على جبهتي هرمز والبحر الأحمر: تأزمات اقتصادية ملحوظة في آسيا – شاشوف


تتزايد المخاوف في آسيا بشأن تأثير النزاعات في البحر الأحمر ومضيق هرمز على التجارة العالمية، مما دفع الحكومات لتطبيق استراتيجيات لحماية اقتصاداتها. تصاعدت الضغوط على التجارة الدولية، خاصة مع تهديدات الحوثيين لسفن النفط، ما أثر سلباً على الحركة التجارية وزاد تكاليف النقل. تبحث الدول مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا عن أساليب لتحسين استقرار إمدادات الطاقة وتعزيز مشاريع الطاقة المتجددة. تواجه الصين واليابان تحديات اقتصادية، مع تراجع النمو والبطالة، في حين تسعى دول أخرى لتسريع الاستثمارات وتحسين سلاسل الإمداد للتعامل مع آثار الحرب في الشرق الأوسط.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تستند قارة آسيا بشكل كبير إلى واردات الطاقة والممرات البحرية التي تَعبر عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما يثير القلق من عواقب كبيرة على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والتضخم والأسواق المالية، مما دفع حكومات آسيا إلى اتخاذ تدابير احترازية لحماية اقتصاداتها واستقرار أسواقها.

قد زادت الضغوط على حركة التجارة العالمية بسبب تصعيد قوات صنعاء ضد السعودية في البحر الأحمر، حيث ينقل ممر البحر الأحمر وقناة السويس ما بين 12% و15% من التجارة البحرية العالمية.

كما يؤدي تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا إلى زيادة المسافات بنحو أربعة آلاف إلى ستة آلاف ميل بحري، مما يطيل زمن الشحن من 10 إلى 20 يوماً، وبالتالي يزيد من تكاليف النقل ويقلص القدرة التشغيلية للأساطيل العالمية.

بدأت آثار هذه الاضطرابات تظهر بشكل واضح على تجارة الطاقة المتجهة إلى آسيا، حيث غيّرت ناقلات النفط الخام السعودي مسارها في البحر الأحمر نتيجة تهديدات الحوثيين للسفن المرتبطة بالموانئ السعودية.

أوقفت شركتا “إنديان أويل” و”مانغالور ريفاينري آند بتروكيميكالز” الهنديتان تحميل شحنات النفط العراقي نتيجة تصاعد المخاطر في مضيق هرمز وفق ما أفادت به “شاشوف”، كما تخلت “إنديان أويل” عن خطة لتحميل ناقلة نفط عملاقة بسعة مليوني برميل، مما يعكس قلقاً متزايداً لدى شركات الطاقة العالمية بشأن سلامة خطوط الإمداد.

قلق خليجي وتداعيات على الاستثمار

في سياق متصل، تزداد المخاوف بين حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بشأن العواقب الاقتصادية للحرب، سواء من حيث الأمن أو تأثيرها على الاستثمارات والسياحة وقطاع الطاقة.

وفقاً لتقديرات من “بلومبيرغ”، يعتقد بعض المسؤولين الخليجيين أن إنهاء الأزمة يتطلب تصعيداً عسكرياً أكبر وربما السيطرة على جزيرة إيرانية تُعد مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيرانية، بينما يحذر آخرون من أن استمرار الحرب بوتيرة منخفضة لفترة طويلة قد يسبب حالة من عدم اليقين الاقتصادي تؤثر على تدفقات الاستثمار والتجارة.

تعكس الأزمة أيضاً مدى هشاشة نظام الطاقة في آسيا، حيث لا تزال مصادر الوقود الأحفوري، من نفط وغاز وفحم، تشكل حوالي 90% من إجمالي استهلاك الطاقة الأولية في القارة.

يعتقد الخبراء أن الاعتماد الكبير على الواردات يجعل اقتصادات آسيا أكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية، خاصة في ظل محدودية الاكتشافات الجديدة وارتفاع الطلب على الطاقة.

تشير بيانات “بلومبيرغ إن إي إف” إلى أن واردات الطاقة تمثل حوالي 3% إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في اليابان والهند وفيتنام وإندونيسيا، مما يدفع هذه الدول إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة.

رغم العقوبات الغربية، تواصل الهند اعتمادها الكبير على النفط الروسي، حيث استقبلت موانئها في الشهر الماضي أكثر من 2.3 مليون برميل يومياً من الخام الروسي، مع استمرار التدفقات خلال يوليو بمعدلات مشابهة، مما ساعد موسكو على الحفاظ على صادراتها النفطية.

في الوقت نفسه، تسرع الحكومة الهندية تطبيق برنامجها الهادف إلى تقليل الاعتماد على الواردات وتقليل التعرض للاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.

إجراءات آسيوية لمواجهة الأزمة

اتخذت حكومات آسيوية أخرى خطوات احترازية لمواجهة تداعيات الأزمة. أعلنت كوريا الجنوبية أنها ستظل في حالة تأهب دائم لضمان استقرار إمدادات النفط الخام والنافثا، مشيرة إلى أن المخزونات الحالية تكفي لتلبية الاحتياجات، مع استعدادها لاتخاذ تدابير إضافية إذا تفاقمت المخاطر.

في إندونيسيا، تسارع الحكومة تنفيذ خططها للانتقال في قطاع الطاقة، حيث تشرف حالياً على 93 مشروعاً للهيدروجين باستثمارات تصل إلى حوالي 2.05 مليار دولار، تركز على إنتاج الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة في المناطق النائية.

في الصين، تأتي تداعيات الأزمة الخارجية في الوقت الذي يتباطأ فيه النشاط الاقتصادي الداخلي. شهد الإنفاق الحكومي خلال يونيو أكبر تراجع له منذ أكتوبر بنسبة 11.9%، في حين زادت الإيرادات بنسبة 1.8%، مما خفض العجز المالي إلى 4.57 تريليون يوان.

بينما تراجع النمو الاقتصادي في الربع الثاني إلى 4.3% مقارنة بـ5% في الربع الأول، وهو دون المستويات المستهدفة من الحكومة لهذا العام، مما يزيد من احتمالية اعتماد بكين لحزمة جديدة من الإجراءات التحفيزية، تشمل خفض أسعار الفائدة وتخفيف نسب الاحتياطي الإلزامي للمصارف وتسريع إصدار السندات الحكومية.

في وقت واحد، شهد معدل البطالة بين الشباب ارتفاعاً إلى 14.9% مع دخول نحو 12.7 مليون خريج جديد إلى سوق العمل في البلاد خلال العام الجاري، مما يزيد الضغوط على صانعي القرار الاقتصادي.

اليابان والأسواق المالية تحت الضغط

الاقتصاد الياباني واجه ضغوط إضافية بسبب تراجع قيمة الين وزيادة تكاليف استيراد الطاقة، حيث اتسع العجز التجاري في يونيو إلى حوالي 406.9 مليار ين، ما يعادل 2.5 مليار دولار، بعد ارتفاع الواردات بنسبة 25.4% مقابل نمو الصادرات بنسبة 19.3%.

في المقابل، شهدت السندات الحكومية اليابانية طلباً كبيراً من المستثمرين، وسط تزايد الإقبال على الأصول الآمنة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.

انعكست هذه التطورات على الأسواق المالية الآسيوية، حيث تراجعت مكاسب العديد من البورصات بعد ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها خلال ستة أسابيع، مما أضعف شهية المستثمرين للمخاطرة.

تعرضت العملات الآسيوية لضغوط متزايدة، حيث هبط الين الياباني إلى أدنى مستوى له منذ عام 1986، بينما سجل البيزو الفلبيني مستوى قياسي منخفض، مما استدعى تدخلاً من البنك المركزي، في الوقت الذي تراجع فيه البات التايلاندي إلى أضعف مستوياته منذ خمسة عشر شهراً.

في الوقت نفسه، واصلت دول آسيوية أخرى تنفيذ سياسات اقتصادية لمواجهة التحديات الجديدة، حيث تسعى الحكومة الفيتنامية للحفاظ على زخم الصادرات بعد أن وصلت قيمتها إلى 266.5 مليار دولار مع استهداف صادرات سنوية تبلغ 550 مليار دولار وفقاً لمتابعة “شاشوف”، بينما أكد البنك المركزي الأسترالي أن التضخم لا يزال يمثل أكبر تحديات السياسة النقدية.

تدرس الحكومة الهندية السماح لمشغلي المطارات بامتلاك شركات طيران، وهي خطوة قد تعزز الاستثمارات في قطاع النقل الجوي، في حين تشير التوقعات إلى انتعاش قوي لسوق العقارات في هونغ كونغ خلال العامين المقبلين.

تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تُعتبر عاملاً مؤثراً في السياسات الاقتصادية الآسيوية، بعد أن تحولت الاضطرابات في الملاحة بمضيق هرمز والبحر الأحمر إلى تحدٍّ مباشر لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.