شركات الشحن تتجنب المخاطر وتتجاهل تعهدات ترامب: الأمن يتفوق على المال في أخطر ممر نفطي – بقلم شاشوف
تسبب النزاع مع إيران في أزمة بحرية حادة في مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله حوالي 20% من استهلاك النفط والغاز العالمي. رغم المحاولات الأمريكية لزيادة الحماية البحرية، ترفض شركات الشحن الكبرى الإبحار إلى المنطقة بسبب المخاطر المرتفعة على الأرواح والممتلكات. تشير التقارير إلى توفر تأمين ضد مخاطر الحرب، لكن القلق من الهجمات الإيرانية المستمرة يمنع السفن من المخاطرة. روبرتس وكوفود أولسن يؤكدان أن سلامة الأطقم تتجاوز العوامل المالية. وتعكس جهود الإدارة الأمريكية حالة من عدم الثقة، مع استمرار أزمة الملاحة وانخفاض أسعار الطاقة العالمية.
أخبار الشحن | شاشوف
تسعى الحرب المفروضة على إيران إلى التأثير بعمق على أحد أركان الاقتصاد العالمي، حيث أصبح مضيق هرمز ساحة دموية مليئة بالمخاطر. هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً بحريًا في أضيق نقاطه، يمر من خلاله حوالي خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الطبيعي يوميًا.
ومع تزايد العمليات العسكرية، كادت حركة الملاحة التجارية أن تتعثر تمامًا، مما وضع سلاسل إمداد الطاقة العالمية أمام أزمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. في خضم هذا، سعت الإدارة الأمريكية جادةً إلى كسر هذا الحصار.
في مسعى للتخفيف من التداعيات، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حزمة إغراءات مالية وعسكرية غير مسبوقة، تصدرتها خطة لإعادة تأمين بحري بقيمة 20 مليار دولار عبر “مؤسسة تمويل التنمية” الأمريكية وفقًا لمصادر “شاشوف”.
قاد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، حملة طمأنة للأسواق، متعهدًا بأن الولايات المتحدة ستستعيد السيطرة الكاملة على المضيق من خلال توفير مرافقة عسكرية أمريكية أو متعددة الجنسيات لضمان أمن السفن. كان الهدف من هذه الخطة هو إنشاء مظلة حماية تشجع المشغلين على استئناف رحلاتهم وتخفيف الضغط الكبير على أسعار الطاقة العالمية.
رغم هذا التفاؤل الرسمي والدعم المالي الكبير، اصطدمت طموحات واشنطن بواقع معقد للغاية. إذ ترفض شركات الشحن الكبرى حتى الآن قبول هذا العرض، حيث تعتبر أن الضمانات المالية لا تعوض المخاطر الوجودية التي تهدد طواقمها وأصولها الضخمة.
تكشف هذه الفجوة العميقة بين التعهدات السياسية والمصالح التجارية الدقيقة عن أزمة ثقة كبيرة، حيث تدرك الصناعة البحرية أن التدخلات الاقتصادية تفتقر إلى جدواها عندما تظل الأسلحة هي اللغة السائدة في مياه الخليج.
الأمن قبل المال.. معضلة الأطقم وحسابات الخطر
لم تكن المعضلة التي تواجه الملاحة في هرمز مرتبطة بغياب التغطية التأمينية، بل بارتفاع مستوى الخطر إلى درجة غير مقبولة. في “رابطة سوق لويدز” بلندن، التي تمثل جوهر التأمين البحري العالمي، تشير التقارير التي اطلع عليها “شاشوف” إلى أن بوالص التأمين ضد مخاطر الحرب لا تزال متاحة، وأن شركات التأمين الخاصة مستعدة لتغطية الرحلات.
ومع ذلك، يشير نيل روبرتس، خبير الشحن في الرابطة، إلى أن عزوف السفن يرجع أساسًا إلى تقييم مالكي السفن والربابنة أن المخاطر على أرواح الطواقم والسفن تفوق أي تعويضات مالية.
يتجلى هذا القلق بشكل واضح في موقف شركات إدارة السفن الكبرى، مثل “في.غروب”، التي تُدير آلاف البحارة ومئات السفن. فالأصول البحرية لا تتحرك من تلقاء نفسها، والبحارة يمتلكون حقوقًا تكفلها النقابات الدولية تتيح لهم رفض الإبحار في مناطق النزاع المسلح.
كما يحذر رينيه كوفود أولسن، الرئيس التنفيذي للشركة، من أن الضغوط التجارية، مهما كانت شديدة، لا يمكن أن تتجاوز سلامة العنصر البشري حسب تقديرات “شاشوف”. هذا المبدأ الأخلاقي والقانوني يشكل حائط صد ليحبط جميع المحفزات المالية المقدمة من واشنطن.
إلى جانب التهديد الأمني المباشر، تتزايد الأعباء التشغيلية على السفن العالقة في مياه الخليج، حيث تتحول فترات الانتظار الطويلة إلى عبء لوجستي.
نقص الإمدادات الأساسية، وصعوبة تبديل الطواقم، وارتباك الجدول الزمني للرسو في الموانئ كلها عوامل تستنزف الموارد. ما يزيد الأمر تعقيدًا هو التحركات السياسية الداخلية في إيران، حيث أقر البرلمان الإيراني تشريعًا يفرض رسومًا على عبور المضيق، ما يُضيف خانة جديدة من التعقيدات القانونية والسيادية التي تُحاصر شركات الشحن بين مطرقة العقوبات الغربية وسندان الابتزاز الميداني.
وعود الحماية العسكرية واختبار النفوذ في هرمز
ترتقي إدارة الولايات المتحدة في خطتها على دور محوري لـ”القيادة المركزية الأمريكية” (CENTCOM) لتوفير مرافقة عسكرية مسلحة للقوافل التجارية. ورغم وجود الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، إلا أن تأمين حماية كبيرة للمئات من السفن التي تعبر المضيق أسبوعيًا يمثل تحديًا لوجستيًا وعسكريًا كبيرًا.
تاريخ البحار، مثل “حرب الناقلات” في الثمانينيات، وحرب البحر الأحمر في السنوات الأخيرة، يوضح أن المرافقة العسكرية لا تمنع تمامًا الهجمات غير المتماثلة، مثل الألغام البحرية أو الهجمات من الزوارق السريعة والطائرات المسيرة، وهي جميعها أدوات مهنية في الترسانة الإيرانية.
من هنا، يُبرز بوب ماكنالي، رئيس شركة “رابيدان إنرجي غروب”، رؤية تحليلية تشير إلى أن الخطر الحالي “لا يمكن التحكم فيه” بالأساليب التقليدية. فالمعادلة، وفقًا للخبراء الاستراتيجيين، بسيطة: لن تعود أسعار التأمين إلى طبيعتها، ولن تشجع الشركات على العبور، إلا بعد إضعاف ملموس للقدرات العسكرية الإيرانية المطلة على المضيق. وطالما أن “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران” لم تُعزِل هذه التهديدات المباشرة، فإن الوعود بالسيطرة تبقى قيد الانتظار.
بين جنبات هذا المشهد، تجري مفاوضات حذرة بين الحكومة الأمريكية وعمالقة وساطة التأمين مثل “تشب”، و”مارش”، و”أون” لمشاركة في برنامج الـ 20 مليار دولار. لكن صمت هذه الشركات ورفضها التعليق يُظهر حالة من التردد المتأصل.
فشركات التأمين تدرك أن الانغماس في برنامج حكومي مرتبط بمناطق صراع مشتعلة قد يحمل تبعات مالية فادحة إذا تعرضت سفينة لهجوم مباشر. هذا التردد المؤسسي يُفرغ البرنامج الحكومي من مضمونه، ويحوِّله إلى مجرد أداة ضغط سياسي لم يؤدّ حتى الآن إلى تأمين عبور أي سفينة تحت تلك المظلة.
في النهاية، يُظهر الفشل الحالي في إعادة تنشيط الملاحة في مضيق هرمز أن أدوات الاقتصاد التقليدية عاجزة أمام قسوة الحروب الجيوسياسية.
لقد راهنت واشنطن على أن ضخ المليارات وتقديم وعود الحماية العسكرية سيكون كافيًا لتهدئة المخاوف في الأسواق وإعادة شريان الطاقة إلى مجراه الطبيعي. لكن توجهات صناعة الشحن البحري، التي تُتابَع من قبل “شاشوف”، تعتمد على تقييمات دقيقة لسلامة الأصول والأرواح وأثبتت أن قرار الإبحار في مناطق الخطر يتطلب أكثر بكثير من شيك مفتوح أو تصريح متفائل.
ومع استمرار الحرب، يبدو أن أزمة مضيق هرمز ستستمر في طريقها المعقد على المدى القريب. طالما ظلت التهديدات العسكرية المباشرة قائمة، فستستمر السفن في تغيير مساراتها أو البقاء بعيدة عن دائرة الخطر، مما ينذر باستمرار الأوضاع الصعبة في أسواق الطاقة العالمية.
تم نسخ الرابط