رواتب متأخرة لعدة أشهر.. تأخير الدعم السعودي يزيد من حدة أزمة السيولة في اليمن منذ 2015 – شاشوف
يواجه الاقتصاد اليمني أزمة حادة نتيجة تزايد العوامل الداخلية مع تطورات إقليمية. حكومة عدن، المدعومة سعودياً، عاجزة عن دفع الرواتب لمئات آلاف الموظفين، حيث تواصل التأخيرات للمدنيين والعسكريين. تحذر التقارير من أن البلاد تعاني أسوأ أزمة سيولة منذ 2015، مع تراجع الموارد وفقدان مصادر الدخل السيادية مثل صادرات النفط، ما يزيد من عجز الميزانية. تأخر دعم سعودي إضافي بسبب أحداث إقليمية ساهم في زيادة معاناة المواطنين من نقص السيولة، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. الخيارات المتاحة كرفع أسعار الفائدة وطباعة النقود تُعتبر محدودة وغير فعالة.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
يعيش اليمنيون فترة من القلق المالي والاقتصادي بسبب تأثير العوامل الداخلية على التطورات الإقليمية. حكومة عدن، المدعومة من السعودية، تبدو عاجزة عن الوفاء بأبسط التزاماتها المالية، مثل صرف رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين. بحسب المعلومات الأخيرة التي يتابعها ‘شاشوف’، يواجه مئات الآلاف من الموظفين تأخيرات متراكمة في مستحقاتهم، حيث يوشك المدنيون على إنهاء شهرهم الثاني بدون راتب، بينما دخل العسكريون والأمنيون شهرهم الرابع، مع وجود متأخرات تتجاوز الأربعة أشهر في بعض القطاعات.
يحذر اقتصاديون من أن هذا العطل لا يعد مجرد خلل إداري مؤقت، بل يدل على أزمة مالية بنيوية عميقة، تذكّرنا بسيناريوهات سابقة من الانهيار المالي الذي أسقط حكومات سابقة وأدخل البلاد في دوامات الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي.
تتزامن هذه الأزمة مع تحذيرات نشرتها رويترز في تقرير تم الاطلاع عليه من قبل ‘شاشوف’، حيث أكدت أن حكومة عدن تواجه أسوأ أزمة سيولة نقدية منذ عام 2015. وهذه الأزمة لا تتعلق بالعجز المالي التقليدي فقط، بل تشمل اختناقًا فعليًا داخل الجهاز المصرفي. وفقاً لمسؤولين في بنك عدن المركزي، تكمن المشكلة ليس في نقص الموارد فحسب، بل في تفكك النظام المالي.
تتجنب عدد من المحافظات الأساسية مثل مأرب وحضرموت والمهرة وتعز توريد إيراداتها إلى البنك المركزي، مما يضعف قدرة الدولة على التحكم في التدفقات النقدية. في الوقت نفسه، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن المعروض النقدي في البلاد يتجاوز 7 تريليونات ريال، إلا أن جزءًا كبيرًا منه محتجز خارج النظام المصرفي لدى شركات الصرافة والتجار، مما يخلق تناقضًا حادًا بين ‘وفرة نقدية شكلية’ و’شح فعلي’ داخل المؤسسات المالية.
وفقًا للمستشار الاقتصادي في الرئاسة، فارس النجار، بدأت إجراءات صرف رواتب الموظفين المدنيين لشهر مارس، مع استمرار تأخر رواتب القطاعين العسكري والأمني، التي وصلت حاليًا إلى صرف مستحقات شهر يناير فقط. وأرجع النجار الأزمة إلى الفجوة الكبيرة في فاتورة الأجور التي تتجاوز تريليون ريال، مستنزفة تقريبًا كامل الإيرادات غير النفطية، بالإضافة إلى تحديات معالجة الازدواج الوظيفي وفقدان موارد النفط.
تأخر الدعم السعودي
تشتد هذه الأزمة مع فقدان الدولة لأحد أهم مصادر دخلها السيادية، إذ لا تزال صادرات النفط معلقة منذ أكتوبر 2022، مما أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة. وتُقدّر فاتورة الأجور والمرتبات بأكثر من تريليون ريال سنويًا، في حين لا تتجاوز الإيرادات غير النفطية تريليونًا و100 مليار ريال في أفضل الحالات، وهو هامش ضئيل لا يكفي لتغطية النفقات الأساسية للدولة.
وفي تصريح لنائبة المبعوث الأممي إلى اليمن، إزميني بالا، قالت إن استئناف صادرات النفط والغاز يشكل محورًا أساسيًا لتعافي الاقتصاد وتحقيق مكاسب السلام.
مع غياب الإيرادات الكافية، تعتمد حكومة عدن تقريبًا بالكامل على الدعم الخارجي، وخاصة من السعودية، لتغطية العجز وتمويل الرواتب، مما يجعل استقرار المالية العامة محصورًا بعوامل خارجية يصعب التحكم فيها.
في هذا الإطار، يظهر تأخر الدعم السعودي كأحد العوامل الجوهرية التي زادت من تعقيد الأزمة الحالية. فقد أعلنت الرياض في فبراير الماضي عن حزمة دعم إضافية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (حوالي 346.59 مليون دولار)، مخصصة لدعم الموازنة وتمويل الرواتب، بعد أيام من عودة الحكومة بكامل أعضائها إلى عدن.
كما جاء الدعم في سياق أوسع يشمل مساعدات سعودية بلغت حوالي 3 مليارات دولار خلال السنوات الماضية، لكن تأخّر وصول هذا الدعم كان ملحوظًا. تشير تقارير يشرف عليها ‘شاشوف’ إلى أن بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، والاضطرابات في حركة الملاحة، ربما أدى إلى إبطاء الإجراءات اللوجستية والمالية الخاصة بتحويل الأموال، ما ساهم في تأخر انعكاس هذا الدعم على الواقع، وبالتالي استمرار أزمة الرواتب.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المالية العامة فحسب، بل تنعكس أيضًا على حياتهم اليومية، حيث تعاني الأسواق من نقص في السيولة وقيود صارمة على عمليات السحب والتحويل. يؤكد مواطنون أن محلات الصرافة في بعض الأحيان ترفض تحويل حتى مبالغ صغيرة، كما لا يُسمح بمصارفة ما يزيد عن 100 ريال سعودي في اليوم، مما يعوق القدرة على دفع الإيجارات أو شراء الضروريات الأساسية.
كذلك، تأثرت الأسر التي تعتمد على الحوالات الخارجية نتيجة صعوبة تحويل العملات الأجنبية إلى الريال اليمني. وسط هذه الظروف، تتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة، خاصة مع تحذيرات دولية تناولها ‘شاشوف’ سابقًا، تشير إلى أن الفترة من مارس إلى سبتمبر 2026 قد تشهد ضغوطًا تضخمية متزايدة، مما يدفع المزيد من الأسر إلى تقليص استهلاك الغذاء والاعتماد على استراتيجيات تكيف صارمة.
في محاولة لاحتواء الأزمة، اتخذ بنك عدن المركزي إجراءات محدودة، أبرزها رفع سعر الفائدة على الودائع بالريال اليمني من 15% إلى 18% لجذب السيولة من السوق إلى القطاع المصرفي، إلا أن فعالية هذه الخطوة تبقى محل شك في ظل فقدان الثقة بالنظام المالي.
كما تتجنب السلطات حتى الآن إمكانية طباعة نقود جديدة خوفًا من التأثيرات السلبية التي قد تؤدي إلى تضخم وانهيار إضافي في قيمة العملة. ومع استمرار هذه العوامل مجتمعة، من تراجع الإيرادات، وتأخر الدعم الخارجي، وتفكك النظام المالي، وتداعيات الحرب الإقليمية، يبدو أن اليمن تواجه واحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية، مما يشكل تهديدًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.