سوق العقارات في تركيا: زيادة ظاهرية تخفي تراجعاً فعلياً وتدفقات يمنية تعيد تشكيل الوضع – شاشوف

سوق العقارات في تركيا زيادة ظاهرية تخفي تراجعاً فعلياً وتدفقات


شهد قطاع العقارات التركي تناقضات ملحوظة بين تسجيل أسعار قياسية ونقص في القيمة الحقيقية عند تعديلها للتضخم. رغم ارتفاع مؤشر أسعار المساكن بنسبة 32.3% في مايو، أظهرت البيانات نقصاناً سنوياً بقيمة 2.3%. المستثمرون اليمنيون لعبوا دوراً بارزاً في السوق، حيث أكدوا على تنوع استثماراتهم التي شملت قطاعات تجارية وصناعية. ومع الارتفاع الكبير في الإيجارات بنسبة 193.1%، تظل أسعار المتر المربع في إسطنبول جذابة مقارنة بالمراكز العالمية. ينتظر المراقبون تأثير قرارات خفض أسعار الفائدة المقبلة على نشاط السوق، في ظل استمرارية الثقة في العقارات كوسيلة للحفظ على القيمة.

تقارير | شاشوف

في ظل التقلبات في الاقتصاد الكلي والتوقعات المتعلقة بخفض أسعار الفائدة، يقدم قطاع العقارات التركي صورة مركبة يصعب تبسيطها. حيث تسجل الأسعار الاسمية للعقارات في مدن كبرى مثل إسطنبول ارتفاعات قياسية، مما يضعها في مرتبة متقدمة عالمياً من حيث النمو، لكن القراءة المعدلة حسب التضخم تُظهر انكماشًا في القيمة الحقيقية. في هذا السياق، تلعب تدفقات رأس المال الأجنبي، خاصة من الجالية اليمنية، دورًا هيكليًا في إعادة تشكيل ديناميكيات السوق.

وفقًا لبيانات حديثة، ورغم الحديث عن حالة من الجمود، ارتفع مؤشر أسعار المساكن في تركيا بنسبة 32.3% على أساس سنوي في شهر مايو الماضي، بحسب معلومات شاشوف التي استندت إلى بيانات البنك المركزي التركي.

في إسطنبول وحدها، بلغ متوسط سعر المتر المربع 51,229 ليرة تركية، بزيادة اسمية سنوية قدرت بـ 28.1%، وفقًا لبيانات شركة إسطنبول للتقييم العقاري. ورغم هذه الأرقام، تخفي الحقائق الأكثر تعقيدًا؛ فعند تعديلها وفقًا لمعدل التضخم المرتفع، أظهرت أسعار المساكن انخفاضًا حقيقيًا سنويًا بنسبة 2.3%، مما يعني أن قيمة الأصول العقارية تتآكل فعليًا بالمقارنة مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

أدت المخاوف الجيولوجية، خاصة بعد زلزال 23 أبريل الماضي، إلى إعادة توزيع حادة في الطلب، حيث شهدت المناطق في الشطر الآسيوي من إسطنبول، المعروفة بكونها أكثر أمانًا، طفرة في الأسعار. سجلت مناطق كاديكوي وبنديك وتوزلا عوائد سنوية تراوحت بين 38.8% و45.8%. بينما شهدت المناطق الأوروبية المهددة بالزلازل، مثل إسنيورت وبيوك تشكمجه، تجميدًا أو انخفاضًا في الأسعار، مع تحول الطلب نحو المباني الجديدة المقاومة للزلازل، والتي ارتفعت أسعارها بأكثر من 50%، وفقًا للعاملين في القطاع.

حجم وطبيعة الاستثمارات اليمنية في تركيا

في قلب هذا المشهد، أصبح رأس المال اليمني أحد الركائز الأساسية للسوق وأحد المؤثرين الرئيسيين منذ اندلاع الحرب في اليمن. وطبقًا لبيانات اتحاد الغرف والبورصات التركية (TOBB)، أسس اليمنيون آلاف الشركات في تركيا على مر السنوات، مما جعلهم في مراتب متقدمة ضمن قائمة الجنسيات الأكثر تأسيسًا للشركات. تمتد هذه الاستثمارات لتشمل محفظة متنوعة من الأصول التجارية والصناعية، وليس فقط شراء العقارات السكنية.

تركز الاستثمارات اليمنية بشكل كبير في قطاعات التجارة العامة، واستيراد وتصدير المواد الغذائية، والصناعات التحويلية الخفيفة، وقطاع الضيافة عبر شبكة واسعة من المطاعم والفنادق التي أصبحت معالم بارزة في مدن مثل إسطنبول. أظهرت بيانات هيئة الإحصاء التركية (TÜİK) في فترات سابقة أن اليمنيين كانوا من بين الجنسيات العشر الأكثر شراءً للعقارات في تركيا.

فيما يتعلق بأبرز المستثمرين، من الصعب تقديم قائمة حصرية ودقيقة، لكن المشهد الاستثماري اليمني في تركيا تقوده مجموعات تجارية عائلية كبيرة وراسخة، والتي نقلت جزءًا كبيرًا من عملياتها ورؤوس أموالها إلى تركيا باعتبارها ملاذاً آمناً ومركزًا إقليميًا.

وفقًا لمتابعات شاشوف، تُعتبر “مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه” واحدة من أكبر التكتلات الاقتصادية في اليمن والمنطقة، مثالًا بارزًا على هذا الاتجاه، حيث أفادت تقارير صحفية متخصصة ومصادر اقتصادية بوجود استثمارات كبيرة للمجموعة في تركيا، تشمل قطاعات الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف.

إلى جانب هذه المجموعات الكبرى، برزت شريحة واسعة من رجال الأعمال والمستثمرين المتوسطي الحجم الذين نجحوا في تأسيس أعمال تجارية ناجحة، مما أوجد جالية اقتصادية يمنية نشطة ومؤثرة.

السوق بين الأسعار العالمية والتكاليف المحلية

على الصعيد العالمي، كشف تقرير “رسم خريطة الأسعار العالمية 2025” الصادر عن “دويتشه بنك” عن مفارقة أخرى؛ حيث سجلت إسطنبول أعلى زيادة في أسعار الإيجارات على مستوى العالم خلال السنوات الخمس الماضية، بنسبة بلغت 193.1% للشقق الكبيرة حسب قراءات شاشوف. وعلى الرغم من هذه القفزة الهائلة، لا يزال متوسط سعر المتر المربع في وسط المدينة، الذي يبلغ 3,036 دولاراً أمريكياً، بعيدًا جداً عن المراكز العالمية الكبرى مثل هونغ كونغ (25,946 دولاراً للمتر المربع)، مما يجعل إسطنبول وجهة استثمارية جذابة من حيث التكلفة النسبية.

يتوقع المراقبون استمرار النشاط في السوق، مدفوعين بترقب الأسواق لقرار البنك المركزي التركي بخفض أسعار الفائدة في يوليو، مما قد يحفز مبيعات العقارات الممولة عبر القروض، والتي شكلت بالفعل 14.9% من إجمالي المبيعات في مايو الماضي.

ومع استمرار الثقة في العقار كمخزن للقيمة على المدى الطويل، يبدو أن السوق التركي سيظل ساحة معقدة تواجه فيها ضغوط التضخم المحلي جاذبية رأس المال الأجنبي الباحث عن فرص النمو.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version