تشير التطورات الأخيرة إلى بدء القوات الإماراتية سحب بعض أفرادها من اليمن، وسط تدهور العلاقات مع السعودية. الإمارات أعلنت عن إنهاء وجود ‘فرق مكافحة الإرهاب’، لكن الانسحاب قد يكون شكلياً مع استمرار النفوذ عبر مستشارين محليين. في حضرموت وشبوة، تُفكك القوات الإماراتية معداتها، لكن مسؤولين في المجلس الانتقالي رافضون لأي انسحاب. يُنظر إلى السيطرة على حضرموت والمهرة، الغنيتين بالموارد، كشرط أساسي للمشاريع الانفصالية. الجدل حول وجود الإمارات مستمر، خاصة في سقطرى، حيث تمثل القاعدة البحرية الاستراتيجية. السيناريوهات المستقبلية تشير إلى إمكانية انسحاب جزئي أو استمرار النفوذ دون التغيير الجذري.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في آخر المستجدات المتعلقة بانسحاب الإمارات من اليمن بناءً على طلب رئيس المجلس الرئاسي بدعم سعودي، انتهت مهلة الـ24 ساعة. وقد أفادت وسائل الإعلام بأن القوات الإماراتية قامت بفكك بعض المواقع وبدأت بسحب عناصرها من اليمن، حيث تم تفكيك بعض الأجهزة والمعدات في بعض المعسكرات بحضرموت، رغم عدم تحديد ما إذا كانت القوات الإماراتية قد غادرت تماماً أم أن تجهيز المعدات للانتقال هو ما يحدث.
يُعتبر أن القوة الانفصالية التي دخلت حضرموت والمهرة، والتي تسببت في هذه الأزمة غير المسبوقة، لا تزال مجهولة بشأن ما إذا كانت ستنسحب فعلاً وتسلّم مواقعها لقوات “درع الوطن” المدعومة سعودياً، في الوقت الذي يرفض فيه المجلس الانتقالي استبعاده من المعادلة وتهميش دور الإمارات التي تتبناه، بالإضافة إلى دعمها لقوات العميد طارق صالح، الذي استحوذ على مدينة المخا غرب البلاد.
انسحاب محدود
أعلنت الإمارات رسمياً من خلال وزارة دفاعها عن إنهاء وجود فرقها المتبقية في اليمن، التي وصفتها بأنها “فرق مكافحة الإرهاب”. وأكدت أن هذا الانسحاب جاء بعد تقييم شامل للمرحلة.
جاء هذا الإعلان عقب توتر غير مسبوق مع السعودية. وعلى الورق، يبدو الانسحاب كاملاً، لكنه في الواقع محدود جداً وفق متابعة “شاشوف”، حيث يركز على إنهاء الحضور المباشر فقط، بينما يبقى النفوذ الإماراتي موجوداً من خلال عناصر غير معلنة كالمستشارين العسكريين وضباط الارتباط، بالإضافة إلى الدعم الاستخباري المستمر مع حلفائها المحليين، مثل المجلس الانتقالي، والنخبة الحضرمية، وقوات دفاع شبوة.
قال محافظ حضرموت “سالم الخنبشي” اليوم الأربعاء في تصريحات تابعتها شاشوف للشرق الأوسط، إن القوات التابعة للإمارات بدأت فعلياً الانسحاب من المواقع التي كانت تتمركز فيها سواء في حضرموت أو شبوة، وطالب أبناء المحافظة المنخرطين مع المجلس الانتقالي وقوات الدعم الأمني بالعودة إلى منازلهم أو الانضمام لقوات “درع الوطن”.
وأشار الخنبشي إلى أن صفارات الإنذار دوت، مساء الثلاثاء، بمطار الريان في حضرموت، تمهيداً لسحب القوات الإماراتية الموجودة هناك، وانسحبت قوات أخرى من بلحاف في شبوة. ووفقاً لتصريحاته، فإن الإمارات تملك وجوداً محدوداً في منطقتي الربوة والضبة بحضرموت بأعداد قليلة، يقتصر على خبراء وقادة يشرفون على قوات الدعم الأمني التابعة للمجلس الانتقالي.
أما القوات الإماراتية في محافظة شبوة، وتحديداً في معسكر مُرَّة، فقد بدأت يوم الثلاثاء فعلياً بتفكيك أجهزة الاتصالات استعداداً لمغادرة البلاد.
وذكر الخنبشي أن الحل الأوحد لإنهاء الأزمة الحالية يتمثل في انسحاب جميع قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة بصورة سلمية، مضيفاً: “الباب ما زال مفتوحاً، ونتمنى أن يستغل الإخوة في الانتقالي هذه الفرصة لتجنيب أنفسهم وحضرموت وكل البلاد أي اقتتال أو مواجهة عسكرية، وأن يعودوا من حيث أتوا، وبعدها يمكن الدخول في حوار سياسي حول أي تشكيل مستقبلي، ولكن من دون فرض أمر واقع بالقوة”.
ورغم ذلك، يُتحدث حالياً عن أن الانسحاب قد يكون خطوة شكلية لتخفيف الضغوط السياسية والإعلامية، وليس انسحاباً استراتيجياً حقيقياً وكاملاً يُنهي النفوذ الإماراتي على الأرض.
أثار الانسحاب الإماراتي المُعلن جدلاً كبيراً حول مستقبل مشروع الانفصال الذي يقوده المجلس الانتقالي، حيث تشكل محافظتا حضرموت والمهرة نصف مساحة البلاد تقريباً، وتمثل السيطرة عليهما شرطاً أساسياً لأي محاولة لتأسيس ما يُعرف بـ“دولة الجنوب العربي”.
يرى المحللون السياسيون أن أي انسحاب فعلي للمجلس الانتقالي من هاتين المحافظتين، تحت ضغط سياسي أو عسكري، سيجعل من الصعب المضي قدماً في مشروع الانفصال، مع إتاحة الفرصة للمجلس الرئاسي ومكوناته الداعمة لاستعادة معاقل استراتيجية مهمة.
ومع ذلك، أظهرت تصريحات مسؤولين محسوبين على الانتقالي رفضاً تاماً لأي انسحاب، مؤكدين على الدفاع عن المواقع الحيوية.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تنازل حقيقي، حيث تستمر السيطرة الميدانية للانتقالي في حضرموت والمهرة، بالرغم من الضغوط المتزايدة من القوات الموالية للمجلس الرئاسي، والضربات الجوية السعودية التي استهدفت شحنات الأسلحة القادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا لدعم الانتقالي.
فيما دعت دول مثل سلطنة عمان والكويت والأردن وقطر والجامعة العربية إلى بقاء اليمن موحدًا، مؤيدة بذلك الموقف السعودي، لم تتخذ الولايات المتحدة، التي تتشارك مع الإمارات الرؤية، موقفًا واضحًا في البداية، بينما اعتبرت بروكسل أن المواجهة في جنوب البلاد قد تُدخل قوات التحالف في معركة استنزاف، وتحيد بالجهود لمواجهة الحوثيين.
منذ سنوات، طُرحت العديد من علامات الاستفهام حول المصالح الإماراتية في اليمن، أو عما إذا كانت أبوظبي، التي تقول إنها لا تحمل نوايا استعمارية، قد استغلت “الانشغال السعودي” مع حكومة صنعاء لتعزيز سيطرتها، منها السيطرة على الساحل الغربي، وجزيرة ميون التي تُعتبر محطة تموين للسفن بالفحم في مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 30% من نفط العالم، بالإضافة إلى مدينة ذُباب، وميناء المخا بقيادة طارق صالح، فضلاً عن جزيرة سقطرى، التي يشار إليها بأنها أبرز مثال على الطموحات الإماراتية.
المصالح الإماراتية في حضرموت والمهرة
تعد حضرموت والمهرة أكثر من مجرد مناطق نفوذ محلية، بل نعتبر ركائز استراتيجية واقتصادية، إذ تتضمن حضرموت حوض المسيلة النفطي، أكبر مناطق إنتاج الهيدروكربونات في اليمن، بينما تشكل المحافظتان الجسر البري واللوجستي الرئيسي بين ساحل بحر العرب والصحراء الشرقية، وصولًا إلى جنوب السعودية.
الوجود الإماراتي هنا يخدم عدة أهداف؛ فمن الناحية الاقتصادية، تمثل السيطرة تأمينًا لإيرادات النفط والغاز، وإعادة توجيه الموارد لتوفير استقلال مالي للقوى الانفصالية. ومن الناحية اللوجستية والعسكرية، يوفر السيطرة على المحافظتين العمق البري الضروري للتحكم في عدن وشبوة والمكلا والمناطق الحيوية الأخرى.
سياسيًا، يتيح الضغط على حكومة عدن وفرض نفوذ الإمارات عبر الوكلاء المحليين، مع إبقاء الخيارات مفتوحة لمشاريع طويلة الأمد مثل تقرير مصير الجنوب.
الورقة الأكبر.. ماذا عن سقطرى والجزر اليمنية؟
يمثل أرخبيل سقطرى حجر الزاوية في الاستراتيجية البحرية الإماراتية، كونه نقطة بحرية متقدمة تتيح التواجد -إن لم يكن السيطرة- في ممرات بحرية حيوية: بحر العرب، خليج عدن، ومضيق باب المندب.
المشاريع والنفوذ الراسخ للإمارات في سقطرى والجزر اليمنية تجعل السؤال ملحًا: هل تنسحب الإمارات حقًا من اليمن كما تروج وسائل الإعلام؟
يوفر سقطرى الإمارات العين البحرية المتقدمة لمراقبة حركة الملاحة الدولية، وفرض النفوذ البحري، وفقاً لما تتناوله شاشوف.
وبالتعاون مع إسرائيل (مشروع Crystal Ball)، أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية ومطارات للطائرات الثقيلة وطائرات الاستطلاع والطائرات المسيَّرة، لدعم السيطرة على الممرات البحرية ومراقبة الحوثيين.
كما سيطرت الإمارات على الموارد والخدمات في الجزيرة، مثل مطار سقطرى الدولي، والكهرباء، والوقود الذي يُباع لمواطني سقطرى وفقاً للدرهم الإماراتي ويتم احتكاره بشكل أرهق المواطنين في حياتهم المعاشية المتدهورة.
عززت الإمارات أيضًا استراتيجيات النفوذ الناعم والاقتصادي، باستبدال العمالة المحلية بعاملين تابعين للشركات الإماراتية، وفرض أسعار مرتفعة على الخدمات الأساسية.
لذا تُعد سقطرى عمودًا فقريًا للنفوذ البحري الإماراتي في جنوب اليمن، وتكملها السيطرة على حضرموت والمهرة لضمان الهيمنة الكاملة على الملاحة.
كما توجد شراكة إقليمية ودولية في سقطرى، فالتحالف الإماراتي الإسرائيلي الأمريكي في الجزيرة اليمنية والجزر المحيطة يوضح أن التحرك الإماراتي ليس مجرد نزاع محلي على النفوذ، بل استراتيجية إقليمية واسعة.
إذ تزود إسرائيل الإمارات بتقنيات متقدمة، مثل الطائرات المسيَّرة والرادارات والتقنيات الاستخباراتية الحديثة، مقابل الحصول على موطئ قدم استراتيجي في الموانئ والجزر القريبة من مضيق باب المندب.
هذا التعاون يضمن مراقبة الملاحة الدولية، خصوصًا حركة الشحن النفطي، ويتيح لإسرائيل والإمارات فرض النفوذ في المنطقة دون انخراط مباشر مع القوى الانفصالية.
وفقًا للتقديرات الإسرائيلية، أدى النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن إلى أن يصبح هذا الجنوب تحت سيطرة الإمارات بشكل أو بآخر، مما يجعل أي تحرك دبلوماسي مستقبلي مرهونًا بقدرة إسرائيل على الحفاظ على الثقة مع أبوظبي.
سيناريوهات الخروج
توجد عدة احتمالات مطروحة حاليًا لما بعد الانسحاب المعلن، أولُها أن يكون الانسحاب شكليًا ويبقى النفوذ الإماراتي قائمًا من خلال الأطراف المحلية المدعومة من الدولة الخليجية، وكذلك من خلال الاستشارات الاستخباراتية، ومحاولات الاستمرار في التحكم في الموارد البحرية والبرية.
ثاني السيناريوهات هو الانسحاب الجزئي مع ضغط على الانتقالي، وقد يؤدي إلى استعادة المواقع في حضرموت والمهرة، لكن مع بقاء سقطرى والجزر البحرية تحت سيطرة الإمارات، مما يُبقي العمق البحري والاستراتيجي.
ثمة سيناريو أخير أقل احتمالاً، وهو الانسحاب الكامل مع تفكك النفوذ، ووفق قراءة شاشوف فإن هذا الاحتمال ضعيف نظرًا لبناء الإمارات شبكة معقدة من الحلفاء المحليين والوجود الاقتصادي والعسكري الذي يصعب تفكيكه بسرعة.
حتى الآن، لم تنسحب الإمارات فعليًا من اليمن، فالانسحاب المُعلن يقتصر على تقليص الحضور المباشر، بينما يبقى النفوذ قويًا من خلال الأطراف المحلية والتحكم في الموارد البحرية والبرية.
وحتى إشعار آخر، يتطلب أي تحول حقيقي في السيطرة على الأرض أو النفوذ البحري إعادة ترتيب كامل للتحالفات الإقليمية والداخلية، وهو أمر معقد في ظل التشابك العسكري والسياسي والاقتصادي الحالي.
تم نسخ الرابط
