صناديق الثروة السيادية في الإمارات وصراع إيران: تحديات جسيمة تواجه ثروة هائلة – بقلم قش
تؤكد دراسة حديثة أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أبرزت أهمية الصناديق السيادية الإماراتية في دعم الاقتصاد المحلي. رغم ذلك، تواجه هذه الصناديق تحديات متزايدة، مثل تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العسكري. يبلغ إجمالي استثمارات الإمارات 3.083 تريليونات دولار، حيث تسيطر الصناديق السيادية على 87% منها. رغم القوة المالية، لا تحقق بعض الصناديق الإماراتية عائداً مماثلاً لنظرائها العالميين. يُتوقع أن تؤثر التحديات الاقتصادية المستقبلية على الاستثمارات الخارجية، مما يستدعي تحسين الكفاءة والعوائد. تبقى الصناديق أدوات قوية، لكنها تحتاج لتوازن بين التزاماتها الخارجية واحتياجات الأمن الاقتصادي الداخلي.
الاقتصاد العربي | شاشوف
سلطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية الصناديق السيادية الإماراتية كأحد أبرز أعمدة القوة المالية للدولة، حيث ساهمت أصولها الضخمة في الحفاظ على استقرار الوضع المالي والتصنيف الائتماني للإمارات رغم الضغوط الناجمة عن الحرب.
ومع ذلك، تشير دراسة اطلعت عليها “شاشوف” من “البيت الخليجي للدراسات والنشر” في لندن إلى أن هذه الصناديق ستواجه في المستقبل تحديات متزايدة تتمثل في تراجع الإيرادات النفطية والسياحية، وارتفاع الإنفاق العسكري، وإعادة تنظيم الأولويات الاستثمارية.
وفقاً للدراسة، بلغ إجمالي الاستثمارات العامة الإماراتية في مايو 2026 حوالي 3.083 تريليونات دولار، مما يجعل الإمارات تتصدر المرتبة الأولى عربياً والرابعة عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين واليابان.
تنقسم هذه الأصول بين الصناديق السيادية التي تمتلك 2.695 تريليون دولار، مما يعادل 87% من إجمالي الاستثمارات العامة، والاحتياطيات الرسمية للمصرف المركزي التي تبلغ 274 مليار دولار (9%)، بالإضافة إلى أصول صناديق الضمان الاجتماعي التي تصل إلى 113 مليار دولار (4%).
على الصعيد العالمي، قدر حجم أصول البنوك المركزية والصناديق السيادية ومؤسسات الضمان الاجتماعي بحوالي 60.7 تريليون دولار، موزعة بين 27.6 تريليون دولار لمؤسسات الضمان الاجتماعي و17.3 تريليون دولار للبنوك المركزية و15.8 تريليون دولار للصناديق السيادية.
تسعة صناديق تقودها أبوظبي
تمتلك الإمارات تسعة صناديق سيادية موزعة بين أربع إمارات والحكومة الاتحادية، تشمل أربعة صناديق في أبوظبي وصندوقين في دبي وصندوق في الشارقة وآخر في الفجيرة وصندوق اتحادي.
يعتبر جهاز أبوظبي للاستثمار الأكبر بين الصناديق الإماراتية والخليجية، حيث تصل أصوله إلى 1128.7 مليار دولار، ويتبوأ المرتبة الرابعة عالمياً بعد الصندوق النرويجي وصندوقين صينيين.
كما تشمل أبوظبي مبادلة بأصول تبلغ 384.9 مليار دولار، بالإضافة إلى أبوظبي القابضة التي تقدر أصولها بـ263.3 مليار دولار، إضافة إلى شركة “لعماد” التي تأسست عام 2025 وتم دمجها لاحقاً مع أبوظبي القابضة.
في دبي، تملك مؤسسة دبي للاستثمارات أصولاً تبلغ 429 مليار دولار، وصندوق دبي للاستثمارات بأصول تصل إلى 80 مليار دولار.
بينما تمتلك الشارقة شركة لإدارة الأصول بأصول تبلغ 10 مليارات دولار، وتصل أصول الفجيرة القابضة إلى نحو 500 مليون دولار، وأصول جهاز الإمارات للاستثمار تصل إلى 102 مليار دولار.
توضح الدراسة أن القوة الحقيقية للصناديق السيادية الإماراتية تتركز بشكل شبه كامل في أبوظبي ودبي.
إجمالي أصول الصناديق التابعة لأبوظبي يبلغ 1877 مليار دولار، أي ما يعادل 609% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، وهو ما يفوق إجمالي الصناديق السيادية في السعودية وقطر والبحرين وعُمان. بينما أصول صناديق دبي تصل إلى 509 مليارات دولار، أي ما يعادل 346% من ناتجها المحلي الإجمالي.
في المقابل، لا تتجاوز أصول صندوق الشارقة 24% من ناتج الإمارة، بينما تمثل أصول صندوق الفجيرة نحو 6% فقط من الناتج المحلي للإمارة.
وعلى مستوى الدولة ككل، تعادل أصول الصناديق السيادية الإماراتية نحو 489% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 73% فقط في السعودية.
استثمارات في الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية
اتجهت الصناديق الإماراتية من العقارات والأدوات المالية التقليدية إلى الاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والصناعة.
تشمل استثمارات شركة مبادلة في النفط والبتروكيماويات، حيث يمتلك هذا القطاع نحو ثلث استثماراتها، بما في ذلك حصص رئيسية في شركة “سيبسا” الإسبانية وشركة “نوفا” الكندية.
كما تمتلك مبادلة 82% من أسهم شركة “غلوبال فاوندريز” المتخصصة في أشباه الموصلات، بالإضافة إلى شركة “ستراتا” لصناعة هياكل الطائرات وشركة “الياه سات” المالكة لخمسة أقمار اصطناعية للبث والاتصالات.
أما أبوظبي القابضة فتوسعت عالمياً من خلال استثمارات في القطاع المصرفي التركي والبنية التحتية الأسترالية، بالإضافة إلى مساهمتها البالغة 35 مليار دولار في مشروع رأس الحكمة بمصر، الذي تصل تكلفته الإجمالية التقديرية إلى 150 مليار دولار.
كما خصصت الشركة في عام 2025 نحو 25 مليار دولار بالشراكة مع شركة أمريكية لتطوير مشاريع الطاقة داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى استثمارات في قطاع المعادن الاستراتيجية مثل الحديد والنحاس.
أرباح أقل من الصناديق العالمية الكبرى
رغم الضخامة الاستثنائية للأصول، تشير الدراسة إلى أن بعض الصناديق الإماراتية لا تحقق مستويات الربحية نفسها التي تسجلها الصناديق السيادية العالمية الكبرى.
في عام 2024، سجلت مؤسسة دبي للاستثمارات أرباحاً بلغت 67.5 مليار درهم، أي ما يعادل 4.6% من أصولها، مقارنة بعائد سنوي بلغ نحو 7.1% للصندوق النرويجي خلال النصف الأول من 2025 و6.7% خلال الربع الثالث من العام نفسه.
كما ارتفعت أرباح المؤسسة من 36.1 مليار درهم في 2022 إلى 67.5 مليار درهم في 2024، لكنها تكبدت خسائر كبيرة بلغت 15.5 مليار درهم خلال عام 2020.
تشير الدراسة أيضاً إلى خسارة استثمارية كبير تعرضت لها مبادلة عندما اشترت في عام 2008 حصة 90% من مبنى كرايسلر الشهير في نيويورك مقابل 800 مليون دولار، لكنها اضطرت لبيعه في 2009 مقابل 151 مليون دولار فقط بعد ارتفاع تكاليف الأرض والنفقات التشغيلية.
حرب إيران تفرض أولويات جديدة
تعتبر الدراسة أن الحرب على إيران شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة الصناديق السيادية الإماراتية على دعم الاقتصاد الإماراتي.
وتشير إلى أن الإمارات تعرضت خلال الحرب لهجمات واسعة شملت 521 صاروخاً باليستياً و2141 طائرة مسيرة استهدفت منشآت مدنية وعسكرية، مما أدى إلى زيادة النفقات الدفاعية والحاجة إلى إعادة تأهيل منشآت متضررة.
كما تسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطيل جزء كبير من صادرات النفط الإماراتية التي كانت تبلغ قبل الحرب نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، مما دفع الدولة للاعتماد بشكل أكبر على خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي تصل طاقته القصوى إلى 1.8 مليون برميل يومياً.
في هذا السياق، قررت الإمارات رفع صادراتها النفطية إلى خمسة ملايين برميل يومياً مستقبلاً، وانسحبت من تحالف “أوبك+” اعتباراً من مايو 2026.
بين الالتزامات الخارجية والاحتياجات الداخلية
تشير الدراسة إلى أن الصناديق السيادية الإماراتية مطالَبة بالتوازن بين التزاماتها الاستثمارية الخارجية، والتي تشمل تعهدات باستثمارات تصل إلى 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة على مدى عشر سنوات، وبين الحاجة لتوجيه استثمارات أكبر نحو الداخل الإماراتي.
تشمل الأولويات الجديدة قطاعات الدفاع والطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية، فضلاً عن تمويل مشاريع توسعة خط أنابيب الفجيرة لزيادة قدرته الاستيعابية.
كما تتوقع الدراسة أن يؤدي تراجع الإيرادات النفطية والسياحية وارتفاع الإنفاق العسكري إلى إبطاء نمو أصول الصناديق السيادية في الفترة المقبلة، مما قد يؤثر على حجم استثماراتها الخارجية.
تشير الدراسة إلى أن الصناديق السيادية الإماراتية لا تزال واحدة من أقوى أدوات القوة الاقتصادية في المنطقة والعالم، لكنها تواجه تحديات بعد الحرب تتعلق بتحقيق التوازن بين الاستثمارات الخارجية ومتطلبات الأمن الاقتصادي الداخلي، بالإضافة إلى الحاجة إلى زيادة الكفاءة والعوائد الاستثمارية لبعض الصناديق مقارنة بنظيراتها العالمية.