كأس العالم 2026: اكتشف قيمة المليارات والمستفيدين بينما تتحمل المدن تكاليف الاستضافة – بقلم شاشوف


مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يُلاحظ أن البطولة تحولت إلى صناعة اقتصادية ضخمة، حيث تضم أكثر من 1240 لاعباً بقيمة سوقية حوالي 18 مليار يورو. يُتوقع أن تحقق البطولة عوائد مالية غير مسبوقة للفيفا تصل إلى 13 مليار دولار، مع طرح تساؤلات حول المستفيد الحقيقي: المدن المستضيفة أم الفيفا نفسه. في حين تواجه المدن تكاليف ضخمة للاستعداد، فإن الفيفا يحتفظ بمعظم العوائد من حقوق البث والرعاية. ستظل نتائج الأحداث واضحة على المدى البعيد، حيث سيُقيَّم نجاح البطولة من خلال مكاسب المدن المستضيفة الاقتصادية.

منوعات | شاشوف

مع بدء منافسات كأس العالم 2026، اليوم الخميس 11 يونيو، في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة، تتجه أنظار مليارات المشجعين نحو المباريات والنجوم والنتائج. ولكن خلف الكواليس الرياضية تدور واحدة من أكبر العمليات الاقتصادية في العالم، حيث بات المونديال صناعة عالمية ضخمة تُداخل فيها مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الإعلامية وشركات السياحة والنقل والرعاة التجاريين، وتُضخ عبرها مليارات الدولارات خلال أسابيع قليلة.

تشير تقديرات مرصد “شاشوف” إلى أن النسخة الحالية تضم أكثر من 1240 لاعباً، حيث تبلغ قيمتهم السوقية مجتمعة نحو 18 مليار يورو (20.8 مليار دولار). ومن المتوقع أن تحقق البطولة ذاتها عوائد مالية غير مسبوقة للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، مما يُعيد طرح السؤال التقليدي مع كل نسخة من كأس العالم: من هو المستفيد الأكبر فعلاً من البطولة؟ هل هي المدن والدول المضيفة أم الاتحاد الدولي لكرة القدم؟

“فيفا” يقود ماكينة مالية ضخمة

على مدار السنوات الماضية، نجح الاتحاد الدولي لكرة القدم في تحويل كأس العالم إلى واحدة من أكثر العلامات التجارية ربحية في العالم، حيث لا يقتصر عمل الفيفا على بيع مباريات كرة القدم، بل يمتد لبيع حقوق البث التلفزيوني، الإعلانات، الرعايات، التسويق، ورخص الأعمال لكبرى الشركات العالمية.

خلال دورة 2019 – 2022 التي اختتمت بمونديال قطر، حقق الفيفا إيرادات قياسية بلغت 7.57 مليارات دولار، حيث كان نصيب حقوق البث التلفزيوني منها 3.43 مليارات دولار، تمثل 45.3% من إجمالي الإيرادات. كما بلغت عائدات التسويق والرعاية 1.8 مليار دولار، وبلغت إيرادات التذاكر والضيافة 949 مليون دولار، بالإضافة إلى 769 مليون دولار من التراخيص التجارية و629 مليون دولار من مصادر أخرى.

أما في دورة 2023 – 2026 الحالية، فيتوقع الاتحاد الدولي تحقيق إيرادات إجمالية تبلغ نحو 13 مليار دولار، بزيادة تقارب 72% مقارنة بالدورة السابقة، ويُعزى جزء كبير من هذه القفزة إلى توسعة البطولة إلى 48 منتخباً ورفع عدد المباريات إلى 104 مباريات للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم.

تشير وثائق الفيفا إلى أن عام 2026 وحده سيولد نحو 8.9 مليارات دولار من الإيرادات، تتصدرها حقوق البث بنحو 3.9 مليارات دولار، بالإضافة إلى قرابة 3 مليارات دولار من عائدات التذاكر والضيافة التجارية، فضلاً عن مليارات أخرى من عقود الرعاية والتسويق والحقوق التجارية.

المدن المضيفة تدفع الثمن

من ناحية أخرى، تبدأ المدن المستضيفة في تحمل تكاليف البطولة قبل سنوات طويلة من صافرة البداية، فاستضافة كأس العالم تتطلب تجهيزات تتجاوز الملاعب، لتشمل تطوير المطارات والطرق وشبكات النقل وأنظمة الأمن وخطط الطوارئ والخدمات الصحية ومرافق الضيافة، بالإضافة إلى التكاليف التشغيلية الكبيرة المرتبطة بإدارة الحشود وتأمين المباريات.

ورغم استفادة الفنادق والمطاعم والمتاجر من تدفق الجماهير، فإن بعض الأنشطة التجارية الأخرى قد تتأثر بسبب الإغلاقات الأمنية والازدحام المروري وتغيير أنماط الحركة داخل المدن، كما يتحمل السكان المحليون تكاليف مرتفعة للخدمات والإقامة والنقل خلال فترة البطولة.

تظهر هذه المعادلة في الولايات المتحدة، التي استضافت مونديال 1994 وجذبت حينها أكثر من 3.5 ملايين متفرج بمتوسط يقارب 69 ألف مشجع للمباراة، ورغم النجاح الجماهيري الكبير، أظهرت دراسة اقتصادية نُشرت عام 2004 أن المكاسب الاقتصادية الفعلية كانت أقل بكثير من التوقعات السابقة، حيث قُدِّرت الفجوة بين العوائد الحقيقية والتوقعات بما يتراوح بين 5.5 و9.3 مليارات دولار.

مخاوف أمنية رغم المليارات

برزت تحديات إضافية تتعلق بالأمن والتمويل، فقد واجهت المدن الأمريكية المستضيفة ضغوطاً كبيرة بعد تجميد نحو 900 مليون دولار من التمويل الفيدرالي المخصص للتحضيرات الأمنية، فيما تستعد 11 مدينة أمريكية لاستضافة مباريات البطولة.

هذه المدن تشمل أتلانتا، بوسطن، دالاس، هيوستن، لوس أنجلوس، كانساس سيتي، ميامي، نيويورك/نيوجيرسي، فيلادلفيا، سان فرانسيسكو، وسياتل، ومن المقرر أن تُقام أول مباراة على الأراضي الأمريكية في 13 يونيو (السبت) بمدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا.

كانت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية الأمريكية (FEMA) قد خصصت في البداية 625 مليون دولار لدعم الخطط الأمنية الخاصة بالمونديال، قبل زيادة المبلغ لاحقاً بنحو 250 مليون دولار إضافية لتعزيز أنظمة رصد وتعقب الطائرات المسيّرة، إلا أن استمرار تجميد التمويل أثار مخاوف بشأن تأثير بعض الفعاليات الجماهيرية المصاحبة للبطولة.

وفي مدينة ميامي وحدها، حذر المسؤولون من احتمال إلغاء بعض مناطق المشجعين والفعاليات الخارجية إذا لم تحصل المدينة على 70 مليون دولار إضافية لتغطية الترتيبات الأمنية واللوجستية.

تظل تجربة البرازيل في مونديال 2014 حاضرة في ذاكرة الاقتصاديين عند تقييم الجدوى المالية لاستضافة البطولات الكبرى، حيث أنفقت البرازيل نحو 11.5 مليار دولار استعداداً لاستضافة البطولة، شاملة تطوير الملاعب والمطارات وشبكات النقل والمرافق السياحية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 85% من هذه النفقات قد تم تمويلها من المال العام، مما أثار احتجاجات واسعة آنذاك، وبعد انتهاء البطولة، تحولت بعض الملاعب والمنشآت إلى ما يُعرف اقتصادياً بـ”الفيلة البيضاء”، أي مشاريع ضخمة مرتفعة التكلفة لم تحقق الاستخدام أو العائد الاقتصادي الذي يبرر حجم الإنفاق عليها.

مونديال بقيمة 21 مليار دولار من المواهب

إلى جانب العوائد التجارية، تمثل بطولة 2026 أكبر تجمع للمواهب الكروية في التاريخ من حيث القيمة السوقية، إذ تبلغ القيمة الإجمالية للاعبين المشاركين نحو 18 مليار يورو (20.8 مليار دولار)، حيث يأتي الإسباني لامين يامال والنرويجي إيرلينغ هالاند في مقدمة قائمة أغلى لاعبي البطولة بقيمة 200 مليون يورو لكل منهما، يليهما الفرنسي كيليان مبابي بقيمة 180 مليون يورو.

وعلى مستوى المنتخبات، يتصدر منتخب فرنسا القائمة بقيمة إجمالية تبلغ 1.476 مليار يورو، يليه منتخب إنجلترا بقيمة 1.31 مليار يورو، ثم منتخب إسبانيا بقيمة 1.267 مليار يورو.

أما عربياً، فيبرز منتخب المغرب لكرة القدم كأعلى منتخب من حيث القيمة السوقية بين المنتخبات العربية، ويتصدر نجمه أشرف حكيمي قائمة اللاعبين العرب بقيمة 80 مليون يورو.

من الرابح الحقيقي؟

رغم أن المدن المستضيفة تسعى لتحقيق مكاسب سياحية وتنموية طويلة الأجل، تشير معظم الدراسات الاقتصادية التي تناولها شاشوف مؤخراً إلى أن المستفيد المالي الأكثر وضوحاً وثباتاً يبقى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”. فبينما تتحمل الحكومات والسلطات المحلية تكاليف الأمن والنقل والبنية التحتية والخدمات العامة، يحتفظ الفيفا بالسيطرة على حقوق البث والرعاية والتسويق والتذاكر والضيافة التجارية، وهي المصادر الرئيسية للعائدات.

لذا، يرَى خبراء الاقتصاد الرياضي أن الحكم الحقيقي على نجاح مونديال 2026 لن يتم إلا بعد سنوات من انتهاء البطولة، عندما يتبين ما إذا كانت المدن المستضيفة قد نجحت في تحويل مليارات الدولارات التي أنفقتها إلى مكاسب اقتصادية وسياحية مستدامة، أم أن الفيفا سيبقى، كما في معظم النسخ السابقة، هو الرابح المالي الأكبر من هذا الحدث الرياضي الأضخم في العالم.