فتح هرمز يغير توازن سوق النفط.. تدفق ملايين البراميل يضغط على الأسعار بفائض المعروض – شاشوف


أسواق النفط العالمية شهدت تحولاً من خطر نقص الإمدادات الناتج عن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى قلق من فائض المعروض. وقد أدى الاتفاق الأمريكي الإيراني وعودة تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز إلى هبوط أسعار النفط، حيث سجل خام برنت انخفاضًا إلى ما دون 75 دولارًا للبرميل. تراجع الطلب من الصين، أكبر مستورد للنفط، وضعف النشاط الصناعي هما من أبرز أسباب الفائض. رغم ذلك، تبقى المخزونات في بعض الدول المنخفضة تاريخيًا، مما يمنع انهيار الأسعار بشكل حاد. ومع استمرار الشحنات، تتوقع الأسواق ضغطًا إضافيًا على الأسعار في النصف الثاني من عام 2026.

تقارير | شاشوف

بدأت السوق النفطية العالمية تواجه مرحلة جديدة بعد أشهر من المخاوف المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران. إذ تحولت القلق حول نقص الإمدادات إلى توتر بسبب الفائض المتزايد في المعروض، مع زيادة تدفقات الشحنات النفطية عبر مضيق هرمز بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وإعادة فتح أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة على مستوى العالم.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الأسواق التي كانت تدفع علاوات سعرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب أصبحت تتعرض لضغوط معاكسة جراء تدفق ملايين البراميل الإضافية في وقت يشهد فيه الطلب العالمي، وخصوصاً في الصين، تباطؤاً ملحوظاً.

وظهر ذلك سريعاً في الأسعار، حيث انخفض خام برنت إلى أقل من 75 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ بداية الحرب، وفقاً لتتبع ‘شاشوف’، بعد أن كان قد تجاوز 140 دولاراً للبرميل خلال ذروة المشتريات الناجمة عن الذعر في أبريل الماضي.

يأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المؤشرات على ضعف الطلب الآسيوي، بالتزامن مع عودة صادرات الخليج وإيران للأسواق بسرعة أكبر من المتوقع. ونتيجة لذلك، شرعت أسواق النفط في أوروبا وآسيا تشهد تجاوزاً متزايداً في المعروض، بينما بدأت علاوات الأسعار التي هيمنت على التداولات خلال الأشهر الماضية في التراجع.

كيف انتقلت السوق من نقص الإمدادات إلى فائض المعروض خلال أشهر؟

في الأسابيع الأولى من الحرب، سادت مخاوف واسعة من تعطل الإمدادات القادمة من الخليج، خاصة أن مضيق هرمز كان ينقل قبل الأزمة نحو 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. كما كان هذا الممر مسؤولاً عن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما دفع المشترين لتكوين مخزونات إضافية ورفع الأسعار لمستويات قياسية.

لكن المشهد تغير جذرياً مع توقيع الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران، حيث بدأت ملايين البراميل المحتجزة داخل الخليج بالتدفق مجدداً نحو الأسواق العالمية، مستفيدةً الإمارات والكويت ودول أخرى من تحسن الظروف الأمنية لتسريع عمليات التصدير.

تشير البيانات إلى أن الإمارات استعادت نحو 85% من مستويات صادراتها النفطية المسجلة قبل الحرب بحلول أوائل يونيو، حتى قبل الإعلان الرسمي عن إعادة فتح المضيق بشكل كامل.

كما قامت أبوظبي ببيع حوالي 60 مليون برميل من النفط الخام عبر سلسلة من المناقصات للتسليم خلال الأشهر المقبلة، ما زاد من الضغوط على السوق.

وفي الوقت نفسه، تمكنت إيران من شحن نحو 30 مليون برميل إلى الأسواق الآسيوية قبل الإعفاء الأمريكي المؤقت من العقوبات الذي استمر 60 يوماً، وفقاً لمتابعات ‘شاشوف’.

أيضاً، بدأت شركات شحن كبرى، بما في ذلك الناقل الوطني السعودي “بحري”، في إخراج كميات كبيرة من النفط التي كانت محتجزة داخل الخليج طوال فترة الحرب، الأمر الذي ساهم في سرعة انتقال السوق من مرحلة الشح إلى مرحلة الفائض.

الصين تتراجع وأوروبا تستقبل نفط الخليج

يعد تراجع الطلب الصيني أحد الأسباب الرئيسية التي عمقت أزمة فائض المعروض الحالية. فقد خفضت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم بمتوسط واردات يتجاوز 11 مليون برميل يومياً، من معدل مشترياتها في الأشهر الأخيرة نتيجة تباطؤ النشاط الصناعي وضعف هوامش التكرير لدى العديد من المصافي.

هذا التراجع أحدث ضغوطًا غير مسبوقة على بعض أنواع الخام التي تعتمد تاريخياً على الطلب الصيني. ففي أحد أبرز المؤشرات على ضعف السوق، جرى تداول خام الأنغول بخصومات تقارب 10 دولارات للبرميل دون سعر “برنت المؤرخ”، وهو أكبر خصم يُسجل منذ أكثر من عقد. كما بدأت بعض المصافي الصينية بعرض شحنات النفط للبيع بدلاً من شرائها، في تحول نادر يعكس حجم التراجع في الطلب.

ومع امتلاء الأسواق الآسيوية بالإمدادات، بدأت كميات متزايدة من نفط الخليج تتجه نحو أوروبا وأسواق جديدة. وفقًا للبيانات التي رصدها ‘شاشوف’، تتجه ما لا يقل عن ست ناقلات نفط عملاقة تحمل نحو 12 مليون برميل من الخام الإماراتي والعماني إلى أوروبا الشهر المقبل، فيما اشترت مصفاة دانغوتي النيجيرية، أكبر مصفاة في إفريقيا بسعة تكريرية تبلغ 650 ألف برميل يومياً، شحنات من الخام الإماراتي للمرة الأولى.

أظهرت مراكز التسعير العالمية مؤشرات على الضعف، حيث دخل خام الشرق الأوسط في هيكل “كونتانغو”، وهو حالة يصبح فيها سعر التسليم المستقبلي أعلى من السعر الفوري، ما يعكس وفرة المعروض وقلة الطلب الفوري. كما جرى تداول خامات بحر الشمال بخصومات مقارنة بعقود برنت الآجلة، ما يعكس تراجع التوازن بين العرض والطلب.

المخزونات المنخفضة تمنع انهيار الأسعار

رغم الفائض الحالي، لا تزال هناك عوامل تحد من احتمال انهيار أسعار النفط بصورة حادة. فمستويات المخزون في عدد من الاقتصادات الكبرى لا تزال منخفضة تاريخياً، خصوصاً في الولايات المتحدة التي سجلت احتياطياتها النفطية التجارية والاستراتيجية أدنى مستوياتها منذ عام 1984 استنادًا إلى بيانات السوق.

كما تقترب مخزونات مركز كوشينغ في ولاية أوكلاهوما، وهو نقطة التسليم الرئيسية لعقود الخام الأمريكي، من الحدود التشغيلية الدنيا، ما يقدم دعماً نسبياً للأسعار الأمريكية ويمنع اتساع الفجوة بين العرض والطلب بشكل أكبر.

من جهة أخرى، جزء كبير من النفط الذي عاد إلى السوق خلال الأسابيع الماضية جاء من المخزونات أو شحنات كانت عالقة داخل الخليج، ما يعني أن إعادة بناء المخزونات العالمية في الأشهر المقبلة قد تمتص جزءاً من الفائض الحالي وتعيد شيئًا من التوازن إلى السوق.

واستمرار استقرار الوضع الأمني في الخليج يُعتبر عاملاً حاسماً. ما زالت السوق تتذكر كيف قفز “برنت المؤرخ” فوق 140 دولاراً للبرميل خلال ذروة الحرب، ما يعني أن أي اضطراب جديد في مضيق هرمز أو أي تعثر في الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يعيد المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة بسرعة.

في النهاية، يبدو أن أسواق النفط قد دخلت مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت خلال أشهر الحرب. فبدلاً من البحث المحموم عن البراميل المفقودة، بات المتعاملون يحاولون استيعاب تزايد الإمدادات القادمة من الخليج وإيران في وقت يشهد الطلب الآسيوي تباطؤاً ملحوظاً.

ومع استمرار تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز وعودة كبار المنتجين إلى مستويات تصدير أقرب لما كانت عليه قبل الحرب، تزداد احتمالات تعرض الأسعار لمزيد من الضغوط خلال النصف الثاني من عام 2026.

مع ذلك، تبقى هشاشة المخزونات العالمية وعدم اليقين السياسي مستمرة، مما يعني أن سوق النفط ستظل عرضة لتقلبات حادة، حتى وإن كانت الأوضاع حالياً تميل لصالح فائض المعروض أكثر من شح الإمدادات.