تحليل ‘بلومبيرغ’ حول التنافس بين الولايات المتحدة والصين يكشف خطأ واشنطن في فهم المشروع الصيني طويل الأجل. واشنطن أصبحت تعي ضرورة التكيف مع النجاح الصيني، بعد أن كانت تعتقد أن دمج الصين في النظام الليبرالي سيشكل رهانا منخفض المخاطر. تكاليف الحروب الأمريكية استنزفت القوة السياسية، مما ساعد الصين على تسريع نموها. إدارة ترامب حذت حذو المواجهة، لكنها لم تحل المشكلات الداخلية. التحليل يوصي بتركيز الولايات المتحدة على الاستقرار الداخلي، وتعزيز البحث والتطوير، بدلاً من احتواء الصين، معتبراً أن القدرة على التجدد هي الرهان الحقيق.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، يكشف تحليل اطلع عليه “شاشوف” من “بلومبيرغ” عن عمق “الخطأ الأمريكي” في فهم “المشروع الصيني” طويل الأمد، ويقدم رؤية جديدة حول ما يجب على واشنطن فعله لتفادي الانحدار الاستراتيجي.
لم يعد النقاش في واشنطن مجرد انزلاق في الأمل في تحويل الصين إلى ديمقراطية ليبرالية عبر التجارة الحرة، بل أصبح يركز على كيفية التكيف مع نموذج القوة الصينية الذي أثبت نجاحه على مدى أربعة عقود.
استراتيجية صينية واضحة واستغراب أميركي
حسب بلومبيرغ، لم يُخفِ الحزب الشيوعي الصيني استراتيجيته منذ نهاية السبعينيات، حيث حذّر دنغ شياو بينغ بعد قمع احتجاجات ساحة تيانانمن عام 1989 من أن التخلي عن حكم الحزب الواحد سيجعل الصين تابعة للغرب، وحدد مهمة الصين الاستراتيجية طويلة الأجل بمواجهة الهيمنة الأمريكية والعمل على إنشاء نظام سياسي واقتصادي دولي جديد.
هذه التصريحات، رغم وضوحها، قوبلت بالاستنكار في واشنطن، حيث اعتقد صناع القرار أن دمج الصين في النظام الليبرالي العالمي سيكون رهاناً منخفض المخاطر، خاصة مع الفجوة الاقتصادية الكبيرة بين البلدين في ذاك الوقت.
وأشار التحليل إلى أن انشغال الولايات المتحدة بالحروب الخارجية، خصوصاً في العراق وأفغانستان، كلفها نحو 3 تريليون دولار واستنزف طاقتها السياسية والعسكرية، بينما استغلت الصين هذه الفرصة لتعزيز نموها الاقتصادي.
بحلول نهاية ولاية جورج بوش الثانية، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 32% من الناتج الأمريكي، ليس نتيجة الاندماج في النظام الليبرالي، بل نتيجة استراتيجية الصبر الطويل وانشغال الولايات المتحدة بشؤونها الداخلية والخارجية.
محاولة المواجهة الأمريكية وخطأ جديد
محاولة إدارة دونالد ترامب الأولى لمواجهة الصين جاءت كرد فعل على سنوات من الأخطاء الأمريكية، لكنها لم تكن حلاً فعالاً.
سياسة المواجهة المباشرة لا تعالج الضعف الداخلي الأمريكي، بل تزيد من مخاطر صدام كارثي وفقاً لقراءة شاشوف. وبدلاً من ذلك، تقترح بلومبيرغ استلهام “البصيرة المركزية” لدنغ شياو بينغ: التركيز على الاستقرار الداخلي كشرط للتحديث الاقتصادي، وإنهاء الفوضى، وإعادة ترتيب الشأن الأمريكي من خلال إعادة بناء القاعدة الصناعية، وتعزيز الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا، وإصلاح التعليم، وتقليص العجز المالي غير المستدام، واعتماد صفقات ظرفية مرنة بدلاً من أوهام السيطرة الكاملة.
تُقر بلومبيرغ بأن الصفقات المؤقتة، مثل الهدنة التجارية بين ترامب وشي جين بينغ في أكتوبر 2025، لا يمكن تسويقها كـ”انتصارات حاسمة”، لكنها تساهم في الحفاظ على توازن هش، وتجنب خسائر جسيمة قد تنجم عن تعطيل التجارة أو حظر المعادن النادرة.
السباق التكنولوجي
التحليل يحذر من تقلص الفجوة التكنولوجية بين الصين وأمريكا بوتيرة سريعة، حيث انخفضت حصة الحكومة الفيدرالية الأمريكية في تمويل البحث والتطوير من 28% إلى 18% بين عامي 2012 و2022، بينما تنفق الصين أقل من الولايات المتحدة بـ 40 مليار دولار فقط، ما يهدد الريادة التكنولوجية الأمريكية إذا استمر هذا الاتجاه.
كما أن تقليص دعم الطاقة النظيفة وتشديد القيود على هجرة الكفاءات، خصوصاً تأشيرات إتش-1بي، قد يؤدي إلى خسارة ميزة تنافسية في مجالات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والمواد المتقدمة، رغم التحديات الناتجة عن شيخوخة السكان في الصين.
أبرز درس من التجربة الصينية هو نجاح “اللعب على المدى الطويل”. وإذا كانت الصين قد صبرت لعقود لتحصد نتائج استراتيجيتها، فإن الدور اليوم على أمريكا هو تحسين استغلال الوقت، وتجنب مغامرات عسكرية مكلفة، وتركيز الموارد على الداخل.
الرهان الحقيقي ليس في احتواء الصين، بل في إنقاذ القدرة الأمريكية على التجدد، وتقليد الانضباط الاستراتيجي الصيني، لا النموذج السياسي.
تم نسخ الرابط
