تخفيف العقوبات الأمريكية على سوريا: خطوة سياسية تمهّد لتطبيع مشروط – بقلم شاشوف

تخفيف العقوبات الأمريكية على سوريا خطوة سياسية تمهّد لتطبيع مشروط


أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن تعديل العقوبات المفروضة على سوريا منذ 2004، حيث ألغت حالة الطوارئ الوطنية ولكنها أبقت تصنيف سوريا كـ’دولة راعية للإرهاب’. هذا التوجه يظهر ازدواجية في السياسة الأمريكية، حيث تُمارس ضغوطًا استراتيجية رغم بعض التخفيف الاقتصادي. العقوبات بدأت عام 1979 واستهدفت عدة قطاعات، وازدادت شمولاً بعد عام 2011 مع قانون قيصر. تأتي اللقاءات السياسية بين سوريا والوفود الأمريكية والإسرائيلية ضمن سياق الترتيبات الجديدة، حيث يُنظر إليها كصفقة تربط التعافي الاقتصادي بالتطبيع مع إسرائيل، مما يحد من استقلال القرار السوري.

الاقتصاد العربي | شاشوف

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، اليوم الاثنين، عن رفع الإطار القانوني للعقوبات المفروضة على سوريا منذ عام 2004، وذلك بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً في 30 يونيو الماضي، والذي دخل حيز التنفيذ مطلع يوليو.

القرار المنشور اليوم الإثنين على موقع وزارة الخزانة الأمريكية ألغى حالة الطوارئ الوطنية وخمسة أوامر تنفيذية كانت تشكل أساس برنامج العقوبات وفق اطلاع مرصد شاشوف. ومع ذلك، لم يُلغ تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” الذي فرض منذ عام 1979، والذي لا يزال يفرض قيوداً على المساعدات الأمريكية ويمنع تصدير الأسلحة.

يعكس هذا التناقض أن التسهيلات الاقتصادية ما تزال مقيدة بشروط سياسية صارمة، وأن واشنطن تتبع استراتيجية مزدوجة بين رفع الحظر جزئياً والاستمرار في استخدام عناصر الضغط الاستراتيجي.

تسلسل زمني: ما هي العقوبات؟

بدأت العقوبات الأمريكية على دمشق عام 1979، حين أُدرجت على أول قائمة أعدتها الولايات المتحدة لما اعتبرته ‘دولاً راعية للإرهاب’. نتج عن هذا التصنيف فرض قيود على المساعدات الأمريكية لسوريا، وحظر بيع أسلحة، وضوابط مشددة على معاملات البنوك الأمريكية مع الحكومة السورية والكيانات التابعة لها، فضلاً عن فرض عقوبات على عدة مسؤولين وكيانات حكومية سورية.

في عام 2005، أقر الكونغرس الأمريكي “قانون محاسبة سوريا” بعد اتهامها بالسماح باستخدام أراضيها من قبل عناصر اعتُبروا إرهابيين. شمل هذا القانون فرض قيود على تصدير السلع الأمريكية إلى سوريا باستثناء الغذاء والدواء، ومنع شركات الطيران السورية من السفر إلى أمريكا، لكن استيراد السلع، بما فيها المواد النفطية، والمعاملات المصرفية، ظل خارج نطاق العقوبات.

جاء التحول الفعلي في العقوبات عام 2011، حيث تم فرض عقوبات أكثر شمولاً استهدفت قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والطيران والقطاع المصرفي، بما في ذلك المصرف المركزي، بالإضافة إلى قيود جديدة على تصدير سلع أساسية وتكنولوجية إلى سوريا.

في العام 2019، أقر الكونغرس الأمريكي قانون “حماية المدنيين السوريين” المعروف بقانون قيصر، والذي شكل تحولاً في العقوبات ووسعت واشنطن إطار العقوبات ليشمل عقوبات ثانوية تستهدف المتعاملين مع الحكومة السورية السابقة.

لقاءات سياسية موازية: دمشق بين واشنطن وتل أبيب

في سياق متصل، أفادت مصادر رسمية بأن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع التقى اليوم وفداً أمريكياً رفيع المستوى في العاصمة دمشق، ضمن ما وصفتها ‘محادثات استراتيجية’ تتعلق بفترة ما بعد رفع العقوبات.

قبل أيام قليلة، التقى وزير الخارجية السوري الجديد وفداً إسرائيلياً في باريس بوساطة أمريكية، لبحث عدة ملفات أبرزها تثبيت خطوط وقف إطلاق النار في الجولان وتحديد مستقبل الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل قرب دمشق.

تعتبر هذه اللقاءات، وفقاً لمراقبين، جزءاً من “صفقة أوسع” تسعى واشنطن لرسم معالمها، حيث ترتبط التعافي الاقتصادي السوري بعملية التطبيع مع إسرائيل.

مناورة اقتصادية تخفي صفقة سياسية

على الرغم من تقديم واشنطن قرار رفع العقوبات كخطوة نحو “دعم التعافي السوري”، إلا أن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن الأمر يشبه المقايضة: فتح قنوات اقتصادية مقابل قبول الشروط الأمريكية والإسرائيلية.

مع التوسع العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا حتى أطراف دمشق، يصبح القرار الأمريكي أداة لتعزيز واقع جديد على الأرض، يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية، ويجعل الاقتصاد السوري ورقة مساومة في الترتيبات الإقليمية.

يرى خبراء الاقتصاد أن أي انفراجة اقتصادية لسوريا ستظل مرتبطة بشبكة شروط سياسية، ويدركون أن أي دعم استثماري أو إعادة إعمار سيكون تدريجياً فقط في حال قبول دمشق السير في مسار التطبيع الذي ترعاه واشنطن. وهو ما يجعل قرار رفع العقوبات الجزئية ليس مبادرة حسن نية، بل مناورة استراتيجية تحدد حدود استقلال القرار السوري في الفترة المقبلة.


تم نسخ الرابط

(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

Exit mobile version