بين تخفيف العقوبات واستمرارها… كيف أدخلت إدارة ترامب الأسواق في حالة من الضبابية العميقة تجاه إيران؟ – شاشوف
منذ أكثر من 40 عاماً، تطورت عقوبات الولايات المتحدة على إيران لتصبح نظاماً معقداً يشمل عدة قطاعات. أُعلن عن تخفيف تدريجي للعقوبات مع بدء تنفيذ تفاهمات جديدة، مما منح إيران فرصاً لاستئناف صادراتها النفطية. رغم ذلك، لا تزال العقوبات الأساسية سارية، مما يسبب حالة من الارتباك في السوق المالية العالمية. الشركات والبنوك تظل مترددة في اتخاذ قرارات استثمارية بسبب عدم اليقين القانوني. كما أن عودة النفط الإيراني للسوق تتعثر بسبب العقبات اللوجستية والمالية. مستقبل سوق النفط مرتبط بمسار المفاوضات، وإذا انهارت، فقد تُعاد العقوبات بسرعة.
تقارير | شاشوف
على مدار أكثر من أربعين عاماً، أُنشئت منظومة العقوبات الأمريكية على إيران لتصبح واحدة من أكثر الأنظمة تعقيداً في العالم، حيث تراكمت عبر قوانين من الكونغرس وأوامر تنفيذية رئاسية ولوائح من وزارة الخزانة، مما أدى إلى شمولها للبنوك وشركات الطاقة والنقل البحري والتأمين والتكنولوجيا والتعاملات المالية العالمية.
لذلك، فإن أي محاولة لتفكيك هذه المنظومة تتطلب أكثر من مجرد قرار سياسي واحد؛ بل تحتاج إلى مسار قانوني وإجرائي معقد، مما يفسر حالة الارتباك التي يسجلها القطاع المالي العالمي بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بدء تنفيذ تفاهمات جديدة مع طهران.
ورغم أن الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران أتاح تخفيفاً تدريجياً للعقوبات بهدف إنهاء الحرب واستعادة تدفقات الطاقة إلى الأسواق، فإن الرسائل التي أرسلتها الإدارة الأمريكية كانت متناقضة في كثير من الأحيان.
فبينما أعلنت وزارة الخزانة عن إعفاءات مؤقتة تسمح ببعض التعاملات مع إيران، استمرت العقوبات الأساسية قائمة، كما أصر مسؤولون أمريكيون على أن رفع العقوبات بشكل دائم يعتمد على نتائج المفاوضات والتزام طهران بشروط الاتفاق، مما جعل المؤسسات المالية والشركات العالمية تواجه بيئة تشغيلية فريدة تتداخل فيها التصاريح الجديدة مع القيود القديمة.
تزداد حساسية هذا الوضع لأن القرارات الحالية لا تمثل مجرد تعديل في سياسة العقوبات، بل تعكس تحولاً استراتيجياً في رؤية واشنطن لإدارة الأزمة مع إيران. تسعى الإدارة الأمريكية إلى استخدام تخفيف القيود الاقتصادية كوسيلة لدعم الاتفاق السياسي وخفض التوتر في الخليج، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب منح طهران مكاسب يصعب التراجع عنها إذا فشلت المفاوضات. وفي ظل هذا التحدي، تجد البنوك وشركات النفط والتجارة الدولية نفسها أمام قرارات استثمارية ومالية بمليارات الدولارات دون تأكيد قانوني كامل.
إعفاءات مؤقتة… ولكن شبكة العقوبات لا تزال سارية
ينص الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران على تنفيذ جدول زمني يهدف إلى تخفيف القيود الاقتصادية تدريجياً. وقد أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات مؤقتة لمدة ستين يوماً لإجراء بعض المعاملات المتعلقة بالنفط والطاقة، بالتوازي مع استمرار المحادثات الفنية بين الجانبين.
أيضًا، سمحت واشنطن لأول مرة منذ سنوات بإصدار فواتير مبيعات النفط الإيراني بالدولار، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في السياسة الأمريكية تجاه دمج الصادرات الإيرانية جزئيًا في النظام المالي العالمي.
ومع ذلك، فإن هذه الإعفاءات لا تعني انتهاء نظام العقوبات الذي تراكم على إيران منذ عام 1979، إذ لا تزال عشرات القوانين والأوامر التنفيذية سارية، وأي رفع دائم للعقوبات مرتبط بعوامل سياسية وقانونية معقدة، بما في ذلك دور الكونغرس الأمريكي والتشريعات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني. لذلك، يرى خبراء قانونيون أن التراخيص المؤقتة توفر غطاءً محدودًا لبعض المعاملات، ولكنها لا تقدم ضمانات كافية للاستثمار أو توقيع عقود طويلة الأجل مع إيران.
تظهر هذه الضبابية بشكل واضح في سلوك المؤسسات المالية الدولية، التي لا تزال تتذكر الغرامات الضخمة التي فرضت عليها من قبل الولايات المتحدة خلال العقد الماضي بسبب خروقات مرتبطة بالعقوبات الإيرانية، والتي بلغت في بعض الحالات مليارات الدولارات.
ولذلك، فإن العديد من البنوك تفضل انتظار تعليمات أكثر وضوحًا من وزارة الخزانة الأمريكية قبل الانخراط في تمويل تجارة النفط أو فتح قنوات دفع جديدة، خوفًا من أن تتحول الإعفاءات المؤقتة إلى قرارات قابلة للإلغاء إذا انهارت المفاوضات السياسية أو تجددت المواجهة العسكرية بين البلدين.
النفط الإيراني يخرج من العزلة… لكن المشترين والبنوك لا يزالون مترددين
على الرغم من أن الاتفاق المؤقت منح إيران فرصة لاستئناف جزء من صادراتها النفطية بشكل قانوني، فإن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية تعد أكثر تعقيدًا مما قد يوحي به من قرارات سياسية. على مدى السنوات الماضية، أُقِيمت منظومة كاملة من القيود المالية واللوجستية حول تجارة النفط الإيراني، تشمل شركات الشحن والتأمين والمصارف وآليات التسوية، مما يجعل إزالة العقبات أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار ترخيص مؤقت. لذا، يرى عدد من خبراء الطاقة أن الأسابيع القادمة ستكون اختبارًا حقيقياً لقدرة طهران على تحويل الإعفاءات الأمريكية إلى مبيعات فعلية وليس مجرد تصريحات سياسية.
تواجه الشركات الراغبة في شراء النفط الإيراني سؤالاً عن كيفية تسوية المدفوعات إذا استغرقت الشحنات أكثر من مدة الإعفاء البالغة 60 يوماً، بالإضافة إلى استمرار العقوبات على جزء من أسطول الناقلات الذي اعتمدت عليه إيران خلال سنوات الحظر.
كما أن البنوك الدولية، التي تعتبر عنصرًا مهماً في أي صفقة نفطية، لا تزال تتعامل بحذر شديد، إذ تخشى أن يؤدي أي تغيير مفاجئ في الموقف الأمريكي إلى تعرضها لتحقيقات أو عقوبات مستقبلية، مما يحد من سرعة عودة التمويل التجاري المرتبط بالنفط الإيراني.
في الوقت نفسه، استعجلت طهران زيادة المعروض النفطي مستفيدة من الإعلان عن الاتفاق، حيث ضخت أكثر من 50 مليون برميل إلى الأسواق، ولكن هذا التدفق يواجه واقعًا مختلفًا في جانب الطلب. فالصين، التي كانت أكبر مشتري للنفط الإيراني خلال سنوات العقوبات، تمتلك بالفعل مخزونات كبيرة، وتراجع حجم وارداتها مقارنة ببداية العام، مما يقلل من قدرتها على استيعاب كميات إضافية بنفس الوتيرة، ويجعل إيران بحاجة إلى فتح أسواق جديدة إذا أرادت استعادة مستويات التصدير التي سبقت الأزمة.
الأسواق تترقب… واستقرار الاتفاق سيحدد مستقبل العقوبات وأسعار الطاقة
لم يقتصر تأثير الاتفاق على إيران وحدها، بل سرعان ما انعكس على أسواق النفط العالمية التي تخلت عن معظم المكاسب التي حققتها خلال ذروة الحرب. فقد هبط خام برنت إلى حدود 72 دولاراً للبرميل بعد أن تجاوز حاجز 120 دولاراً مع بداية الأزمة، وهذا يعكس تراجع ما يُعرف بـ ‘علاوة المخاطر الجيوسياسية’.
ونجحت البنية التحتية الخليجية، وخاصةً خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية والمخزونات الاستراتيجية، في الحد من اضطرابات الإمدادات، مما منع الأسعار من الارتفاع إلى مستويات يمكن أن تتجاوز 140 دولاراً للبرميل إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.
ورغم هذا الهدوء النسبي، لا يزال مستقبل سوق النفط مرتبطًا بمسار الاتفاق السياسي بين أمريكا وإيران. فإذا نجحت المفاوضات في التحول إلى تسوية أكثر استقراراً، فقد تشهد الأسواق زيادة تدريجية في الإمدادات الإيرانية، مما يخفف الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي. أما في حال انهيار التفاهمات الحالية، فإن واشنطن ستكون قادرة على إعادة فرض القيود بسرعة، لأن معظم العقوبات القانونية لا تزال قائمة ولم تُلغَ، بل تم تعليق تطبيق بعضها بشكل مؤقت.