ظاهرة النينيو تعصف بالاقتصاد العالمي: خسائر بمليارات الدولارات وارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية
يتزايد القلق الدولي من أن ظاهرة النينيو قد تتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة، خاصة في أفريقيا وآسيا، مما يؤدي إلى تفاقم التضخم الغذائي وتباطؤ النمو. البنك الأفريقي للتنمية قدر خسائر الدول الأفريقية بين 10 و20 مليار دولار، مع تراجع الناتج المحلي بنسبة 1-2%. التأثيرات تشمل الزراعة والمالية العامة، وقد تدفع موجات من الهجرة بسبب الأحوال المناخية القاسية. في آسيا، يتسبب الجفاف وارتفاع التكاليف الزراعية في تهديد إنتاج الأرز. التحذيرات تشير إلى أن الأسواق الناشئة ستكون الأكثر تأثراً، مما يزيد الضغوط الإنسانية ويعقد جهود التنمية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تتزايد التحذيرات الدولية بشأن قرب العالم من مواجهة واحدة من أقوى ظواهر النينيو التي تم تسجيلها، في ظل تزامن المخاطر المناخية مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، مما ينذر بموجة جديدة من التضخم الغذائي، وتراجع النمو الاقتصادي، وزيادة الأزمات الإنسانية، خصوصاً في أفريقيا وآسيا.
تشير أحدث التقديرات من البنك الأفريقي للتنمية، التي اطلع عليها ‘شاشوف’، إلى أن التأثيرات المحتملة لن تقتصر على خسائر زراعية أو اضطرابات مناخية، بل ستشمل المالية العامة للدول، والقطاع المصرفي، والهجرة، وأسعار الغذاء العالمية، وكذلك مسار التضخم في العام المقبل.
تحذر البيانات من البنك الأفريقي للتنمية من أن ظاهرة النينيو ‘الخارقة’ قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية تتراوح بين 10 مليارات و20 مليار دولار في الدول الأفريقية الأكثر تضرراً، مع انخفاض في متوسط الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان بنسبة تتراوح بين 1% و2%.
وأفاد مدير إدارة تغير المناخ والنمو الأخضر في البنك الأفريقي، أنتوني نيونج، لوكالة رويترز، أن هذا الحدث قد يؤدي إلى تراجع اقتصادي واسع، مشيراً إلى أن الأزمة قد تدفع ملايين الأشخاص للنزوح من المناطق المتأثرة بالجفاف أو الفيضانات.
تأتي هذه التقديرات بعد شهور من توقع البنك بنمو الاقتصاد الأفريقي بنسبة 4.2% بحلول 2026، اعتماداً على تراجع التوترات الجيوسياسية، لكن التوقعات بشأن ‘نينيو خارقة’ دفعت الخبراء لإعادة تقييم تلك الأرقام.
حسب مراجعات ‘شاشوف’، يُعتبر هذا التقدير الأول من نوعه الذي يصدره بنك تنمية دولي متعدد الأطراف بشأن الخسائر الاقتصادية المحتملة للنينيو الحالية.
أزمة تتجاوز الزراعة إلى المالية العامة
لا تقتصر المخاطر على خسائر الإنتاج الزراعي، إذ يحذر البنك الأفريقي من امتداد الأزمة إلى المالية العامة والقطاع المصرفي. الكوارث الطبيعية المرتبطة بالنينيو مثل الفيضانات والجفاف تترك آثاراً مدمرة على البنية التحتية، وتجد الحكومات المثقلة بالديون نفسها مضطرة لزيادة الإنفاق على الإغاثة وإعادة الإعمار، مما يزيد الضغوط على الموازنات العامة.
وحذر نيونج من دخول بعض الدول في ما يسمى ‘فخ تمويل المناخ’، حيث تضطر الحكومات إلى تحويل مخصصات قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم لتمويل مواجهة الكوارث المناخية، مما يهدد التنمية على المدى الطويل.
كذلك، قد يؤثر تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة الخسائر سلباً على قدرة الحكومات على سداد القروض، مما يضيف ضغوطاً على البنوك والمؤسسات المالية.
تعتبر الزراعة من أكثر القطاعات عرضة للخطر، إذ يعتمد ملايين الأفارقة والآسيويين على الأمطار الموسمية لإنتاج الغذاء، وقد قدر البنك الأفريقي أن المزارعين في أفريقيا سيواجهون خسائر في الدخل تصل إلى 330 مليون دولار هذا العام، إضافة إلى خسائر كبيرة في قطاع الصيد البحري نتيجة ارتفاع درجات حرارة البحار والعواصف.
تشير تجارب السنوات الماضية إلى أن آثار النينيو قد تستمر لفترة طويلة، إذ لا تزال بعض الدول تعاني من تداعيات كوارث مناخية سابقة، مثل إعصار ‘إيداي’ الذي ضرب موزمبيق عام 2019، واستغرق التعافي منه سنوات.
كما سببت ظاهرة النينيو في عامي 2023 و2024 موجات جفاف واسعة في جنوب أفريقيا، وفيضانات مدمرة في شرق القارة، مما أثر على المحاصيل الزراعية ورفع أسعار الغذاء، وساهم في تسجيل مستويات قياسية لارتفاع مستوى سطح البحر على سواحل أفريقيا.
آسيا تواجه “العاصفة المزدوجة”
بينما تواجه أفريقيا مخاطر الجفاف والفيضانات، تتعرض آسيا لما وصفته تقارير دولية بـ’العاصفة المزدوجة’، نتيجة تزامن ظاهرة النينيو مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي. من الهند، أكبر منتج ومصدر للأرز في العالم، إلى فيتنام والفلبين، امتد الجفاف إلى مناطق الإنتاج الرئيسية للأرز في القارة.
تراجعت الأمطار الموسمية في الهند منذ يونيو بنسبة تقارب 16% مقارنة بالمعدل الطبيعي، مما أدى إلى تأخر عمليات الزراعة. في الوقت نفسه، لا تزال أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة بسبب الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مما يزيد من تكاليف الإنتاج الزراعي ويدفع العديد من المزارعين لتقليص استخدام الأسمدة أو تأجيل الاستثمار في أنظمة الري.
وبحسب ما نشره المعهد الدولي لبحوث الأرز (IRRI)، فإن اجتماع ثلاثة عوامل معاً، وهي انخفاض الأمطار، وزيادة تكلفة ضخ المياه الجوفية، وتراجع استخدام الأسمدة، يمثل أكبر تهديد لإنتاجية الأرز هذا الموسم.
بدأت الأسواق تعكس هذه المخاوف، حيث ارتفعت أسعار الأرز التايلاندي، والذي يُعتبر مرجعاً للأسعار الآسيوية، إلى أعلى مستوياتها خلال 18 شهراً، في حين زادت أسعار الأرز المتداول في بورصة شيكاغو بنسبة 40% منذ بداية العام مع تصاعد المخاوف بشأن نقص الإمدادات.
كما خفضت وزارة الزراعة الأمريكية توقعاتها للمخزونات النهائية من الأرز، مشيرة إلى احتمال تراجع الإنتاج العالمي للمرة الأولى منذ 11 عاماً. في فيتنام وحدها، يُتوقع تضرر حوالي 350 ألف هكتار من حقول الأرز، في الوقت الذي حذرت فيه كل من الفلبين وماليزيا من انخفاض الإنتاج العام المقبل، بينما تواجه إندونيسيا خطر أول عجز تجاري لها منذ ست سنوات بسبب ارتفاع أسعار النفط والغذاء بشكل مشترك.
تشير تقديرات ‘شاشوف’ من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ‘الفاو’ إلى أن خطر الجفاف يمتد حالياً من باكستان والهند مروراً بجنوب شرق آسيا وصولاً إلى إندونيسيا والفلبين.
النفط والنينيو.. معادلة تضخمية جديدة
لا تقتصر المخاطر على نقص الغذاء، إذ يرى بنك الاستثمار الأمريكي ‘جيه بي مورغان’ أن تزامن ارتفاع أسعار النفط مع ظاهرة النينيو قد يعرقل انخفاض التضخم العالمي بحلول عام 2027.
ويتوقع البنك أن تضيف صدمة أسعار النفط والنينيو معاً نحو 0.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العالمي في العام المقبل، كما يمنح البنك احتمالاً يبلغ 81% لتحول الظاهرة الحالية إلى ‘نينيو قوية جداً أو فائقة’ بنهاية العام، واحتمالاً يصل إلى 97% لاستمرارها حتى عام 2027.
تشير التوقعات إلى أن النينيو وحدها قد ترفع من تضخم أسعار الغذاء العالمية بنحو 0.7 نقطة مئوية في ذروة تأثيرها، بينما قد يصل الأثر إلى ما بين 1.3 و1.5 نقطة مئوية إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة بسبب زيادة تكاليف الوقود والأسمدة والتعبئة والنقل.
كما يتوقع البنك أن يصل تضخم أسعار الغذاء إلى نحو 5% خلال النصف الأول من 2027، مما قد يضيف حوالي 0.6 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، ويؤجل مسار انخفاضه بنحو 0.3 نقطة مئوية.
الأسواق الناشئة الأكثر عرضة
يستشعر ‘جيه بي مورغان’ أن الأسواق الناشئة ستكون الأكثر تضرراً، وخاصة الهند وإندونيسيا والبرازيل وكولومبيا، بسبب الوزن النسبي الكبير للغذاء في إنفاق الأسر، واعتماد اقتصاداتها بشكل أكبر على القطاع الزراعي.
أما الاقتصادات المتقدمة، فمن المتوقع أن يكون تأثير النينيو المباشر عليها أقل، ولكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيواصل كونه عاملاً رئيسياً في زيادة أسعار الغذاء. رغم ذلك، يشير البنك إلى أن وفرة مخزونات الحبوب العالمية، وتحسن مخزونات الأرز في بعض الدول الآسيوية، قد يحدان جزئياً من حجم الأزمة، ومع ذلك، تبقى السيناريوهات المحتملة المتعلقة باستمرار ارتفاع أسعار الطاقة مع اشتداد النينيو الأكثر إثارة للقلق.
وعلى جانب الخسائر الاقتصادية، يحذر البنك الأفريقي للتنمية من اتساع الضغوط الإنسانية، وخصوصاً في الدول الهشة. تضع التقديرات البنك السوداني وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال ومالي وبوروندي إضافة إلى نيجيريا ضمن أكثر الدول عرضة للتأثر بشكل شديد.
يتوقع أيضاً أن تؤدي النينيو إلى موجات نزوح وهجرة جماعية من المناطق المنكوبة، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، مع احتمال مضاعفة سعر الذرة، الذي يمثل الغذاء الأساسي لملايين السكان في القارة الأفريقية.
للتصدي لهذه التحديات، أعلن البنك الأفريقي للتنمية عن استعداده لإعادة هيكلة بعض مشاريعه ومساعدة الدول على الاستفادة من التمويل الدولي، بما في ذلك صندوق المناخ الأخضر، مشيراً إلى أن أفريقيا قد تحتاج إلى تمويل يصل إلى 100 مليار دولار خلال العام الحالي لمواجهة التداعيات المتوقعة.
أكدت هذه التقديرات حجم التحديات التي قد تفرضها ظاهرة النينيو إذا بلغت مستوياتها المتوقعة، إذ أصبحت الأزمة تهدد النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار والأمن الغذائي والمالية العامة، مما يؤدي إلى تأثيرات تمتد من الحقول الزراعية إلى الأسواق العالمية والموازنات الحكومية، مع توقعات بأن تتكبد الدول النامية النصيب الأكبر من تبعاتها.