عواصف سوق الطاقة: أرامكو تنبه لخطر ‘كوارث’ مرتقبة – مقال بقلم شاشوف

عواصف سوق الطاقة أرامكو تنبه لخطر كوارث مرتقبة مقال


تواجه أسواق الطاقة العالمية أزمة خطيرة بسبب تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مما أدى إلى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز. قامت السعودية والإمارات والكويت بخفض إنتاجها النفطي بشكل كبير. حذرت أرامكو من عواقب كارثية على الأسواق النفطية إذا استمر التعطيل، مؤكدة أن الأزمة تؤثر على قطاعات اقتصادية متعددة. في حين أعلنت إكسون موبيل تقليص عملياتها في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، وتراجعت أرباح أرامكو بنسبة 12%. الخبراء يعتقدون أن الحل يكمن في إنهاء النزاع وإعادة فتح المضيق.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تواجه أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر أزماتها تعقيدًا منذ سنوات، نتيجة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تلاه من تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز. دفعت هذه الأحداث كبار المنتجين وشركات الطاقة إلى اتخاذ تدابير طارئة، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات قد تؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل شامل.

تشير تقارير مرصد “شاشوف” إلى أن السعودية خفضت إنتاجها النفطي بما بين 2 و2.5 مليون برميل، بينما خفضت الإمارات الإنتاج بنحو 800 ألف برميل، والكويت بنصف مليون برميل يوميًا. هذا التراجع الجماعي في المعروض النفطي يعكس حجم الاضطرابات التشغيلية واللوجستية التي تعاني منها المنطقة. بالتزامن، أعلنت شركات النفط الكبرى عن إجلاء الموظفين غير الأساسيين من عملياتها في الشرق الأوسط وتقليص الأنشطة التشغيلية لضبط مستويات المخزون، وتأتي في المقدمة شركة الطاقة الأمريكية “إكسون موبيل”.

في هذا السياق، حذرت شركة أرامكو السعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم، من أن استمرار تعطيل حركة الشحن عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى عواقب “كارثية” على الأسواق العالمية للنفط. وذكر “أمين الناصر”، الرئيس التنفيذي للشركة، أن الأزمة الحالية تمثل أكبر اضطراب يواجهه قطاع النفط والغاز في المنطقة على الإطلاق، متجاوزة جميع الأزمات السابقة بفارق ملحوظ.

أوضح الناصر أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى تداعيات خطيرة تتجاوز قطاع الطاقة، إذ قد تمتد تأثيراته إلى مجموعة كبيرة من القطاعات الاقتصادية مثل الشحن والتأمين والطيران والزراعة وصناعة السيارات. وكلما طالت فترة الأزمة، زادت تأثيراتها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

تأتي هذه التحذيرات في وقت أعلنت فيه إيران، عبر الحرس الثوري، أنها لن تسمح بمرور “لتر واحد من النفط” من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وهو تهديد أسفر فعليًا عن تعطيل شحنات النفط ومنع مرورها عبر المضيق الحيوي الذي يشهد مرور نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية يوميًا.

بدورها، حذر ترامب من أن الولايات المتحدة ستوجه ضربات أشد لإيران إذا حاولت تعطيل صادرات النفط من الشرق الأوسط، ورغم توقعاته بأن تنتهي الحرب قريبًا، أشار إلى أن البحرية الأمريكية قد ترافق السفن التجارية في الخليج لضمان عبورها بأمان. إلا أن قدرة البحرية على تنفيذ هذه المهمة بشكل واسع لا تزال موضع تساؤل، وفقًا لرؤية صناعة الشحن والنفط، خصوصًا مع انشغال بعض سفن البحرية الأمريكية بتنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية واعتراض الصواريخ.

توقف الصادرات من الخليج

أحد أبرز تداعيات الأزمة هو توقف صادرات النفط من الخليج بشكل كبير. أعلن الناصر أن أرامكو السعودية أوقفت تصدير النفط عبر الخليج مؤقتًا بسبب عدم القدرة على تحميل الشحنات على السفن في ظل توقف حركة الملاحة. في محاولة لتلبية التزاماتها التعاقدية مع العملاء، لجأت أرامكو إلى استخدام مخزوناتها العالمية لتغطية الطلب. ومع ذلك، أكّد الناصر أن هذه المخزونات لا يمكن الاعتماد عليها لفترة طويلة، واعتبر أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تسارع وتيرة انخفاض المخزونات العالمية التي بلغت بالفعل أدنى مستوياتها في خمس سنوات.

كما شدّد على أهمية إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة فيه للحفاظ على استقرار السوق النفطية، خاصة أن معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة في العالم تتركز في منطقة الخليج، مما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد قد يتسبب في خلل كبير في توازن العرض والطلب.

لمواجهة هذه الظروف، تعمل أرامكو على زيادة الاعتماد على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حسب تقارير شاشوف، و\’يتوقع أن يصل الخط إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا خلال اليومين القادمين بعد إعادة توجيه الشحنات إلى هذا المسار.

رغم ذلك، لا تكفي هذه القدرة لتعويض الإمدادات التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، إذ قد يؤدي استمرار الأزمة إلى سحب نحو 350 مليون برميل من النفط الخام من السوق العالمية.

أشار الناصر أيضًا إلى إمكانية توجيه جزء من الإنتاج إلى السوق المحلية، موضحًا أن نحو مليوني برميل يوميًا من طاقة خط الأنابيب الحالية يتم توجيهها إلى مصافي التكرير في غرب السعودية، والتي تُعتبر مصدراً صافياً للمنتجات النفطية. في تطور آخر، كشف الناصر أن حريقًا صغيرًا اندلع الأسبوع الماضي في مصفاة رأس تنورة، أكبر مصفاة نفطية في السعودية، إلا أنه تم احتواؤه بسرعة، وتعمل المنشأة حاليًا على استعادة نشاطها التدريجي.

هذه التوترات انعكست مباشرة على أسعار النفط العالمية، فقد ارتفع خام برنت القياسي إلى ما يقارب 120 دولارًا للبرميل يوم الإثنين الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو 93 دولارًا بعد تصريحات ترامب التي توقعت انتهاء الحرب قريبًا.

نتائج مالية متراجعة لأرامكو

تكشف التطورات الجيوسياسية الأخيرة عن تراجع في نتائج أرامكو المالية لعام 2025، حيث انخفضت الأرباح السنوية بنسبة 12% نتيجة لانخفاض أسعار النفط الخام، إذ بلغ صافي الدخل نحو 93.4 مليار دولار، وهو أدنى من تقديرات مجموعة بورصات لندن التي توقعت وصوله إلى 95.6 مليار دولار.

كما تراجع صافي الربح في الربع الرابع من العام الماضي بنسبة 20.5% ليصل إلى نحو 17.8 مليار دولار، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل، مما أدى إلى تسجيل الشركة انخفاضًا سنويًا في الأرباح للربع الثاني عشر على التوالي.

وسجلت الشركة أيضًا انخفاضًا في قيمة بعض مرافق التكرير المحلية والدولية بنحو 14.6 مليار ريال (3.88 مليار دولار) نتيجة تعديل توقعات التدفقات النقدية في ظل التغيرات في ظروف السوق. كما تكبدت خسارة إضافية قدرها 4.45 مليار ريال مرتبطة بشكل رئيسي بإغلاق منشأة تكرير دولية.

ورغم تراجع الأرباح، أعلنت أرامكو عن إطلاق أول برنامج لإعادة شراء الأسهم في تاريخها بقيمة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار، سيتم تنفيذه على مدى 18 شهرًا. وفقًا للمدير المالي للشركة زياد المرشد، فإن الأسهم التي ستشتريها الشركة ستعاد لاحقًا إلى السوق عبر بيعها لموظفيها.

وفقًا لبيانات أسواق الخليج، انخفض سهم أرامكو بنحو 1.2% خلال جلسة التداول يوم الثلاثاء، قبل أن يقلص جزءًا من خسائره لاحقًا، بينما تواصل الشركة محاولاتها لموازنة ضغوط السوق وتقلبات الأسعار مع الحفاظ على ثقة المستثمرين.

ضغط على الشركات الكبرى

لم تقتصر تداعيات الأزمة على أرامكو والشركات النفطية الخليجية وحدها، إذ أعلنت شركة “إكسون موبيل” الأمريكية أنها قامت بإجلاء موظفين غير أساسيين من عملياتها في الشرق الأوسط وقلصت بعض أنشطتها التشغيلية بسبب اضطراب حركة الملاحة وصعوبة إدارة المخزونات. وأوضحت أن تعطيل حركة الشحن عبر مضيق هرمز جعل إدارة مستويات المخزون أكثر تعقيدًا، ما أدى إلى تقليص بعض العمليات مؤقتاً حتى تتضح صورة سلاسل الإمداد.

تُشير تقديرات محللين في شركة جيفريز إلى أن نحو 20% من إنتاج “إكسون موبيل” من النفط والغاز يقع في الشرق الأوسط، بينما تُقدر بيانات أخرى أن نحو 60% من أعمال الغاز الطبيعي المسال للشركة تتركز في المنطقة، مما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطرابات في الخليج.

مع استمرار هذه التطورات، يبدو أن أسواق الطاقة العالمية تواجه تحديًا جادًا، حيث يهدد استمرار إغلاق مضيق هرمز بتقليص الإمدادات العالمية وزيادة الأسعار وإرباك سلاسل الإمداد الدولية. يحذر مسؤولون وخبراء في قطاع الطاقة من أن الحل الحقيقي للأزمة لا يمكن أن يكون في الإجراءات العسكرية أو المرافقة البحرية للسفن كما تصرح أمريكا، بل يجب أن يكون بإيقاف الحرب وفتح المضيق أمام حركة التجارة، لتفادي واحدة من أخطر صدمات الطاقة في التاريخ الحديث.


تم نسخ الرابط

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Exit mobile version