رغم اتفاق إيران، البنوك المركزية تواصل سياسة التشديد النقدي في مواجهة مستمرة مع التضخم – شاشوف


الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، بالرغم من تهدئة بعض المخاوف من أزمة طاقة عالمية، لم يحقق الراحة المتوقعة للأسواق العالمية. البنوك المركزية الكبرى تتعامل مع صعوبات في السياسة النقدية بسبب التضخم المستمر وتباطؤ النمو. أسعار النفط شهدت تراجعًا، لكن الضغوط التضخمية لم تنكسر، ومخاوف ارتفاع تكاليف المواد الأولية تظل قائمة. الفيدرالي وبنوك أخرى أكدت أنها ستبقى حذرة بشأن معدلات الفائدة، حيث إن أي تراجع مؤقت في الأسعار لن يكون كافيًا للتخفيف من الضغوط الاقتصادية. الاتفاق الإيراني يعالج خطرًا فوريًا، لكنه لا يحل مشاكل التضخم الهيكلية المتبقية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

لم يُحقق الاتفاق المؤقت الذي تم برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين واشنطن وطهران الحالة من الاطمئنان التي كانت تأملها الأسواق العالمية وصناع السياسات النقدية حول العالم.

بينما ساهم الاتفاق في تخفيف المخاوف من وقوع أزمة طاقة عالمية خطيرة، فإن المؤسسات المالية الكبرى لا تزال تدرك أن التهديد الحقيقي يكمن في استمرار الضغوط التضخمية التي تراكمت على مر السنوات، وأصبحت معقدة للغاية لحلها بمجرد انخفاض أسعار النفط.

تواجه البنوك المركزية الكبرى مرحلة حرجة في إدارة السياسة النقدية، حيث تتواجد بين مطرقة تباطؤ النمو الاقتصادي وسندان التضخم الذي يرفض العودة إلى المستويات المستهدفة. ورغم أن وقف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة ساعد على احتواء سيناريوهات كارثية كانت تتوقع ارتفاعات تاريخية في أسعار الطاقة، لا تزال تكلفة السلع والخدمات في العديد من الاقتصادات المتقدمة مرتفعة وتقلق صناع القرار، حسب ما أفادت به ‘شاشوف’ من تقرير صحيفة فاينانشال تايمز.

يعتقد خبراء الاقتصاد أن الحرب الأخيرة كانت مجرد عامل إضافي ضمن سلسلة من الصدمات، ابتداءً من جائحة كورونا مرورًا بأزمات سلاسل التوريد والحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لذلك، تعتبر البنوك المركزية الاتفاق الإيراني خطوة إيجابية لتقليل المخاطر، لكنها لا تمثل نقطة تحول كافية تسمح بالإعلان عن انتصار على التضخم أو بدء دورة كبيرة من خفض أسعار الفائدة.

أسعار الطاقة تتراجع.. لكن الضغوط التضخمية لم تنكسر

شهدت أسواق النفط انخفاضًا ملحوظًا بعد الإعلان عن الاتفاق، مما أدى إلى تراجع المخاوف من انقطاع حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعدّ ممراً مهماً لتجارة النفط والغاز العالمية. ومع ذلك، لا تزال الأسعار أعلى من مستوياتها التي كانت قبل اندلاع الحرب، مما يعني أن الأثر التضخمي للنزاع لم يتلاشَ تمامًا من الاقتصاد العالمي.

ويرى اقتصاديون أن التركيز الزائد على أسعار النفط قد يحجب الصورة الأوسع. فقد أدت الحرب أيضًا إلى زيادة تكاليف بعض المواد الأولية الأساسية، بما في ذلك المعادن والأسمدة ومكونات الإنتاج الصناعي، وهذه العوامل ستنعكس تدريجيًا على أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية في الأشهر المقبلة، حتى مع استقرار أسواق الطاقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة سلاسل الإمداد إلى وضعها الطبيعي ستستغرق وقتاً أطول مما يتوقعه المستثمرون، حيث أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل خلال فترة الحرب ستحتاج إلى وقت للحل، مما قد يُبقي تكاليف الشحن والإنتاج مرتفعة نسبيًا ويمنع الانخفاض السريع في معدلات التضخم العالمية.

تتزايد المخاوف أيضًا بسبب التحديات المناخية التي تهدد الإنتاج الزراعي في عدة مناطق حول العالم. تشير التوقعات المتعلقة بظاهرة ‘إل نينيو’ إلى احتمالات زيادة أسعار بعض المنتجات الغذائية، مما يُضيف عاملًا جديدًا إلى قائمة الضغوط التي تراقبها البنوك المركزية عن كثب عند رسم سياساتها النقدية المقبلة.

الفيدرالي والبنوك الكبرى يبعثون رسالة واضحة للأسواق

رغم انخفاض المخاطر العسكرية المباشرة، فإن الرسائل الواردة من البنوك المركزية الكبرى كانت حاسمة في التأكيد على أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد. ففي الولايات المتحدة، لا يزال الاحتياطي الفيدرالي يواجه معدلات تضخم أساسي تفوق الهدف الرسمي البالغ 2% بفارق كبير، ما يدفع المسؤولين إلى إبقاء خيار تشديد السياسة النقدية مطروحًا.

وتزداد هذه المخاوف مع استمرار قوة سوق العمل الأمريكية وارتفاع مستويات الإنفاق الاستهلاكي، وهي عوامل تدعم النشاط الاقتصادي لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى استمرار الضغوط السعرية. ولهذا، يرى العديد من المحللين أن أي تراجع مؤقت في أسعار النفط لن يكون كافيًا لإقناع الاحتياطي الفيدرالي بالتخلي عن نهجه المتشدد.

في بريطانيا، أظهر بنك إنجلترا موقفًا مشابهًا عندما أبقى أسعار الفائدة دون تغيير مع التأكيد على استعداده للتحرك مجددًا إذا عادت الضغوط التضخمية إلى التسارع. تعكس هذه الرسالة قناعة متزايدة لدى صناع السياسة النقدية بأن خطر انتقال صدمات الطاقة إلى بقية قطاعات الاقتصاد لا يزال قائمًا.

أما في أوروبا وآسيا، فقد تبنت البنوك المركزية خطابًا مماثلًا وفقًا لمتابعات ‘شاشوف’، حيث يواصل البنك المركزي الأوروبي مراقبة تأثير الصراع على الأسعار وتوقعات التضخم طويلة الأجل، بينما يركز بنك اليابان والاحتياطي الأسترالي على المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية واستمرار حالة عدم اليقين التي فرضتها التطورات الجيوسياسية الأخيرة.

في الختام، يبدو أن الاتفاق الإيراني نجح في إزالة أحد أكبر المخاطر الفورية التي كانت تهدد الاقتصاد العالمي، لكنه لم يُعالج الأسباب الهيكلية التي أبقت معدلات التضخم مرتفعة طوال السنوات الماضية. لذا، فإن البنوك المركزية، حسب تحليلات ‘شاشوف’، لا ترى في الاتفاق نهاية للأزمة، بل مجرد محطة تخفف من حدة التوتر دون أن تُنهي التحديات الأساسية.

خلال الأشهر القادمة، سيظل تحديد أسعار الفائدة مرتبطًا بمسار التضخم أكثر من ارتباطه بالتطورات السياسية. وإذا استمرت الأسعار بالصعود فوق المستويات المستهدفة، فقد يواجه المستثمرون واقعًا جديدًا يتمثل في بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، حتى مع تراجع المخاطر الجيوسياسية وعودة الهدوء النسبي إلى الشرق الأوسط.