ترامب يقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا تمامًا ومدريد تظل ثابتة على موقفها.. ما الذي أدى إلى هذا التصعيد؟ – شاشوف


تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإسبانيا بعد إعلان ترامب إنهاء التعامل التجاري معها بسبب عدم التزامها بأهداف الناتو ورفضها المشاركة في الحرب على إيران. ردت إسبانيا بهدوء، مشيرة إلى دعم الاتحاد الأوروبي وقوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. تأكيد مدريد على أن السياسة التجارية تدار على المستوى الأوروبي يجعل أي عقوبات أمريكية صعبة التنفيذ. رغم التهديدات، استمرت التجارة بين الطرفين بشكل طبيعي، مما يثير تساؤلات حول قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ تهديداتها. الخلافات تتجاوز الإنفاق الدفاعي إلى استقلالية القرار السياسي الإسباني، مع التأكيد على القوة القانونية للوحدة الأوروبية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

ارتفعت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإسبانيا إلى مستوى غير مسبوق، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء التجارة مع مدريد، متهمًا إياها بعدم الالتزام بأهداف حلف شمال الأطلسي “الناتو” ومعاقبًا على موقفها الرافض للمشاركة في النزاع مع إيران.

تميز الرد الإسباني بالهدوء والثقة، مدعومًا بالحماية القانونية التي يوفرها الاتحاد الأوروبي وتشابك المصالح الاقتصادية بين الطرفين، مما جعل تهديدات ترامب تبدو أكثر تعقيدًا من كونها قراراً رئاسياً قابلاً للتنفيذ.

يتزامن هذا التصعيد مع إعلان ترامب أن مذكرة التفاهم المتعلقة بوقف النزاع مع إيران “انتهت”، مما يشير إلى تحول السياسة الأمريكية نحو موقف أكثر تشددًا على جبهتين؛ الأولى ضد طهران من خلال استئناف الضربات والعقوبات، والثانية ضد أحد أبرز حلفائها الأوروبيين بسبب خلافات حول الإنفاق الدفاعي والسياسات الخارجية.

ترامب يصعّد ضد مدريد للمرة الثانية

خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، أعلن ترامب أنه أعطى أوامر مباشرة إلى وزير الخزانة سكوت بيسنت بوقف جميع أشكال التجارة مع إسبانيا وفقًا لمتابعة شاشوف. وادعى أنه لا يرغب في “أي تعامل تجاري” معها، واصفًا إياها بأنها “شريك سيء” داخل الحلف، مؤكدًا أن القرار يجب أن يُنفذ “فوراً” بدون أي مفاوضات.

يعتبر هذا التصعيد الثاني خلال فترة أربعة أشهر، حيث أصدر ترامب توجيهات مماثلة في مارس الماضي احتجاجًا على رفض مدريد الالتزام بالهدف الجديد للحلف القاضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى رفضها السماح باستخدام مجالها الجوي والقواعد العسكرية المشتركة في العمليات الأمريكية ضد إيران.

رغم التهديدات السابقة، استمرت التجارة بين البلدين بشكل طبيعي، مما يثير تساؤلات حول قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ تهديداتها الجديدة.

رفضت إسبانيا المشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية، كما امتنعت عن السماح باستخدام قواعدها ومجالها الجوي في الهجمات على إيران، رغم وجود قاعدتين عسكريتين رئيسيتين تديرهما واشنطن ومدريد بشكل مشترك في جنوب إسبانيا لدعم العمليات البحرية والجوية.

يشير تكرار انتقادات ترامب لهذا الموقف إلى أن الإدارة الأمريكية تعتبر مدريد حليفًا لا يتماشى مع أولوياتها الأمنية في الشرق الأوسط، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى ربط الملفين العسكري والتجاري في سياق واحد.

رد إسباني هادئ.. وثقة في الموقف القانوني

بخلاف اللهجة الحادة من الجانب الأمريكي، جاء الرد الإسباني هادئًا وثابتًا، حيث أكد مكتب رئيس الوزراء بيدرو سانتشيث أن تصريحات ترامب لم تكن مفاجئة، وأن الحكومة لا تعتزم تغيير العلاقات “الممتازة” مع الولايات المتحدة.

أوضحت مدريد أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تعتمد أساسًا على نشاط الشركات الخاصة، وليس على اتفاقات حكومية مباشرة، كما أشارت إلى أن إسبانيا تعاني من عجز تجاري مع الولايات المتحدة، مما يعني أن الميزان التجاري بالفعل في صالح الاقتصاد الأمريكي.

لكن الأهم في الرد الإسباني كان التأكيد على أن واشنطن لا تستطيع قانونيًا استهداف إسبانيا وحدها تجاريًا، لأن السياسة التجارية الخارجية تُدار من قبل الاتحاد الأوروبي، والذي يشكل اتحادًا جمركيًا وسوقًا موحدة، وبالتالي ينبغي أن تتم أي مفاوضات أو عقوبات تجارية مع بروكسل وليس مع مدريد بشكل منفصل.

تكمن قوة الموقف الإسباني في أن مدريد لا تواجه واشنطن بمفردها، بل تتحرك ضمن الإطار القانوني للاتحاد الأوروبي، الذي يحتكر إدارة السياسة التجارية لجميع الدول الأعضاء.

لذا، ترى الحكومة الإسبانية أن أي محاولة أمريكية لفرض حظر تجاري عليها ستصطدم بالقوانين الأوروبية التي تمنع التفاوض التجاري مع دولة عضو بشكل منفصل عن بقية الدول.

كما أعلن المفوض الأوروبي في مواجهة سابقة مع إدارة ترامب في مارس الماضي، أنه مستعد لحماية مصالح إسبانيا على اعتبار أن أي استهداف لدولة عضو يمثل استهدافًا للتكتل الأوروبي بأكمله، مما يمنح مدريد غطاءً سياسيًا وقانونيًا يصعب تجاوزه.

هل يستطيع ترامب تنفيذ المقاطعة؟

على الرغم من الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس الأمريكي في المجال التجاري، إلا أن تطبيق حظر شامل على التجارة مع إسبانيا يواجه تحديات قانونية وسياسية كبيرة.

بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، يمكن للرئيس فرض قيود اقتصادية واسعة، لكن ذلك يتطلب إعلان حالة طوارئ وطنية وإثبات أن الدولة المستهدفة تشكل ‘تهديدًا غير عادي أو استثنائي’ للأمن القومي أو الاقتصاد أو السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

يعتقد خبراء قانونيون أن الخلاف حول الإنفاق الدفاعي مع إسبانيا لا يصل إلى هذا المستوى، مما يجعل استخدام هذا القانون موضع جدل قانوني كبير.

كما أن الاستخدام السابق لهذا القانون اقتصر على دول مثل إيران وسوريا والعراق والسودان، وهي حالات ارتبطت بعقوبات أمنية أو نزاعات مسلحة، وليس بخلافات داخل تحالف عسكري مثل الناتو.

إذا تعذر فرض حظر شامل، تملك الإدارة الأمريكية أدوات أخرى أقل تطرفًا، مثل فرض رسوم أو قيود على قطاعات محددة.

بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة، يمكن فرض رسوم على منتجات تُعتبر مؤثرة على الأمن القومي، كما تسمح المادة 301 من قانون التجارة بفرض عقوبات على الدول التي تتبع سياسات تجارية غير عادلة.

سبق لإدارة ترامب السابقة أن استخدمت أدوات مماثلة ضد صادرات الزيتون الأسود الإسباني، مما أدى إلى تراجع حصة إسبانيا في السوق الأمريكية بشكل كبير، قبل تدخل منظمة التجارة العالمية للمطالبة بتعديل تلك الإجراءات.

المصالح الاقتصادية تحد من التصعيد

تشير البيانات الاقتصادية إلى أن العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين أعمق بكثير من الخطاب السياسي المتبادل. فقد صدرت الولايات المتحدة إلى إسبانيا بضائع بقيمة 26.6 مليار دولار خلال عام 2025، بينما كانت الواردات الأمريكية من إسبانيا نحو 21.35 مليار دولار، مما يعني أن الميزان التجاري يميل لصالح واشنطن.

تُعتبر الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا، حيث تجاوزت استثماراتها 116 مليار يورو، مما يوفر حوالي 200 ألف فرصة عمل، بينما استثمرت الشركات الإسبانية نحو 97.2 مليار يورو داخل الولايات المتحدة، مما يجعل السوق الأمريكية الوجهة الرئيسية لاستثماراتها الخارجية.

تشير هذه الأرقام إلى أن أي تصعيد تجاري واسع سيكون له تكلفة اقتصادية متبادلة، مما يفسر تردد الكثير من المراقبين في استبعاد تنفيذ تهديدات ترامب بشكل كامل.

دلالات المشهد

في ظل هذا التصعيد، سعى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته لتخفيف حدة الخلاف، مشيرًا إلى أن إسبانيا حققت “تقدمًا كبيرًا” بعدما رفعت إنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع الاعتراف بأن هناك قضايا لا تزال بحاجة إلى معالجة داخل الحلف.

غير أن تصريحات ترامب ألقت بظلالها على القمة التي كان يُفترض أن تركز على وحدة الحلف ودعم أوكرانيا، لتحوّل مجددًا إلى ساحة خلافات بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين.

الازمة الحالية تكشف أن الخلاف بين الولايات المتحدة وإسبانيا تجاوز حدود الإنفاق الدفاعي، ليصبح مرتبطًا أيضًا باستقلالية القرار السياسي الإسباني، سواء في ما يتعلق برفض الانخراط في الحرب ضد إيران أو عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية داخل حلف الناتو.

في المقابل، يُظهر الموقف الإسباني قدرًا كبيرًا من الثبات، إذ لم تلجأ مدريد إلى التصعيد اللفظي، ولم تبد أي استعداد لتغيير سياساتها، مستندة إلى قوة المظلة الأوروبية، وإلى حقيقة أن السياسة التجارية ليست شأناً وطنيًا يمكن لواشنطن التعامل معه بشكل منفرد.

تشير التجارب السابقة، حين لم تُنفذ تهديدات مشابهة في مارس، إلى أن قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل تصريحاتها إلى إجراءات عملية تبقى محدودة، سواء بسبب القيود القانونية الأمريكية أو بسبب الالتزامات تجاه الاتحاد الأوروبي وترابط المصالح الاقتصادية بين الطرفين.