تصاعد التوتر حول غرينلاند: بين سياسة ترامب و’السلاح النووي’ الأوروبي.. العالم يواجه خطر الحرب التجارية – شاشوف

تصاعد التوتر حول غرينلاند بين سياسة ترامب والسلاح النووي الأوروبي


الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متمسك برغبته في شراء غرينلاند، متجاهلاً رفض أوروبا ومتوقعًا ضعف المعارضة من الاتحاد الأوروبي. يأتي هذا الاستفزاز مع تهديدات اقتصادية، مما يهدد بصدام تجاري واستراتيجي. قادة أوروبا، أبرزهم ماكرون، يستعدون باستخدام أداة مكافحة الإكراه لمواجهة الضغوط الأمريكية. التصعيد لم يقتصر على غرينلاند فقط، بل شمل تهديدات بفرض رسوم 200% على النبيذ الفرنسي، مما زاد القلق من تأسيس كيان بديل للأمم المتحدة. في ظل هذا التوتر، يعد وزير الخزانة الأمريكي بيسنت بتخفيف حدة التصريحات، بينما يظل الاقتصاد العالمي هشًا ويحتاج إلى حلول جذرية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصمماً على الحصول على جزيرة غرينلاند، حيث أعرب مجدداً عن رغبته الجازمة في ذلك، متجاهلاً الرفض الأوروبي ومتوقعاً -بشكل استفزازي لأوروبا- غياب معارضة قوية من قبل الاتحاد الأوروبي. جاءت هذه الاستفزازات مرفقة بتهديدات اقتصادية مباشرة، مما نقل القضية من النقاش السياسي إلى ساحة الصدام التجاري والاستراتيجي.

صرّح ترامب بأن أوروبا ‘غير قادرة على حمايتنا’، مما يكشف عن توجه أمني توسعي يربط الجغرافيا بالردع العسكري والنفوذ العالمي، ويضع غرينلاند في قلب معادلة الأمن الأمريكي في القطب الشمالي، خصوصاً في ظل التنافس المتزايد مع روسيا والصين على الممرات القطبية والموارد الطبيعية.

لكن تصريحات ترامب واجهت رداً قاسياً من زعماء أوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي لم يكتفِ بالرفض السياسي بل أشار إلى إمكانية استخدام أقوى أدوات الرد التجاري داخل الاتحاد الأوروبي، وهي أداة مكافحة الإكراه (ACI)، والتي تُعتبر ‘الخيار النووي’ في الترسانة التجارية الأوروبية.

وفقاً لما أوردته مرصد “شاشوف”، تتيح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي الرد على الضغوط الخارجية عبر فرض تعريفة جمركية مضادة، وتقييد الاستثمارات، ومنع الشركات المستهدفة من العمل داخل السوق الأوروبية.

رغم أن هذه الأداة لم تُستخدم سابقاً، فإن جدية الموقف تكمن في أن النزاع يمس سيادة دولة عضو هي الدنمارك، مما يجعل اللجوء إلى إجراءات أكثر صرامة احتمالاً قائماً، حتى وإن كان يرتبط بمخاطر اقتصادية، مثل ارتفاع التضخم وإضعاف النمو الأوروبي.

تعتزم دول الاتحاد الأوروبي الاجتماع يوم الخميس المقبل، 22 يناير، لمناقشة كيفية الرد على التهديدات التي أطلقها ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة المرتبطة بقضية غرينلاند، وتمثل أداة مكافحة الإكراه إحدى الطرق التي تُختبر حالياً.

كان ترامب قد تعهد يوم السبت، 17 يناير، بفرض سلسلة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الواردات من الحلفاء الأوروبيين حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، مما أدى إلى تصعيد النزاع.

إذا تم تنفيذ هذا الإجراء ضد الولايات المتحدة، فمن الممكن أن تكون شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى among المستهدفين بسبب التأثير المالي وقُرب العديد من المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا من إدارة ترامب.

أيضاً، أعلنت فرنسا اليوم الثلاثاء دعمها لتعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حسبما أفادت به رويترز، مع تصاعد الخلاف حول مستقبل الجزيرة.

الرسوم كسلاح سياسي.. 200% على فرنسا

لم يقتصر التصعيد على غرينلاند، بل امتد ليشمل مشروع ‘مجلس السلام’ الذي يروج له ترامب، حيث هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية في حال استمر رفض ماكرون الانضمام إلى المجلس. وأشار ترامب إلى أن ‘لا أحد يريد ماكرون لأنه سيغادر منصبه قريباً جداً’.

الأخطر هنا ليس التهديد الجمركي بحد ذاته، بل طبيعة المجلس المقترح، الذي تشترط الإدارة الأمريكية للعضوية الدائمة فيه مساهمة مالية لا تقل عن ‘مليار دولار’، مع منح ترامب صلاحيات واسعة تشمل رئاسة الدورة الأولى والنظر في قرارات العضوية.

أثار هذا النموذج القلق الأوروبي والدولي من إمكانية أن يكون المجلس محاولة لإنشاء كيان موازٍ أو بديل للأمم المتحدة، خارج الأطر التقليدية للشرعية الدولية.

جاء رفض فرنسا من منطلق تمسكها بمبادئ الأمم المتحدة وعدم قابلتها للتفاوض، بينما وُجهت دعوات لعدد من الزعماء، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الأرجنتين، ورئيس وزراء كندا، مما زاد من الغموض حول طبيعة المجلس وأهدافه الحقيقية.

بيسنت: تهدئة مالية وسط عاصفة سياسية

في مقابل لهجة ترامب التصعيدية، ظهر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بدور المهدئ، داعياً إلى التريث و’أخذ نفس عميق’، ومقللاً من شأن التهديدات الأوروبية.

وصف بيسنت هذه السيناريوهات بأنها ‘سردية زائفة’، مؤكداً أن أوروبا تمتلك تريليونات الدولارات من الأصول الأمريكية، وأن تسليح الحيازات سيشكل تصعيداً خطيراً قد يحول حرباً تجارية بطيئة إلى مواجهة مالية مباشرة تهز أسواق رأس المال العالمية.

مع تأكيد الالتزام الأمريكي بحلف الناتو، أقرّ في الوقت ذاته بإمكانية الاختلاف حول مستقبل غرينلاند، مما يعكس حجم الشرخ السياسي القائم عبر المحيط الأطلسي.

جاءت كل هذه التطورات بالتزامن مع عقد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، الذي بدا في دورته الأخيرة أشبه بغرفة طوارئ دولية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على الطاقة والغذاء، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط وضغطه على سلاسل الإمداد، والعودة إلى النزعة الحمائية والحروب التجارية، وانخفاض الثقة في النظام الاقتصادي العالمي.

يمكن قراءة المشهد العالمي اقتصادياً على أنه يمثل ‘أرضاً هشة’، حيث إن التضخم تراجع نسبياً، لكن أسعار الفائدة المرتفعة ما زالت تكبح الاستثمارات، وسلاسل الإمداد لم تتعافَ بالكامل، مما يُهدد فكرة السوق العالمية المفتوحة.

يمكن تلخيص المشهد بأنه لم يعد نزاعاً جغرافياً بل تحول إلى عرض مكثف لأزمة أعمق تضرب النظام الدولي، حيث تسييس التجارة، وتآكل المؤسسات متعددة الأطراف، وعودة منطق القوة الاقتصادية كأداة ابتزاز سياسي.

يستخدم ترامب الرسوم الجمركية كوسيلة ضغط شاملة، بينما تحاول أوروبا الموازنة بين الدفاع عن سيادتها وتجنب حرب اقتصادية شاملة، وفي الخلفية يقف الاقتصاد العالمي هشاً، ينتظر قرارات شجاعة تتجاوز الخطابات، مما يجعل دافوس مساحة للحوار الضروري ولكنه غير كافٍ، في عالم يزداد قلقاً واضطراباً.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version