فتح الأبواب المالية ورفع الحظر: إيران تستغل مفاوضات باكستان لتعزيز اقتصادها – شاشوف
تستعد إيران للمفاوضات الحساسة في إسلام آباد مع الولايات المتحدة، مع التركيز على تحسين أوضاعها الاقتصادية وفتح قنوات مالية دولية لتخفيف العقوبات. يضم الوفد الإيراني شخصيات بارزة في مجالات الاقتصاد والسياسة المالية، ويتناول جدول أعماله قضايا متعددة، بما فيها العقوبات الاقتصادية. تواجه إيران تحديات هيكلية في اقتصادها، مثل تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التجارة، بسبب نظامها المصرفي المعزول. تشير التحليلات إلى أن نجاح المفاوضات قد يقود إلى استقرار العملة وتحسين الاقتصاد، لكن النتائج تبقى غير مؤكدة بسبب القضايا السياسية المعقدة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في ظل التحولات السياسية والاقتصادية السريعة التي تشهدها المنطقة، تسعى إيران إلى إجراء مفاوضات حسّاسة في إسلام آباد مع الولايات المتحدة، مركزةً على الملف الاقتصادي كأولوية قصوى. تهدف هذه المباحثات إلى إعادة فتح قنواتها المالية الدولية وتخفيف الأعباء المترتبة على العقوبات التي أثقلت كاهل اقتصادها خلال السنوات الماضية.
تشير تشكيلة الوفد الإيراني المشارك في هذه المحادثات إلى الأهمية الاقتصادية التي توليها طهران لهذه الجولة. الفريق، كما أفادت “شاشوف”، يضم شخصيات بارزة في السياسة النقدية والمالية وإدارة العقوبات، إلى جانب خبراء في الاقتصاد والحوكمة. وتتصدر القضايا الاقتصادية جدول الأعمال، حيث يمثل الوفد برئاسة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ضمن إطار تفاوضي يشمل أيضاً ملفات أمنية وسياسية وعسكرية وقانونية، بالإضافة إلى ملف “العقوبات الاقتصادية”.
يبرز هذا التركيز الاقتصادي في وقت تعاني فيه إيران من ضغوط متعددة، أبرزها تراجع الإنتاج في القطاعات الحيوية وتدهور البنية التحتية الصناعية، خاصة في قطاعي الفولاذ والبتروكيماويات نتيجة تداعيات الحرب الأخيرة، ما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي الداخلي. يقود الوفد الاقتصادي محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، وهو واحد من أبرز الوجوه الاقتصادية، بالإضافة إلى مجموعة من الخبراء المتخصصين في المالية العامة والنقد وتحليل الهيكل الاقتصادي.
كما يضم الفريق شخصيات مثل مجيد شاكري، المعروف بكفاءته في تحليل أنظمة العقوبات وتصميم بدائل مالية للتعاملات الدولية. حيث يُعبر هذا التشكيل عن انتقال طهران من النهج السياسي البحت إلى نهج اقتصادي تقني، إذ لم تعد المفاوضات تعتمد فقط على الدبلوماسية، بل تشمل أيضاً إصلاح النظام المالي وإعادة دمجه في الاقتصاد العالمي.
العقوبات المصرفية.. العقدة الأكبر
يعتبر الخبراء الاقتصاديون أن التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد الإيراني يكمن في النظام المصرفي المعزول عن النظام المالي العالمي. منذ سنوات، تخضع البنوك الإيرانية لعقوبات صارمة حدّت من قدرتها على تنفيذ التحويلات المالية الدولية، حتى في القطاعات الإنسانية مثل الغذاء والدواء، التي كانت تُعتبر سابقاً ضمن استثناءات “القائمة البيضاء”. تؤكد تحليلات “شاشوف” أن إعادة ربط إيران بالنظام المصرفي العالمي تمثل الهدف الأهم للمفاوضات الحالية، إذ لا يمكن تحقيق أي انتعاش اقتصادي دون معالجة جذرية لمشكلة تحويل الأموال.
خلال السنوات الماضية، اضطرت إيران إلى إنشاء شبكة مالية بديلة تعتمد على شركات الصرافة والوسطاء الإقليميين، خاصة في أسواق مثل دبي وتركيا. كانت نسبة كبيرة من التحويلات تمر عبر قنوات غير مباشرة، لكن هذه الآلية كانت مكلفة، إذ وصلت عمولات التحويل في بعض الحالات إلى ما بين 15% و20%، بينما كانت تُعادل أقل من 0.5% في النظام المصرفي العالمي، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة التجارة الخارجية وتعقيدها، وضعف تنافسية الاقتصاد الإيراني.
ومع تصاعد التوترات الأخيرة، زادت المخاوف من تراجع دور بعض هذه المراكز المالية الوسيطة، مما دفع إيران للبحث عن بدائل جديدة، سواء عبر القنوات التقليدية أو عبر أدوات مالية غير تقليدية.
في الداخل الإيراني، تسود حالة من الترقب الحذر في الأسواق. يأمل التجار والمستهلكون أن تؤدي أي انفراجة محتملة إلى استقرار سعر الصرف وتسهيل عمليات الاستيراد. في سوق طهران الكبير، يفضل العديد من التجار تأجيل قرارات الشراء انتظاراً لما ستسفر عنه المحادثات، بينما يلاحظ المستهلكون تراجعاً في القدرة الشرائية وزيادة في الحذر في الإنفاق. بينما يشير المراقبون إلى أن أي تحسن في العلاقات الدولية سينعكس مباشرة على سعر العملة المحلية، وبالتالي على أسعار السلع الأساسية التي تعتمد بشكل كبير على الواردات.
صدمات الحرب وترقب الأسواق
لم تكن العقوبات وحدها العامل الضاغط على الاقتصاد الإيراني، إذ جاءت تداعيات الحرب الأخيرة لتزيد من حدة الأزمة، خاصة بعد استهداف بعض المنشآت الصناعية الحيوية، مما أدى إلى اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار المواد الخام، خصوصاً تلك المرتبطة بصناعات البتروكيماويات والتغليف. يعتمد العديد من المصانع الإيرانية على استيراد المعدات والمواد الأولية، مما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في قنوات الدفع الدولية.
تتفاعل الأسواق الإيرانية مع البيانات الاقتصادية وكذلك الإشارات السياسية الصادرة عن المفاوضات. إن التفاؤل أو التشاؤم بشأن نتائج الحوار ينعكس فوراً على حركة الدولار وأسعار السلع، مما يجعل الاقتصاد الإيراني شديد الحساسية للتطورات الدبلوماسية.
إذا ما نجحت المفاوضات، قد تشهد الأسواق انفراجة تدريجية تشمل استقرار العملة وعودة تدفقات الاستيراد، بينما قد يؤدي الفشل إلى المزيد من الضغط على الاقتصاد المحلي.
تشير المعطيات إلى أن مفاوضات إسلام آباد تمثل لحظة مفصلية في المسار الاقتصادي الإيراني، حيث تجمع بين محاولة رفع العقوبات وإعادة بناء النظام المالي الخارجي، ومعالجة آثار سنوات من العزلة الاقتصادية. لكن النتائج تبقى غير مضمونة، نظراً لتعقيد الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بالمفاوضات، واستمرار حالة عدم الثقة بين الأطراف. بينما يقف الاقتصاد الإيراني اليوم عند مفترق طرق حاسم، ما بين إمكانية الاندماج التدريجي في النظام المالي العالمي عبر تسوية سياسية، أو استمرار العزلة وما يتبعها من ضغوط داخلية متزايدة.
تم نسخ الرابط