تقرير: انسحاب الإمارات من ‘أوبك’ يكشف عن انقسامات عميقة مع السعودية – شاشوف


قرار الإمارات بالانسحاب من ‘أوبك’ وتحالف ‘أوبك+’ يكشف توترات امتدت طويلاً مع السعودية، مما يشير إلى قطيعة استراتيجية أكبر من مجرد خلاف حول حصص الإنتاج. تسعى الإمارات إلى تعزيز استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ما يعكس تفكك العلاقة بين قيادتي البلدين. الخطوة جاءت نتيجة للخلافات حول قضايا إقليمية مثل اليمن، وتزايد التهديدات الإيرانية. الإمارات تعتبر أن أنظمة الحصص لم تعد مناسبة لواقع غير مستقر، وتخطط لتستعيد نفوذها في سوق الطاقة. الانسحاب يمثل مرحلة جديدة من التنافس بين البلدين، وخاصة في ظل الظروف الجيوسياسية المتغيرة.

الاقتصاد العربي | شاشوف

أدى قرار الإمارات بالانسحاب من منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” وتحالف “أوبك+” إلى ظهور خلافات طويلة الأمد مع السعودية إلى السطح، في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز بكثير مجرد نزاع تقني حول حصص الإنتاج، لتصل إلى درجة القطيعة الاستراتيجية مع نظام إدارة سوق النفط الذي تقوده الرياض، وفق تحليل حديث لوكالة “رويترز” اطلع عليه “شاشوف”.

ويرى محللون وخبراء إقليميون أن هذه الخطوة الإماراتية تعبر عن شرخ أعمق في العلاقات الثنائية، حيث تسعى أبوظبي إلى تعزيز استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي، وتستخدم النفط كأداة سيادية للتعبير عن هذا التوجه، في مقابل ما تعتبره “إملاءات” من الرياض.

ولا يقتصر هذا التباعد على الملفات الاقتصادية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى العلاقة الشخصية والاستراتيجية بين رئيس الإمارات محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وفي هذا الإطار، اعتبر الباحث فواز جرجس من “كلية لندن للاقتصاد” أن ما يحدث يمثل “انقساماً أكثر خطورة مما يُعتقد”، مضيفاً أن المشهد الحالي يعكس “نوعاً من الانفصال بين أقوى زعيمين في الخليج”.

تتويج لانفصال استراتيجي طويل

بحسب مصادر خليجية مطلعة نقلت عنها رويترز، فإن قرار الانسحاب يشكل ذروة مسار طويل من التباعد الاستراتيجي عن القيادة السعودية في سياسات الطاقة، مدفوعاً بتراكم خلافات حول قضايا إقليمية مثل اليمن والسودان، بالإضافة إلى تباينات في الرؤى بشأن مستقبل النظام الخليجي.

وترى هذه المصادر أن الإمارات، من خلال هذه الخطوة، تسعى إلى تحقيق سيطرة مباشرة على كيفية استغلال طاقتها الإنتاجية الفائضة، بعيداً عن القيود التي تفرضها منظومة الحصص داخل “أوبك”، مما يعني عملياً التخلي عن فرضية ارتباط سياسات الطاقة الخليجية بالقرار السعودي.

من جانبه، وصف السياسي الإماراتي عبدالخالق عبدالله هذه المرحلة بأنها تعبير عن “الإمارات الجديدة الأكثر حزماً” كما قال، موضحاً أن هذا التحول ناتج عن تفاعل عاملين: تداعيات الحرب الإقليمية، وإعادة تقييم شاملة للمصالح الإماراتية.

وأضاف أن “أوبك” اليوم لم تعد كما كانت عندما انضمت إليها الإمارات قبل نحو ستة عقود، مشيراً إلى أن القرار بات يُدار فعلياً من قبل كبار المنتجين، وعلى رأسهم السعودية وروسيا، اللتين “تمليان القرارات بما يخدم مصالحهما الخاصة”.

تزامن القرار مع تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي زادت من حدة التوتر في المنطقة، حيث استهدفت طهران دولاً خليجية تستضيف قواعد أمريكية، وأدى الإغلاق شبه الكامل لـ”مضيق هرمز” إلى تهديد أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم.

وفقا لمصادر قراءة شاشوف، تشير هذه التطورات إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية على الإمارات، مما عزز دوافعها للتحرر من قيود الإنتاج التي تفرضها “أوبك”، خصوصاً في ظل مخاطر اضطراب الإمدادات.

وفي هذا السياق، ذكرت إبتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن أنظمة الحصص الصارمة أصبحت غير متناسبة مع واقع إقليمي يتسم بعدم الاستقرار وتهديد تدفقات الطاقة، مشددةً على أن أبوظبي ترسل رسالة واضحة بأنها لن “ترتهن” لقرارات السعودية، معتبرة أن ما يجري لا يمثل خروجاً من سوق النفط العالمي، بل “إعادة تموضع” للإمارات كأحد مهندسي هذا السوق.

مراجعة لا قطيعة شاملة

رداً على الأسئلة، نفت وزارة الخارجية الإماراتية بعض الطروحات الواردة، مؤكدة أن قرار الانسحاب جاء بعد مراجعة دقيقة للسياسات الإنتاجية والقدرات الحالية والمستقبلية، وأنه يستند إلى المصالح الوطنية مع الالتزام بالمساهمة في تلبية احتياجات السوق العالمية.

كما أشار مسؤول إماراتي إلى أن القمة الخليجية الاستثنائية التي عُقدت في السعودية لمناقشة الأزمة الإقليمية تمثل “خطوة أولى جيدة”، لكنه أكد أن الوضع لا يزال يتطلب مزيداً من الجهود في ظل حالة عدم الاستقرار.

وأضاف أن بلاده تراجع حالياً “أهمية وجدوى” دورها في المنظمات متعددة الأطراف، مع تأكيده أنها لا تفكر في انسحابات إضافية، مشيراً إلى تقارير تابعها شاشوف تتعلق باحتمال خروجها من “جامعة الدول العربية”.

إعادة تشكيل التحالفات

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، برز البعد الأمني كعامل حاسم في الحسابات الإماراتية، حيث انتقد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أداء الحلفاء الخليجيين في التصدي للهجمات الإيرانية، واصفاً ردودهم بأنها “الأضعف تاريخياً”.

في الجانب الآخر، أشار المفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر إلى أن الإمارات باتت ترى أمنها معتمداً بشكل رئيسي على شراكتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين قدمتا دعماً مباشراً، بما في ذلك تزويدها بأنظمة دفاع جوي وصواريخ اعتراضية.

تاريخياً، كانت العلاقات الإماراتية السعودية تتمتع بتنسيق وثيق، خاصة بعد انتفاضات عام 2011، عندما تحرك البلدان لمواجهة التيارات الإسلامية، لكن هذا التوافق كان يخفي تبايناً بنيوياً في الرؤى، إذ رأت السعودية نفسها مركز الثقل الطبيعي في الخليج، بينما سعت الإمارات إلى بناء نموذج مرن من النفوذ قائم على الموانئ والتجارة والتمويل.

مع تراجع الضغوط الإقليمية، بدأت هذه التباينات بالظهور، مما حول العلاقة من انسجام إلى مسارين متوازيين، ثم إلى تنافس واضح.

وقد تجلى هذا الانقسام في عدة ساحات، أبرزها اليمن، حيث دعمت السعودية رشاد العليمي رئيس المجلس الرئاسي بينما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتبنى انفصال الجنوب، لتعزيز النفوذ الإماراتي البحري، قبل أن تتعرض الإمارات للضغط للانسحاب من اليمن. كما ظهر التباين في السودان، حيث دعم كل طرف معسكر مختلف في الحرب الأهلية.

في السنوات الأخيرة، انتقل التنافس إلى المجالات الاقتصادية والطاقة، وخاصة مع إطلاق السعودية “رؤية 2030” التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، مما أدى إلى احتدام التنافس على الاستثمارات والخدمات اللوجستية والريادة الإقليمية.

كما ظهر التباين في ملف العلاقات مع إسرائيل، إذ بادرت الإمارات إلى التطبيع عبر “اتفاقيات إبراهيم” وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، في حين اعتمدت السعودية نهجًا أكثر حذراً، تحكمه اعتبارات داخلية ودينية وجيوسياسية، كما تقول رويترز.

ويعكس خروج الإمارات من أوبك تحولاً أوسع في بنية النظام الإقليمي الخليجي، حيث تتجه أبوظبي إلى تقديم نفسها كفاعل مستقل ومؤثر في سوق الطاقة العالمي، في وقت تتآكل فيه أنماط القيادة التقليدية وتُعاد صياغة التحالفات تحت ضغط الأزمات الجيوسياسية المتسارعة.