خطة ترامب لإنشاء ‘مجلس السلام العالمي’ بتكلفة مليار دولار لكل مقعد كبديل محتمل للأمم المتحدة

خطة ترامب لإنشاء مجلس السلام العالمي بتكلفة مليار دولار لكل


أُعلن عن إنشاء ‘مجلس السلام’ الجديد تحت إشراف البيت الأبيض، حيث يشترط على الدول الراغبة في الانضمام تقديم مساهمات مالية كبيرة تصل إلى مليار دولار. تهدف المبادرة الظاهرة لإنهاء الحرب في غزة إلى إعادة هيكلة النظام الدولي بعيدًا عن الأمم المتحدة، مما يحول العلاقات الدولية لمزادات للنفوذ. رغم نفي البيت الأبيض وجود رسوم ثابتة، تشير التقارير إلى أن الالتزام المالي سيكون محورًا أساسيًا. هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مستقبل الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتصب في رؤية ترامب لتعزيز السلطة الأمريكية وترسيخ شروط جديدة للتحالفات الدولية.

تقارير | شاشوف

في خطوة تعيد صياغة مفاهيم التحالفات الدولية، وتؤكد النهج ‘التعاقدي’ الذي تميزت به السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، انتشرت في الأوساط الدبلوماسية في واشنطن والعواصم الغربية أنباء مثيرة للجدل حول الشروط المالية للانضمام إلى ‘مجلس السلام’ الجديد الذي أطلقه البيت الأبيض.

المبادرة التي تم تقديمها ظاهرياً كآلية لإنهاء الحرب في غزة وإدارة مرحلة ما بعدها، تحمل في جوهرها رؤية طموحة لإعادة تشكيل النظام الدولي بعيداً عن المؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة. وتشير التقارير من ‘بلومبيرغ’ إلى أن الإدارة الأمريكية تطلب من الدول المتقدمة للعضوية مساهمة مالية ضخمة تصل إلى مليار دولار، مما يثير تساؤلات حول تحول الدبلوماسية إلى ‘سلعة’ تُشترى بالمال لضمان مقعد قرب الرئيس الأمريكي.

لم يتوقف الجدل عند التسريبات الصحفية فقط، بل امتد إلى رد الفعل الرسمي من البيت الأبيض، الذي وصف التقرير بأنه ‘مضلل’، نافياً وجود ‘حد أدنى’ لرسوم العضوية. ومع ذلك، فإن اللغة الدبلوماسية المستخدمة في النفي تضمّنت تأكيدات ضمنية على جوهر المبادرة، حيث ربط البيان بين العضوية وضرورة إظهار ‘التزام عميق’ بالسلام والأمن، وهو مصطلح غالباً ما يُفهم في سياق إدارة ترامب على أنه التزامات مالية أو صفقات تسليح وتجارية.

هذا التناقض الظاهر بين النفي الرسمي والتسريبات يعكس استراتيجية التفاوض المفضلة لدى ترامب: رفع سقف التوقعات المالية إلى أقصى حد، مع ترك المجال مفتوحاً للدول لتقديم عروضها، مما يحول العلاقات الدولية إلى ساحة مزاد للنفوذ.

تأتي هذه الخطوات في توقيت حساس جداً، حيث يشهد قطاع غزة وقفاً هشاً لإطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، وتتطلع القوى الدولية نحو إطار عملي لإدارة القطاع المنكوب. ويبدو أن ترامب يسعى لاستغلال هذه الحاجة الملحة لفرض ‘مجلس السلام’ كبديل واقعي للمؤسسات الدولية التي تعاني من العجز، مستخدماً ورقة ‘إعادة الإعمار’ والأمن لجمع الأموال وتوزيع النفوذ.

دعوة قادة دول مهمة مثل فرنسا وألمانيا وكندا، بالإضافة إلى قوى إقليمية مثل مصر وتركيا، تشير إلى مساعي أمريكا لخلق تحالف ‘الراغبين والقادرين على الدفع’، متجاوزة بذلك البيروقراطية المعقدة للأمم المتحدة وحق النقض في مجلس الأمن.

في قراءة أعمق، لا يمكن فصل هذه المبادرة عن الرؤية الشخصية لترامب الذي سيتولى رئاسة المجلس في دورته الأولى، مما يمنحه سيطرة مركزية لم يسبق لها مثل في ملفات النزاع العالمي. فالهيكلية المقترحة التي تحدد العضوية بثلاث سنوات قابلة للتجديد ‘بقرار من الرئيس’، تجبر الدول الأعضاء على الالتزام دائماً برضا واشنطن، سواء سياسياً أو مالياً، لتجنب فقدان مقعدها.

هذا النموذج يحول الشراكة الاستراتيجية من علاقة ثابتة مبنية على القيم والمصالح المشتركة، إلى علاقة مؤقتة وشروطية تخضع للتقييم الدوري من قبل سيد البيت الأبيض.

يثير الحديث عن مبلغ ‘المليار دولار’ كشرط للعضوية أسئلة كثيرة حول مستقبل العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف. إذ إن تقرير ‘بلومبيرغ’، الذي استند إلى مصادر مطلعة، لم يكن من فراغ، بل يتماشى تماماً مع تصريحات سابقة لترامب دعى فيها حلفاء الناتو لدفع مستحقات الحماية، وحث دولاً أخرى على دفع ثمن الأمن الذي تقدمه أمريكا.

ورغم نفي الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض لوجود ‘تسعيرة ثابتة’، إلا أن الإشارات إلى تصريحات سابقة للمبعوث الخاص ستيف ويتكوف تؤكد أن الجانب المالي هو حجر الزاوية في تشكيل هذا المجلس، وأن ‘الالتزام العميق’ المطلوب ليس مجرد مواقف سياسية، بل مساهمات مادية ملموسة في صناديق يديرها المجلس.

التحدي الأكبر الذي يواجه حلفاء واشنطن هو التوفيق بين الانخراط في هذا المجلس والالتزامات تجاه القانون الدولي والمؤسسات الأممية. فمجلس السلام هذا يبدو مصمماً للالتفاف على الأمم المتحدة، والانخراط فيه قد يعني ضمناً الموافقة على تهميش الشرعية الدولية.

الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، ستواجه صعوبة في تبرير دفع أموال ضخمة لهيئة لا تخضع لرقابة دولية واضحة، ولا تضمن تمثيلاً عادلاً للأطراف المتنازعة، مما يجعل استجابتهم للدعوة اختباراً حقيقياً لمدى استقلاليتهم عن الهيمنة الأمريكية في ظل ترامب الثاني.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version