشعرون بالقلق من تراجع الحجوزات مقارنة بالتوقعات، رغم قرب موعد البطولة.
وهذا يطرح احتمالاً مقلقاً، وهو أن تتحول البطولة الأكبر في العالم إلى حدث ضخم من الناحية المالية والإعلامية، ولكنه محدود التأثير الشعبي داخل الدولة المستضيفة.
كيف تغيّر معنى كأس العالم؟
تاريخياً، كانت الدول تستضيف كأس العالم لأسباب تتجاوز كرة القدم. استخدمت البرازيل نسخة 1950 لتقديم نفسها كدولة حديثة بعد فترات الحكم السلطوي، بينما سعت إنجلترا عبر مونديال 1966 لتعزيز مكانتها الدولية خلال فترة تراجع نفوذها.
أما المكسيك، فقد حولت مونديال 1970 إلى عرض عالمي للتقدم التكنولوجي من خلال أول بث ملون في تاريخ البطولة، كما ساعدت الملاعب التي شُيدت آنذاك في توسيع كرة القدم الاحترافية محلياً. لكن الأهم أن تلك البطولات حافظت، بدرجات متفاوتة، على فكرة أن كأس العالم حدث يخص الجماهير أيضاً، وليس مجرد منصة ترفيهية للنخب الثرية.
في مونديال 1986 مثلاً، كانت أرخص التذاكر في المكسيك تعادل تقريباً أجر يوم عمل لعامل عادي، رغم أنها لم تكن زهيدة، لكنها بقيت ضمن حدود الممكن، وحملت رسالة واضحة للمواطنين أنها “لكم أيضاً”.
اليوم، يبدو أن هذه الفكرة في طريقها للتآكل، فالأسعار المرتفعة وصعوبة الوصول للمباريات تجعلان جزءاً كبيراً من الجماهير يشعر بأنها لم تعد ملكه.
وحسب بلومبيرغ، لا يبدو أن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” يُظهر اهتماماً كبيراً بجعل البطولة في متناول الجمهور العادي، رغم أن ذلك قد يهدد أحد أهم عناصر قوة كأس العالم، وهو التجربة الجماعية الوطنية التي تعطي الحدث معناه الحقيقي.
فالمدرجات المليئة بالمشجعين المحليين، والاحتفالات الشعبية في المدن، والإحساس بأن البطولة تهم المجتمع بأكمله، كانت دائماً جزءاً من “روح المونديال”. وإذا أصبحت المباريات منتجاً حصرياً للأثرياء والسياح، فإن البطولة قد تفقد تدريجياً جاذبيتها الإنسانية التي منحتها قيمتها العالمية لعقود.
المكسيك.. الوجه الآخر للمونديال
رغم الانتقادات الموجهة للنسخة الأمريكية، تقول بلومبيرغ إن المكسيك ما تزال تتعامل مع البطولة كـ”احتفال وطني” أكثر من كونها مشروعاً تجارياً ضخماً.
إلى جانب تطوير الملاعب، تستخدم المكسيك الحدث لتحديث الساحات العامة والبنية التحتية وتعزيز صورتها الدولية، بينما تبدأ أسعار بعض التذاكر هناك من نحو 60 دولاراً، وهو رقم يبقى مرتفعاً لكنه أكثر قرباً من الجمهور مقارنة بالأسعار الأمريكية.
في النهاية، لا يتوقف السؤال عند ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستفيد اقتصادياً من كأس العالم، بل يتعلق بما إذا كانت البطولة قادرة على الحفاظ على روحها الجماهيرية في عصر تعيش فيه الرياضة العالمية تحولاً تدريجياً نحو صناعة فاخرة تفاصل المشجع عن اللعبة التي يحبها.