عقد من الزمن بعد انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي: أزمة اقتصادية تعيد النقاش حول العودة إلى أوروبا – شاشوف


بعد عشر سنوات من تصويت البريكست، برزت الأرقام لتحسم الجدل حول فوائد الخروج من الاتحاد الأوروبي. تشير التقديرات إلى أن البريكست قلص الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة 6-8%، ما يمثل فجوة اقتصادية تصل إلى 320 مليار دولار سنوياً. الاستثمار الخاص شهد تراجعاً بنحو 12-18%، وازدادت الفجوة الاقتصادية مع نظرائه الأوروبيين. رغم محاولات التوجه نحو الأسواق العالمية، تظل أوروبا الشريك التجاري الأهم، حيث يمثل 41% من صادرات بريطانيا. مع تزايد الدعوات الحكومية لمراجعة العلاقة مع أوروبا، يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات متزايدة تتطلب إعادة التفكير في التعاون التجاري.

تقارير | شاشوف

بعد مرور عقدٍ كامل على الاستفتاء الذي قاد المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي، بدأ تأثير الأرقام يملي نفسه على نقاش كان محصورًا لسنوات في شعارات سياسية. بينما استندت حملة الخروج عام 2016 إلى وعود باستعادة السيادة وتريحي الاقتصاد البريطاني من القيود الأوروبية، تواجه لندن اليوم نتائج اقتصادية تجعل البعض من المسؤولين الحكوميين يتساءل عن جدوى القرار ويدعو إلى إعادة بناء العلاقة مع بروكسل بصورة أكثر تدقيقًا.

يأتي هذا التحول في وقت تشير فيه تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني، التي اطلع عليها “شاشوف”، إلى أن البريكست أدى إلى تقليص حجم الاقتصاد البريطاني بمعدل يتراوح بين 6% و8% مقارنة بما كان يمكن أن يبلغه لو بقيت المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي.

بالنظر إلى اقتصاد بحجم يُتوقع أن يتجاوز أربعة تريليونات دولار في عام 2025، فإن هذه النسبة تعني فجوة اقتصادية بين 240 و320 مليار دولار سنويًا، وهي أرقام تعيد إحياء الجدل حول أكبر قرار اقتصادي اتخذته بريطانيا في العقود الأخيرة.

وليس الأمر مقتصرًا على التقديرات الرسمية فقط، بل العديد من الجهات الأكاديمية والاقتصادية بدأت تتحدث عن التأثيرات الهيكلية المستمرة للبريكست على مجالات الاستثمار والإنتاجية والتجارة وسوق العمل.

بينما لا يزال خيار العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي موضوعًا سياسيًا حساسًا، فإن تزايد الأصوات التي تنادي بمراجعة العلاقة مع أوروبا يُظهر إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد البريطاني لم يتمتع بالقوة المتوقعة بعد الانفصال قبل عشر سنوات.

اقتصاد يخسر مئات المليارات سنويًا

أحد الأرقام اللافتة في النقاش الراهن هو تقدير مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني بأن البريكست خفض الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة تتراوح بين 6% و8%. هذه الخسارة لا تعني انكماشًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، بل تشير إلى الفجوة بين الأداء الفعلي للاقتصاد والنتائج التي كان يمكن أن تتحقق لو استمرت البلاد ضمن المنظومة الاقتصادية الأوروبية.

تشير دراسة تمت مراجعتها من قبل شاشوف، صدرت عن المكتب القومي للبحوث الاقتصادية، إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قد تراجع بنفس النسبة تقريبًا، مما يعني أن آثار البريكست لم تنعكس فقط على المؤشرات الكلية، بل تمتد أيضًا إلى مستوى دخل وثروة وإنتاجية الأفراد والشركات. وتؤكد الدراسة أن هذه الخسائر لم تؤثر فورًا بعد الاستفتاء، بل تراكمت تدريجيًا على مر السنوات اللاحقة مع اتساع الفجوة بين الاقتصاد البريطاني ونظائره الأوروبيين.

تكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تنقل النقاش من الساحة السياسية إلى الواقع الاقتصادي. عندما يتحدث خبراء المالية العامة عن فجوة قد تصل إلى 320 مليار دولار سنويًا، فإنهم يتحدثون عن موارد واستثمارات وفرص عمل وإيرادات ضريبية لم تتحقق نتيجة التغييرات الناجمة عن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

الاستثمار يدفع الثمن الأكبر

من بين جميع المؤشرات الاقتصادية، يبدو أن الاستثمار الخاص هو الأكثر تضررًا من البريكست. وفقًا لدراسات اقتصادية حديثة، تراجع الاستثمار في بريطانيا بنسبة تتراوح بين 12% و18% مقارنة بالمستويات التي كان يمكن الوصول إليها لو بقيت البلاد عضوًا في الاتحاد الأوروبي.

تعود هذه النتائج إلى أن بريطانيا كانت على مدى سنوات طويلة تعتبر بوابة رئيسية للمستثمرين العالميين الراغبين في دخول السوق الأوروبية الموحدة. ومع خروج المملكة المتحدة من المنظومة، فقدت جاذبيتها التقليدية كمركز استثماري يوفر وصولًا سلسًا لأكثر من 400 مليون مستهلك أوروبي.

هذا التراجع أثر ليس فقط على تدفقات رؤوس الأموال، بل أيضًا على الإنتاجية والابتكار. تظهر الدراسات، وفقً لتقديرات شاشوف، أن الإنتاجية انخفضت بنسبة تتراوح بين 3% و4% في السنوات القليلة الماضية، وهي نسبة قد تبدو صغيرة ظاهريًا، لكنها تعكس خسائر كبيرة في اقتصاد يعتمد على الكفاءة والابتكار كمحركين أساسيين للنمو.

أوروبا الشريك الذي لا يمكن استبداله

على الرغم من الخطاب السياسي الذي رافق البريكست حول التوجه نحو أسواق عالمية جديدة، فإن الأرقام تُظهر أن الاتحاد الأوروبي ما زال يحتفظ بمكانته كشريك تجاري أساسي لبريطانيا. بيانات مجلس العموم البريطاني تشير إلى أن 41% من إجمالي الصادرات البريطانية كانت موجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025.

في الاتجاه المعاكس، جاء نحو 50% من واردات المملكة المتحدة من دول الاتحاد الأوروبي، مما يؤكد استمرار الارتباط العميق بين الجانبين رغم مرور سنوات على الانفصال الرسمي. يُظهر ذلك حقيقة اقتصادية يصعب تجنبها، وهي أن الجغرافيا وسلاسل الإمداد والمصالح التجارية المتراكمة عقودًا لا يمكن إعادة تشكيلها بسهولة عبر القرارات السياسية.

أوضحت مراجعة شاشوف أن قيمة صادرات بريطانيا من السلع والخدمات بلغت حوالي 931 مليار جنيه إسترليني في عام 2025، مقابل واردات بلغت 970 مليار جنيه. تعكس هذه الأرقام حجم المصالح الاقتصادية المشتركة بين لندن وبروكسل، وتوضح سبب الضغط المستمر من الشركات البريطانية للمطالبة بتقليص الحواجز التجارية التي ظهرت بعد الخروج من السوق الأوروبية الموحدة.

تجارة السلع تخسر.. والخدمات تنقذ الميزان

أحد الجوانب الأقل تداولاً في النقاش العام يتصل بالتباين الكبير بين أداء تجارة السلع والخدمات في بريطانيا بعد البريكست. حسب بيانات مجلس العموم البريطاني، سجلت المملكة المتحدة عجزًا في تجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي بلغ 242 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2025، نتيجة اعتمادها الكبير على الواردات الأوروبية.

في المقابل، حققت بريطانيا فائضًا كبيرًا في تجارة الخدمات مع الاتحاد الأوروبي وصل إلى 203 مليارات جنيه إسترليني خلال نفس الفترة. يُظهر هذا الرقم المكانة العالمية التي تتمتع بها لندن كمركز مالي وتجاري وخدمي، حيث تواصل المؤسسات البريطانية تصدير الخدمات المالية والقانونية والاستشارية إلى مختلف الأسواق الأوروبية.

لكن هذا الفائض يسلط الضوء أيضًا على أحد التحديات الرئيسة التي تواجه الاقتصاد البريطاني. الحفاظ على قوة قطاع الخدمات يتطلب استمرارية الوصول إلى الأسواق الأوروبية بأقل قدر ممكن من القيود التنظيمية، مما يدفع كثيراً من المؤسسات المالية والشركات الكبرى لدعم أي خطوات من شأنها تعزيز التعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي مستقبلاً.

من يطالب بإعادة النظر في البريكست؟

اللافت أن الدعوات لمراجعة العلاقة مع أوروبا لم تعد تقتصر على المعارضة أو الأوساط الأكاديمية. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تصريحات غير مسبوقة من شخصيات حكومية بارزة أكدت أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن البريكست أصبحت واضحة بشكل متزايد.

يتزامن ذلك مع توجه حكومة كير ستارمر نحو ما تسميه ‘إعادة ضبط’ العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، من خلال توسيع مجالات التعاون التجاري والاستثماري والأمني. ورغم أن الحكومة تستبعد حاليًا فكرة العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى السوق الموحدة، فإنها تسعى لتقليص بعض الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الانفصال.

لكن العقبة الرئيسية لا تزال سياسية أكثر منها اقتصادية. صعود الأحزاب اليمينية الرافضة لأي تقارب جديد مع بروكسل يجعل أي خطوة نحو الاندماج الأوروبي أكثر حساسية، خاصة فيما يتعلق بملف الهجرة الذي كان من أبرز المحركات وراء التصويت للخروج عام 2016.

بعد عقد كامل من البريكست، لم يعد السؤال المطروح داخل بريطانيا هو ما إذا كان الخروج قد تم بنجاح، بل ما إذا كانت المكاسب السياسية التي حققها القرار تعادل التكاليف الاقتصادية المترتبة عليه. الأرقام تشير إلى اقتصاد يعمل دون طاقته الكاملة، واستثمارات متراجعة، وإنتاجية متباطئة، وعلاقة تجارية مع أوروبا أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه سابقًا.

بينما لا يبدو أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي مطروحة على أجندة الحكومة الحالية، فإن الواقع الاقتصادي يدفع لندن تدريجيًا نحو البحث عن صيغ جديدة للتقارب مع القارة. وبعد عشر سنوات من الانفصال، يبدو أن الجغرافيا الاقتصادية بدأت تفرض نفسها مجددًا على السياسة البريطانية، في تذكير بأن القرارات السيادية الكبرى ممكن أن تُحسم في صناديق الاقتراع، لكن تقييم نتائجها النهائية دائمًا ما يتم في دفاتر الاقتصاد.