تتجه الولايات المتحدة نحو استراتيجية هجومية للاستحواذ على موارد جمهورية الكونغو الديمقراطية، خصوصاً النحاس والكوبالت، لمواجهة الهيمنة الصينية في أفريقيا. يتم دعم هذه الجهود من خلال ‘مؤسسة تمويل التنمية الدولية’، حيث تتدخل واشنطن لتوجيه تدفقات المعادن إلى حلفائها مثل السعودية والإمارات، مما يعكس سياسة واقعية للتنافس الجيوسياسي. هذه الخطوات تتجاوز التجارة الحرة، وتشمل ضغوطًا سياسية ومساعدة مالية لصالح شركات أمريكية، مما يضمن تحويل الثروات الأفريقية بعيدًا عن الصين، ويعكس سعي واشنطن لتعزيز نفوذها على الموارد الحيوية في القرن الحادي والعشرين.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في حركة استراتيجية تكشف عن الوجه القاسي للصراع الجيوسياسي الحديث، أصبحت الولايات المتحدة لا تكتفي بمراقبة التوسع الصيني في إفريقيا، بل دخلت في مرحلة الهجوم المباشر للاستحواذ على الموارد، ودفعها قسراً لتلبية احتياجاتها واحتياجات حلفائها. في أحدث الفصول، قامت واشنطن باستثمار كثيف لتأمين حصة كبيرة من النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يتم توجيه كميات كبيرة منه إلى السعودية والإمارات، بما يتجاوز مفاهيم التجارة التقليدية إلى مستوى “الهندسة الجيوسياسية” لتدفقات الثروات العالمية، حيث تؤدي واشنطن دور “شرطي المرور” في تحديد من يحصل على المعادن ومن يتم حرمانه.
تشير التفاصيل المتاحة لـ’شاشوف’ عبر ‘بلومبيرغ’ إلى أن هذا المخطط يتم تنفيذه من خلال شراكة تجارية ظاهرة بين شركة التعدين الحكومية الكونغولية “جيكامين” ومجموعة “ميركوريا” للطاقة، لكن الطرف الحقيقي المحرك للأحداث هو “مؤسسة تمويل التنمية الدولية” (DFC) التابعة للحكومة الأمريكية.
الهدف من هذه العملية هو شحن 50 ألف طن من كاثود النحاس إلى الحليفين الخليجيين، ليس فقط لتلبية احتياجاتهما، بل لربط اقتصادات المنطقة بسلاسل توريد تتحكم فيها واشنطن، ومواجهة الهيمنة الصينية التي كانت تعتبر الكونغو حديقتها الخلفية لاستخراج المواد الخام اللازمة لصناعاتها.
يعكس هذا التحرك فلسفة إدارة الرئيس ترامب التي تخلت عن الدبلوماسية المستخدمة سابقاً لصالح سياسة واقعية فجة، ترى في إفريقيا مجرد منجم ينبغي استغلاله لكسر شوكة بكين. فقد ضمنت الولايات المتحدة لنفسها الشهر الماضي 100 ألف طن من نفس المصدر، وتوسع الآن من دائرة الاستحواذ لتشمل حلفائها، في محاولة لتشكيل تكتل دولي يهيمن على الموارد الحيوية.
تؤكد هذه الإجراءات أن واشنطن مستعدة لاستخدام جميع أدواتها، بما في ذلك الضغوط السياسية والإغراءات المالية، لتحويل تدفقات الثروات الأفريقية نحو الموانئ الأمريكية وحلفائها، مؤكدة السيطرة على نصيب الأسد من المناجم.
هندسة النفوذ: كيف تدير واشنطن تدفقات الثروة من الخلف
لا يمكن فهم الصفقة الجديدة بمعزل عن الدور المتزايد لـ”مؤسسة تمويل التنمية الدولية”، التي تحولت من وكالة تنموية إلى أداة في الحرب الاقتصادية ضد الصين. فقد صرح رئيسها التنفيذي بن بلاك، بأن إجراءاتهم تهدف إلى تأمين “توجيه المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة وحلفائها”.
هذا التصريح يعكس بوضوح أن واشنطن تمارس نوعاً من الوصاية على الموارد الكونغولية، حيث يحدد البيت الأبيض وجهة النحاس كقرار سياسي أكثر من كونه قراراً تجارياً.
تتبنى الاستراتيجية الأمريكية مبدأ “الاستحواذ الوقائي’ لحجز الكميات المتاحة من النحاس والكوبالت لعقود قادمة، حتى لو لم تكن هناك حاجة فورية، بهدف تجفيف المنابع أمام الصناعة الصينية. فإرسال 50 ألف طن إلى السعودية والإمارات، بالإضافة إلى 100 ألف طن إلى أمريكا، يعني تقليص هذه الكميات من السوق التي تعتمد عليها الصين. هنا تتجلى البراغماتية الأمريكية، حيث تستخدم واشنطن نفوذها المالي لتقديم ضمانات للدول والمشاريع، معتبرة أن ذلك جزء من استثمار الأمن القومي.
وفي السياق نفسه، ترفض الأطراف التجارية التعليق، مما يزيد من الغموض المحيط بالصفقات ذات الطابع الاستراتيجي. هذا الصمت يعزز القناعة بأن ما يجري هو أكثر من مجرد صفقة تجارية، بل هو جزء من ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع. تدرك واشنطن أهمية السيطرة على المعادن في القرن الحادي والعشرين مثلما كانت السيطرة على النفط في القرن العشرين، ولذلك تضغط لضمان هيمنتها على مناجم كاتانغا.
هوس الحصار: استنزاف أفريقيا لقطع الطريق على بكين
يمثل الهوس الأمريكي بـ”الخطر الصيني” المحرك الرئيسي وراء هذه الجهود الحثيثة في غابات إفريقيا. تشكل بكين اليوم أكبر متحكم في عمليات استخراج النحاس والكوبالت في الكونغو، مما يثير قلق صانعي القرار في واشنطن، الذين يرون في هذه الهيمنة تهديداً جوهرياً لمستقبل الصناعات الأمريكية.
للتصدي لتفوقها، تطبق إدارة ترامب سياسات تدخلية غير مسبوقة، تشمل ضخ مليارات الدولارات لدعم الشركات الغربية. المسؤولون الأمريكيون يتحدثون عن “تحويل تدفق الإمدادات بعيداً عن الخصوم الاستراتيجيين”، مما يعني عملياً “سرقة” حصة الصين السوقية عبر صفقات سياسية مدعومة حكومياً. هذا النهج يحول الكونغو وغيرها من الدول الغنية في إفريقيا إلى ساحة معركة مفتوحة لاستنزاف مواردها.
تسعى المؤسسة الأمريكية إلى المخاطرة بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين لمشاريع “شديدة الخطورة”، فقط لمنافسة الصين. يعبّر هذا الاندفاع عن قلق شديد في واشنطن من فقدان هيمنتها التكنولوجية، لذا تستهدف السعودية والإمارات لبناء شبكة تحالفات موازية لطريق الحرير الصيني.
المقايضة العارية: الأمن مقابل الموارد في حديقة واشنطن الخلفية
تتجلى الانتهازية السياسية في المقايضة التي تقدمها واشنطن لكينشاسا، حيث تفتح الحكومة الكونغولية أبواب مناجمها للشركات الأمريكية مقابل الدعم الأمني من واشنطن. تستغل الولايات المتحدة توتر الأوضاع الأمنية في الكونغو لابتزازها اقتصادياً.
تمثل المعادلة: “حمايتكم مرهونة بتسليم مفاتيح مناجمكم” تكتيكاً يستغل الأزمات الداخلية. ولم يكن اختيار السعودية والإمارات عشوائياً، بل هو جزء من إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. من خلال دمج الحليفين في سلسلة توريد النحاس المدعومة أمريكياً، تحقق واشنطن أهدافاً متعددة.
تهدف إدارة ترامب، من خلال هذه التحركات، إلى إيصال رسالة واضحة: الولايات المتحدة عادت، وهي مستعدة لتجاوز جميع الحدود الاقتصادية لتأمين مصالحها. الدعم لمشاريع التعدين والبنية التحتية ليس عملاً خيرياً، بل هو استثمار لنهب الثروات بشكل أسرع وأكثر كفاءة، لضمان تدفقها إلى حلفاء واشنطن.
تم نسخ الرابط
