حذر يسود أسواق الخليج مع تعثر المحادثات بين أمريكا وإيران.. المستثمرون ينتظرون نتائج مفاوضات الدوحة – شاشوف


عادت أسواق المال الخليجية إلى التراجع بنهاية تعاملات الأحد بسبب ضبابية المفاوضات بين أمريكا وإيران، مما دفع المستثمرين لتقليص مراكزهم. ورغم الهدوء النسبي، فإن عدم تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات يثير المخاوف حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية. بينما تراجع المؤشر الرئيسي للسوق السعودية، تظهر مؤشرات اقتصادية أخرى، مثل نمو القطاع الخاص، مرونة اقتصادات الخليج. تترقب الأسواق تأثيرات جديدة من جولة المفاوضات المقبلة بعد جنازة خامنئي، وسط حساسية متزايدة تجاه المتغيرات السياسية.

الاقتصاد العربي |شاشوف

عادت أسواق المال الخليجية إلى المنطقة الحمراء في ختام تعاملات يوم الأحد، حيث قام المستثمرون بتقليص مراكزهم الاستثمارية في ظل استمرار الضبابية السياسية المحيطة بالمحادثات غير الرسمية بين أمريكا وإيران. تعتبر هذه المفاوضات أحد العناصر الرئيسة المؤثرة في مستقبل أمن الخليج وأسواق الطاقة والتجارة العالمية في الفترة المقبلة. أدت غياب أي تقدم ملحوظ نحو اتفاق دائم إلى إعادة المخاوف إلى نفوس المتعاملين، رغم الهدوء النسبي الذي ساد المنطقة في الأيام الأخيرة.

وفقًا لمتابعات شاشوف، جاء الأداء المتباين للأسواق نتيجة مباشرة لحالة الترقب التي تسود المؤسسات الاستثمارية العالمية. لا تزال نتائج جولة الدوحة الأخيرة دون المستوى المتوقع، حيث اقتصر النقاش على ملفات تم الاتفاق عليها مسبقًا ضمن التفاهم المؤقت الذي تم توقيعه قبل أسبوعين، دون إحراز تقدم في القضايا الأكثر تعقيدًا، مثل مستقبل الملاحة في مضيق هرمز والضمانات الأمنية وآليات تنفيذ التفاهمات السياسية.

تكتسب هذه المفاوضات أهمية خاصة لأن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، حسب تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية. كما يمثل الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 2.2 تريليون دولار وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي، مما يجعل أي توتر سياسي يؤثر بشكل مباشر على أسواق المال والطاقة والاستثمار في المنطقة.

المفاوضات السياسية تضغط على شهية المستثمرين

أظهرت جولة المباحثات غير المباشرة في الدوحة أن الطريق لا يزال طويلاً نحو التوصل إلى اتفاق دائم بين أمريكا وإيران، إذ انتهت الاجتماعات بدون أي تقدم جوهري. وأكد الوسطاء أن الملفات التي تم مناقشتها تركزت بشكل أساسي على قضايا تم التوافق بشأنها عند إعلان الاتفاق المؤقت، في حين تم تأجيل الملفات الأكثر جدلاً لجولات لاحقة.

كما أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن الجولة القادمة ستُعقد بعد انتهاء مراسم تشييع ودفن المرشد الإيراني علي خامنئي، مما يعني استمرار حالة الانتظار في الأيام المقبلة.

يرى المحللون المتابعة من شاشوف أن الأسواق المالية تتفاعل سريعًا مع درجة اليقين السياسي، لذا فإن غياب أي خارطة طريق واضحة نحو اتفاق نهائي يدفع المحافظ الاستثمارية إلى اتخاذ سياسات أكثر تحفظًا، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والمصارف والصناعات الثقيلة، التي تعتمد بشكل مباشر على استقرار البيئة الإقليمية واستمرار انسياب التجارة البحرية.

كما أن المستثمرين يراقبون عن كثب مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، إذ أن أي توتر جديد قد يعيد الضغوط على سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين البحري. تشير خبرة الأسواق في السنوات الماضية إلى أن أي تصعيد في الخليج يؤدي عادةً إلى زيادة علاوة المخاطر (Risk Premium)، وارتفاع الطلب على الذهب والسندات الحكومية والدولار، بينما يتراجع الإقبال على الأسهم، خصوصًا أسهم المصارف والبتروكيماويات والنقل والخدمات اللوجستية.

اقتصادات الخليج تبدي مرونة رغم تراجع الأسهم

على الرغم من الأداء السلبي لمعظم البورصات الخليجية، فإن المؤشرات الاقتصادية الأساسية لا تزال تعكس صورة أكثر توازنًا. في السعودية، تراجع المؤشر الرئيسي بنحو 0.3% متأثرًا بانخفاض سهم مصرف الراجحي، إلا أن بيانات القطاع الخاص غير النفطي أظهرت استمرار النشاط الاقتصادي وتحقيق أقوى نمو خلال شهر يونيو مدفوعًا بارتفاع الطلبات الجديدة إلى أعلى مستوياتها خلال أربعة أشهر، رغم الضغوط التكلفية وضعف الطلب على الصادرات.

تبرز أهمية السوق السعودية كونها أكبر سوق مالية في الشرق الأوسط بقيمة سوقية تزيد عن 9 تريليون ريال سعودي، مما يعني أن تحركات محدودة في المؤشر العام قد تؤدي إلى تغييرات بمليارات الريالات في القيمة السوقية للشركات المدرجة خلال جلسة واحدة.

أما السوق القطرية، فقد سجلت أداءً مخالفًا للاتجاه العام، حيث ارتفع مؤشرها بدعم من أسهم بنك قطر الوطني، في وقت أعلنت فيه طهران استئناف حركة التجارة البحرية مع قطر بعد توقف دام قرابة خمسة أشهر، مما يعكس بدء عودة جزء من النشاط التجاري الإقليمي بعد التفاهمات الأمنية الأخيرة، رغم أن حركة الملاحة لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية بالكامل.

أسواق النفط والتجارة الإقليمية في دائرة التأثير

بالمقابل، أنهت بورصات الكويت وسلطنة عمان والبحرين تعاملاتها بتراجعات طفيفة، بينما واصلت السوق المصرية أداءها الإيجابي مدعومة بارتفاع سهم البنك التجاري الدولي، بالتزامن مع بيانات أظهرت استمرار نمو المعروض النقدي في الاقتصاد المصري خلال مايو.

من جانب آخر، أشارت بيانات البنك المركزي المصري إلى ارتفاع المعروض النقدي (M2) بنسبة 19.6% على أساس سنوي ليصل إلى 15.33 تريليون جنيه مصري، مما يعكس استمرار توسع السيولة داخل القطاع المصرفي رغم التحديات الاقتصادية الإقليمية.

وفي مجال الطاقة، تترقب الأسواق أيضًا تأثير قرارات أوبك+ حسب متابعة شاشوف، حيث قرر التحالف زيادة الإنتاج اعتبارًا من أغسطس بنحو 188 ألف برميل يوميًا، بعد زيادات تراكمية تقترب من 800 ألف برميل يوميًا منذ أبريل، في محاولة لإعادة الإمدادات تدريجياً مع تحسن حركة الملاحة في الخليج وتراجع مخاطر الإمداد مقارنة بفترة النزاع الأخيرة.

تعكس تحركات أسواق الخليج أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى المؤشرات الاقتصادية بشكل منفصل عن التطورات السياسية، بل أصبحت المفاوضات بين أمريكا وإيران تحظى بأهمية كبيرة في تحديد اتجاهات الاستثمار في المنطقة. فكل تقدم دبلوماسي ينعكس سريعًا على شهية المخاطرة، بينما يؤدي أي تعثر إلى عودة الحذر وزيادة مستويات التقلب، رغم استمرار قوة عدد من اقتصادات الخليج.

خلال الفترة المقبلة، ستظل أنظار الأسواق معلقة على الجولة الجديدة من المفاوضات المنتظرة بعد انتهاء مراسم الدفن لعلي خامنئي، كعلامة قد تحدد مسار المرحلة التالية، ليس فقط بالنسبة للعلاقات بين واشنطن وطهران بل أيضًا لمستقبل أسواق الطاقة، وحركة التجارة عبر مضيق هرمز، وأداء البورصات الخليجية التي أصبحت أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه المتغيرات الجيوسياسية.