حتى بعد التوصل لاتفاق: تجربة هرمز تُعيد تشكيل المشهد التجاري للشرق الأوسط – بقلم شاشوف
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تغييرات جذرية في التجارة وسلاسل الإمداد في الشرق الأوسط، مما دفع الشركات والهيئات الحكومية للبحث عن بدائل لنقل البضائع. رغم قرب تنفيذ اتفاق إعادة فتح المضيق، فإن الحلول اللوجستية الجديدة، مثل الطرق البرية بين السعودية ودول الخليج، قد تستمر. المملكة العربية السعودية استفادت بشكل كبير من هذا التحول، مع زيادة ملحوظة في حركة الشاحنات وارتفاع أسعار الشحن. كما أظهرت الأزمة أهمية تطوير البنية التحتية اللوجستية. والدرس المستفاد هو أن المرونة في سلاسل الإمداد أصبحت ضرورة استراتيجية لتعزيز الأمن التجاري في المنطقة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تغييرات جذرية في حركة التجارة وسلاسل الإمداد في الشرق الأوسط، مما دفع الشركات والحكومات للبحث عن بدائل دائمة لهذا الممر البحري الحيوي الذي كان شريان التجارة العالمية لعقود. بينما تقترب عملية إعادة فتح المضيق من التنفيذ، تشير الأحداث الأخيرة إلى أن العديد من الحلول اللوجستية التي نشأت تحت ضغط الأزمة قد تستمر حتى بعد استئناف الملاحة البحرية.
قبل عام من الأزمة الأخيرة، أعدت شركة “سيمنز إنرجي” الألمانية دراسة تفصيلية حول مسار بري بديل يربط ميناء جدة على البحر الأحمر بمدينة الدمام في شرق السعودية، عبر مسافة تقارب ألفي كيلومتر. وجاءت تلك الدراسة لتقييم إمكانية نقل التوربينات العملاقة بالشاحنات في حال تعطل الملاحة عبر هرمز.
ومع اندلاع الحرب وإغلاق المضيق، تحولت هذه الخطط إلى واقع عملي، حيث اضطرت الشركات إلى إعادة توجيه سلاسل الإمداد لضمان استمرارية عملياتها، رغم الزيادة في التكاليف وزيادة مدة النقل. أدى تعطل الملاحة البحرية إلى بروز شبكات النقل البري الممتدة عبر السعودية والإمارات وسلطنة عُمان كبديل رئيسي لنقل السلع الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية والمنتجات الصناعية.
رغم أن هذه المسارات لا تستطيع تعويض الطاقة الاستيعابية الكبيرة للشحن البحري، فإنها ساهمت في التخفيف من آثار الأزمة. فقد اعتمدت سلسلة متاجر “سبينس” على مسار بري جديد لنقل البضائع من المملكة المتحدة إلى الإمارات عبر رحلة تصل إلى 5 آلاف كيلومتر، بينما فعّلت “موانئ دبي العالمية” شبكة طرق تربط الخليج بتركيا والعراق لتعويض تراجع حركة الشحن عبر جبل علي.
الحذر مستمر حتى بعد إعادة فتح المضيق
رغم الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقت لإعادة فتح هرمز، يعتقد خبراء الشحن أن الشركات لن تعود سريعاً للاعتماد الكامل على المسارات التقليدية، فالمخاطر الجيوسياسية التي كشفتها الأزمة دفعت الشركات لتبني استراتيجيات أكثر تنوعاً، مع الاعتماد على الجسور البرية والموانئ البديلة كوسائل دائمة لتقليل المخاطر المستقبلية.
بعض الشركات بدأت بالفعل في ترسيخ هذه التغييرات، حيث تخطط “سبينس” لمواصلة استخدام النقل البري لبعض المنتجات الأوروبية حتى بعد استئناف الملاحة البحرية بشكل كامل.
دفعت الأزمة الإمارات إلى تسريع تطوير بنيتها اللوجستية خارج الخليج العربي، حيث أعلنت شركة “غلفتينر” المشغلة لميناء خورفكان عن خطط لربط الموانئ الجافة على الساحل الشرقي بمراكز التخزين والتوزيع قرب دبي، بهدف إنشاء ممر لوجستي متكامل يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
كما رفعت الشركة عدد بوابات الشاحنات إلى تسع، وارتفعت حركة النقل إلى نحو 7 آلاف شاحنة يومياً مقارنة بنحو 100 شاحنة فقط قبل الحرب، مما يعكس التحول الكبير نحو النقل البري. في الوقت نفسه، زادت الضغوط على المستودعات الجمركية ومرافق التخزين مع إعادة توجيه البضائع إلى موانئ أصغر في المنطقة، مما أدى إلى امتلاء السعات التخزينية بسرعة.
السعودية أكبر المستفيدين
ظهرت السعودية كواحدة من أكبر المستفيدين من تغيير مسارات التجارة الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط البحر الأحمر بالخليج العربي. ووفق تقارير شاشوف، تشهد الطرق البرية بين جدة والرياض ودبي حركة نشطة لآلاف الشاحنات يومياً، بينما زادت أهمية مشاريع السكك الحديدية الاستراتيجية، وعلى رأسها مشروع “الجسر البري السعودي” الذي يهدف إلى ربط جدة بالرياض بطول يقارب 966 كيلومتراً.
كما عززت الأزمة أهمية استراتيجية النقل والخدمات اللوجستية التي أطلقتها السعودية عام 2021، والتي تهدف إلى توسيع شبكات السكك الحديدية وتحويل المملكة إلى مركز محوري للتجارة والنقل. وقد أدت الطفرة في الطلب على النقل البري إلى زيادة أسعار الشحن بالشاحنات داخل السعودية بنحو 40% منذ بداية الأزمة، وفق شركات متخصصة في الخدمات اللوجستية.
تشهد الشاحنات في ميناء جدة فترات انتظار تتراوح بين أربعة وخمسة أيام نتيجة الازدحام الكبير، مما يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له البنية التحتية اللوجستية خلال الأشهر الماضية. ويعتقد الخبراء أن استمرار النمو في حركة النقل البري يتطلب استثمارات إضافية في البنية التحتية، بجانب تسهيل إجراءات عبور الحدود وتسريع إصدار التأشيرات للسائقين وتقليل الحواجز التجارية بين دول المنطقة.
جبل علي يحافظ على مكانته رغم الضغوط
على الرغم من تراجع حركة الملاحة البحرية، تمكن ميناء جبل علي من الحفاظ على جزء كبير من نشاطه بفضل شبكة “موانئ دبي العالمية” التي تضم أكثر من 60 ميناء ومحطة حول العالم.
منذ بداية الحرب، نقلت الشركة نحو 300 ألف حاوية عبر الشبكات البرية والبديلة، كما استقطبت المنطقة الحرة في جبل علي استثمارات جديدة بقيمة 854 مليون درهم (232.5 مليون دولار) خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2026، حيث ذهب 43% منها إلى شهري مارس وأبريل، في ذروة الأزمة.
لكن الانخفاض في حركة السفن مقارنة بالمستويات الطبيعية يتيح الفرصة لمراكز لوجستية منافسة في المنطقة للاستفادة من التغيرات الحالية في خريطة التجارة.
منظومة تجارية أخرى
أظهرت تجربة هرمز أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من التفكير في الأمن اللوجستي وسلاسل الإمداد، حيث دفعت الأزمة الشركات للبحث عن بدائل مؤقتة، وأعطت دفعة للاستثمارات الضخمة في الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ البديلة، مما قد يؤدي إلى تحسينات في شبكة نقل إقليمية أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على الممرات البحرية الحساسة.
بينما تنتظر الأسواق استعادة الملاحة الطبيعية عبر المضيق، يبدو أن الدرس الأهم من الأزمة هو أن المرونة اللوجستية أصبحت ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار احتياطي.