تحليل: الأسواق العالمية تتوقع تجاوز مرحلة المخاطر بالرغم من تصاعد التوتر مع إيران – شاشوف
تتناول المقالة تأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد الأمر يتعلق بإمكانية حدوث اضطرابات، بل بمدى قدرة الأسواق على التعامل مع الصدمات دون الانزلاق إلى أزمة جديدة. رغم التوترات المستمرة، يُظهر كبار المستثمرين تفاؤلاً متزايداً حول قدرة الأسواق على التعافي، مستندين إلى نجاحات إعادة هيكلة سلاسل التوريد وتقليل اعتماد الطاقة. في الوقت نفسه، تبقى المخاطر قائمة، خاصة في مضيق هرمز. الحكومات الآسيوية ترى في الأزمة فرصة لتسريع التحول نحو الطاقة البديلة، لكن حالة الحذر تظل بالتزامن مع توقعات ارتفاع الأسعار بسبب استمرار التوترات.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
لم يعد السؤال مطروحاً في الأوساط الاقتصادية العالمية حول ما إذا كانت حرب إيران ستؤدي إلى اضطرابات في الاقتصاد الدولي، بل حول مدى قدرة الأسواق على استيعاب الصدمات المتتابعة دون الانزلاق إلى أزمة مالية أو طاقوية جديدة.
بعد أسابيع من التقلّبات الحادة التي طالت أسعار النفط وسلاسل الإمداد وحركة التجارة البحرية، بدأ عدد من المؤسسات الاستثمارية وصانعي القرار في آسيا يتحدثون عن تغيرات ملحوظة في نظرة الأسواق، معتبرين أن المرحلة الأكثر خطورة قد أصبحت خلفهم، على الرغم من استمرار العمليات العسكرية وتزايد الضبابية السياسية في المنطقة.
هذا التحول في المزاج الاستثماري برز بشكل جلي خلال فعاليات مؤتمر “رويترز نكست آسيا” الذي عُقد في سنغافورة، حيث اتفق كبار المستثمرين والمسؤولين الاقتصاديين على أن الأسواق أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التطورات العسكرية مقارنة بما كانت عليه عند بداية الحرب.
ويستند هذا التقييم إلى خبرة الأسواق في التعامل مع الأزمات الجيوسياسية وفق اطلاع شاشوف، بالإضافة إلى نجاح عدد من الدول والشركات في إعادة ترتيب سلاسل التوريد، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على مسارات النقل الأكثر عرضة للمخاطر.
ورغم ذلك، فإن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي يبقى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق حوالي 20 مليون برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل حوالي خمس الاستهلاك العالمي، بالإضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. أي اضطراب جديد في حركة الملاحة قد يؤدي لارتفاع أسعار الطاقة ويؤثر في التضخم والنمو الاقتصادي على مستوى العالم.
الأسواق المالية تتجاوز صدمة الحرب… لكن سيناريوهات التصعيد لا تزال حاضرة
يعتقد كبار مديري الاستثمار أن رد فعل الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة يُظهر تحولاً مهماً في كيفية تقييم المخاطر الجيوسياسية. بعد موجة الذعر الأولى التي رافقت اندلاع الحرب، بدأت الأسواق العالمية تتعامل مع التطورات العسكرية كعامل مؤثر، لكن ليس العامل الوحيد المسؤول عن توجيه الاستثمار، خاصة في ظل استمرار النمو الاقتصادي في بعض الدول الكبرى وتحسن قدرة الشركات على إدارة المخاطر.
في هذا السياق، أكد روهيت سيباهيمالاني، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق “تيماسيك هولدنجز” السنغافوري، أن الأسواق تدرك وجود مخاطر يصعب التنبؤ بها، إلا أن الرأي السائد بين المستثمرين هو أن ذروة عدم اليقين قد تراجعت، وأن الحرب لن تصبح المحرك الرئيسي للأسواق العالمية ما لم تطرأ تطورات استثنائية، مثل توقف طويل لحركة الملاحة أو اتساع دائرة المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية جديدة.
يدعم هذا التقييم مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تُظهر قدرة الأسواق على امتصاص الصدمة تدريجياً بناءً على قراءة شاشوف. بعد القفزات السريعة في أسعار النفط مع بداية الحرب، استعادت الأسعار بعض توازنها مع استمرار تدفق الإمدادات من كبار المنتجين. كما تابعت البنوك المركزية تطورات أسواق الطاقة دون اتخاذ تغييرات جذرية في السياسات النقدية، بينما احتفظت المؤسسات الاستثمارية العالمية باستراتيجياتها طويلة الأجل، مع زيادة الإنفاق على أدوات التحوط وإدارة المخاطر تحسباً لأي تصعيد مفاجئ قد يرجع بالأسواق إلى حلبة الاضطراب.
أمن الطاقة يتحول إلى أولوية وفرصة لتسريع التحول الأخضر
بالرغم من التأثيرات السلبية للحرب على مختلف الاقتصادات، تبقى القارة الآسيوية الأكثر عرضة للمخاطر بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. تستورد الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا جزءاً كبيراً من احتياجاتها النفطية عبر مضيق هرمز، مما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعاً على تكاليف الإنتاج والصناعة والنقل وأسعار المستهلكين.
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي رصدها شاشوف، إلى أن نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً تمر عبر المضيق، كما يعتمد عدد من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في آسيا على الإمدادات القادمة من قطر، مما يفسر الحساسية الكبيرة للأسواق الآسيوية تجاه أي تطورات عسكرية في المنطقة.
في خضم هذه التحديات، بدأ عدد من الحكومات الآسيوية رؤيتها للأزمة كفرصة لتسريع التحول إلى مصادر الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. وفقاً لمتابعة شاشوف لمؤتمر “رويترز نكست آسيا”، أوضح نائب وزير المالية التايلندي سانتيتارن ساتيراتاي أن بلاده، التي تمثل واردات الطاقة فيها نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ترى أن الظروف الحالية قد تدفع إلى توسيع الاستثمارات في المركبات الكهربائية والألواح الشمسية وسلاسل الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، مما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة صدمات الطاقة مستقبلاً ويخلق محركات نمو جديدة.
ولا تقتصر هذه التوجهات على تايلاند، فعدد من الدول الآسيوية تشهد تسارعاً في استثمارات الطاقة المتجددة، مدفوعة بتقلبات أسواق النفط على مر السنوات الأخيرة. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن تستحوذ آسيا على النصيب الأكبر من نمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال العقد الحالي، بينما تستمر الصين والهند في قيادة الاستثمارات العالمية في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات الكهرباء، في محاولة لتقليل الاعتماد على الواردات النفطية وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.
هدوء الأسواق لا يعني نهاية الأزمة… المستثمرون يترقبون الخطوة التالية
رغم المؤشرات التي تدل على أن الأسواق العالمية تجاوزت المرحلة الأكثر اضطراباً، يظل الحذر مسيطرًا على قرارات المستثمرين. التطورات العسكرية الأخيرة، بما في ذلك الضربات الأمريكية الهادفة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، والهجمات الإيرانية التي استهدفت الكويت والبحرين، أعادت التذكير بأن الوضع لا يزال قابلاً للتغيير في وقت قصير، وأن أي تصعيد قد يؤثر سريعاً على أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري.
كما زادت حالة عدم اليقين بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إنهاء الاتفاق المؤقت مع إيران، مما أثار تساؤلات جديدة حول مستقبل المسار الدبلوماسي وإمكانية العودة إلى مواجهات أوسع.
يلاحظ المحللون أن الأسواق باتت أكثر قدرة على امتصاص الأخبار السياسية مقارنة ببداية الحرب، إلا أن استمرار التوتر حول أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية يعني أن المستثمرين سيبقون في حالة ترقب لأي مؤشرات قد تدفع الأسعار إلى موجة جديدة من التقلبات.
في المقابل، تؤكد التجارب السابقة أن الاقتصاد العالمي يمتلك قدرة أكبر على التكيف مع الصدمات مقارنة بما كان عليه في الماضي، بسبب تنوع مصادر الإمدادات وارتفاع المخزونات الاستراتيجية في عدد من البلدان، بالإضافة إلى توسع استخدام أدوات التحوط المالي.
ومع ذلك، فإن استمرار الحرب يفرض تكلفة إضافية على التجارة العالمية، سواء من خلال ارتفاع أقساط التأمين على السفن أو زيادة كلفة النقل وإطالة مسارات الشحن، وهي عوامل قد تبقي الضغوط التضخمية قائمة حتى مع تجنب أسوأ السيناريوهات.