بين الولايات المتحدة وكندا: جسر بقيمة 4.5 مليار دولار يثير النزاعات مجددًا – شاشوف
مشروع ‘جسر غوردي هاو الدولي’ بين الولايات المتحدة وكندا أصبح محور خلاف سياسي وتجاري، حيث تأجل افتتاحه بقرار من إدارة ترامب لإعادة التفاوض حول تقاسم إيرادات عبور الجسر. وزير التجارة الأمريكي يقود هذا التحرك، مدعومًا من البيت الأبيض، بينما ترفض كندا التعليق. تبلغ تكلفة المشروع 6.4 مليار دولار كندي، ويمثل شريانًا مهمًا لقطاع صناعة السيارات. رغم استعداد كندا للاحتفال بالافتتاح، فإن التعقيدات تتعلق بتوزيع الإيرادات وإدارة المشروع، في وقت يشهد فيه التوترات التجارية بين البلدين تصاعدًا.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تحوّل مشروع ‘جسر غوردي هاو الدولي’، الذي يُعتبر من أبرز مشاريع البنية التحتية بين الولايات المتحدة وكندا، إلى بؤرة خلاف سياسي وتجاري بين الدولتين. فقد تدخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأجيل الافتتاح، بهدف إعادة التفاوض حول اتفاق توزيع إيرادات رسوم العبور، سعياً للحصول على حصة أمريكية أكبر من العوائد المستقبليّة.
وبحسب تقرير نشرته وكالة ‘بلومبيرغ’، فإن وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك قد قاد تحركاً بدعم مباشر من البيت الأبيض لتعليق مراسم افتتاح الجسر، الذي كان مقرراً في 12 يونيو، رغم أن الاستعدادات قد اكتملت وتم توجيه الدعوات الرسمية. وقد جاء هذا التأجيل لإفساح المجال لمفاوضات جديدة مع الجانب الكندي بشأن شروط تشغيل المشروع وتقسيم إيراداته.
يُقدّر إجمالي تكلفة مشروع جسر ‘غوردي هاو الدولي’ بحوالي 6.4 مليارات دولار كندي، أي ما يعادل 4.5 مليارات دولار أمريكي، وقد تولت كندا تمويل المشروع بالكامل بعد سنوات من الجدل والمعارضة من مالكي جسر ‘أمباسادور’، الذين يُزعم أنهم قدموا لاحقاً تبرعات كبيرة لمجموعة سياسية مؤيدة للرئيس ترامب.
ينص الاتفاق الأصلي على أن تستوفي كندا رسوم عبور الجسر حتى تسترد كافة تكاليف البناء، قبل أن تبدأ مرحلة توزيع الإيرادات بين الطرفين. بينما تعود ملكية المشروع بشكل مشترك بين ولاية ميشيغان الأمريكية وكندا، يسعى وزير التجارة الأمريكي حالياً لتعديل هذه الآلية، سواء عبر الحصول على نسبة أكبر من الرسوم أو إعادة صياغة بنود أخرى مرتبطة بالمشروع، في حين لم تكشف الإدارة الأمريكية بعد عن جميع تفاصيل المطالب الجديدة.
أكدت مصادر أمريكية، تابعها شاشوف، أن لوتنيك يتولى هذا الملف بتفويض مباشر من البيت الأبيض، بينما تؤكد وزارة التجارة الأمريكية أن هدفها هو الوصول إلى ‘أفضل اتفاق ممكن’ للولايات المتحدة بشأن الجسر. في المقابل، امتنعت الحكومة الكندية عن التعليق، كما لم يصدر أي تصريح رسمي من مكتب حاكمة ولاية ميشيغان غريتشن ويتمر.
يأتي هذا الخلاف في وقت حساس للغاية، حيث يتزامن مع تزايد التوتر التجاري بين واشنطن وأوتاوا، بعد إعلان ترامب أنه لن يجدد اتفاقية التجارة الثلاثية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بحلول الموعد المحدد في الأول من يوليو، مما قد يفتح المجال لمراجعة تستمر لسنوات، بالتزامن مع استمرار المفاوضات الثنائية حول الرسوم الجمركية والخلافات التجارية الأخرى.
في فبراير الماضي، اقترح ترامب إمكانية امتلاك الولايات المتحدة لنصف المشروع، متعهداً بعدم افتتاح الجسر حتى تحصل واشنطن على ‘تعويض كامل’ لما قدمته لكندا. ورأى أن الإيرادات المتوقعة من الجسر ستكون ‘كثيرة جداً’. لكن مدى تمسكه بهذه المطالب يبقى غير واضح حتى الآن.
تشير المعلومات التي تناولها ‘شاشوف’ في وقت سابق إلى أن ولاية ميشيغان قد تنسقت مع المسؤولين الكنديين لإقامة حفل افتتاحي رسمي في 12 يونيو، كما ناقشت الحاكمة ويتمر المشروع مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، حيث اعتبرت أن موقفها كان بمثابة موافقة ضمنية على الاستمرار في الافتتاح، قبل أن يتدخل وزير التجارة الأمريكي لإيقاف المراسم بدعم من السفير الأمريكي لدى كندا بيت هوكسترا. وأكدت مصادر أخرى أن فكرة تنظيم الحفل جاءت أساساً من الجانب الكندي.
عُقدت المفاوضات الجديدة مباشرة بين إدارة ترامب وحكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، دون مشاركة فعلية لمسؤولي ولاية ميشيغان، رغم أنهم كانوا طرفاً في الاتفاق الأصلي للمشروع.
ورقة الضغط الأمريكية
يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن الجسر يوفر لواشنطن ورقة ضغط هامة على كندا، حيث تتجاوز أهميته البنية التحتية لتكون منفذاً رئيسياً يربط الصادرات الكندية بالسوق الأمريكية، مما يمنح الإدارة الأمريكية قدرة تفاوضية إضافية.
يمثل المشروع أهمية اقتصادية بارزة، حيث يهدف لتسهيل أحد أهم الممرات التجارية في أمريكا الشمالية، خصوصاً لقطاع صناعة السيارات وسلاسل التوريد المرتبطة به، من المتوقع أن يُسهم الجسر في تقليل زمن النقل وخفض التكاليف اللوجستية، بعد أن كانت الشاحنات مضطرة لعبور 10 إشارات مرورية داخل مدينة وندسور الكندية قبل الوصول إلى الحدود الأمريكية.
تظهر أهمية هذا الممر في ضوء حجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين، والذي تجاوز 875 مليار دولار خلال العام الماضي وفقاً لما ورد في ‘شاشوف’، حيث تمثل الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية للصادرات الكندية بفارق كبير، بينما تعتبر كندا أكبر سوق للصادرات الأمريكية من السلع والخدمات خارج الاتحاد الأوروبي، مع تحقيق الولايات المتحدة فائضاً تجارياً مع كندا عند استثناء تجارة النفط.
على الرغم من ذلك، يبقى الغموض يحيط بالشكل النهائي الذي تريده واشنطن لتوزيع رسوم العبور، حيث لم يتضح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تطالب بجزء من الإيرادات فور بدء عمل الجسر، أم تسعى فقط للحصول على زيادة في حصتها بعد أن تسترد كندا تكاليف المشروع.
تثير سياسات ترامب التجارية مخاوف إضافية حول مستقبل المشروع، إذ أدت الرسوم الجمركية التي فرضها، بالإضافة لتصريحاته السابقة بشأن ضم كندا كـ’الولاية الأمريكية الحادية والخمسين’، إلى بدء حملات مقاطعة داخل كندا، مما أدى لتراجع رغبة بعض الكنديين في زيارة الولايات المتحدة.
يواصل ترامب كذلك انتقاد واردات السيارات الكندية، على الرغم من أن الجسر الجديد يُتوقع أن يصبح شرياناً رئيسياً لسلاسل توريد صناعة السيارات، حيث تعتمد مصانع أمريكية كبيرة مثل ‘فورد’ على محركات ومكونات تُنتج في مدينة وندسور الكندية قبل نقلها إلى مصانع غرب الوسط الأمريكي.
في المقابل، قللت كندا من أهمية الخلاف، حيث أكدت في 11 يونيو أنها وافقت، بناءً على طلب الولايات المتحدة، على تأجيل افتتاح الجسر لإتاحة الوقت لمعالجة القضايا العالقة ضمن إطار تعاوني بين الدولتين.
لا يقتصر الخلاف على رسوم العبور فقط، إذ تشير التقارير أيضًا إلى أن من بين الملفات المطروحة مسألة إدارة المشروع، حيث تتولى ‘هيئة جسر وندسور-ديترويت’ الإشراف على الجسر من خلال مجلس إدارة تعينه الحكومة الكندية، بحكم تحملها كل تكاليف الإنشاء، وهو ما قد يمثل أحد محاور التفاوض الجديدة بين الجانبين.