بديل غير متوقع لمواجهة أزمة هرمز: دول كثيرة تتوجه نحو الوقود الحيوي ردًا على ارتفاع أسعار النفط – شاشوف


يواجه العالم أزمة طاقة جراء الحرب التي أدت لتقليص إمدادات النفط والغاز، مما دفع الدول الآسيوية إلى تعزيز استخدام الوقود الحيوي كبديل اقتصادي مستدام. مع ارتفاع أسعار النفط، ارتفعت أسعار المحاصيل الزراعية بشكل أقل، مما جعل الإيثانول والديزل الحيوي حلًّا مغريًا. لكن هذا التحول يثير مخاوف من تضارب احتياجات الغذاء، حيث يُستخدم جزء كبير من المحاصيل لإنتاج الطاقة، مما قد يزيد من أزمة الجوع. بينما تتسارع الدول، مثل فيتنام وإندونيسيا، لاعتماد استراتيجيات جديدة، تبقى الحدود اللوجستية والتحديات البيئية عوائق رئيسية لتحقيق استقلال طاقوي كامل.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في خضم النزاع المستمر الذي أثر على استقرار تدفقات الطاقة العالمية، يواجه العالم اليوم “نهضة اضطرارية” في مجال الوقود الحيوي، الذي أصبح خيارًا استراتيجيًا اقتصاديًا، بجانب كونه خيارًا بيئيًا.

منذ بداية النزاع الذي أدى إلى توقف حوالي خمس إمدادات النفط والغاز العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الخام بأكثر من 30%، مما جعل الدول الاقتصادية الكبرى، خصوصاً في آسيا، تبحث عن بدائل من المحاصيل الزراعية المحلية مثل الذرة وقصب السكر وزيت النخيل، لتحويلها إلى وقود يُغذي وسائل النقل المتأثرة بتداعيات التضخم.

هذا التغيير الجذري في أولويات الطاقة يعكس واقعًا جيوسياسيًا صعبًا؛ فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، ظلت أسعار المدخلات الزراعية مثل الذرة بعيدة عن هذه الزيادات الكبيرة، حيث لم تتجاوز الزيادة 5%، مما جعل كل من ‘الإيثانول’ و’الديزل الحيوي’ بدائل اقتصادية جذابة وأكثر استدامة بسبب تعطل طرق الملاحة التقليدية.

وفقًا لمصدر شاشوف من وكالة ‘رويترز’، فإن الدول الآسيوية التي تستهلك حوالي 80% من النفط المار عبر هرمز، تنظر إلى الوقود الحيوي كوسيلة مزدوجة لتقليل تكاليف الاستيراد المرتفعة ودعم المزارعين المحليين، بينما تتسابق الزمن لتفادي ركود اقتصادي محتمل.

ومع ذلك، يعيد هذا التوجه نحو ‘الوقود الأخضر’ إحياء الجدل الأخلاقي القديم حول ‘الغذاء مقابل الوقود’. بينما يعاني العالم من ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية بسبب تكاليف الشحن والأسمدة المتزايدة بفعل النزاع، يثير توسيع استخدام المحاصيل لإنتاج الطاقة مخاوف جدية من تفاقم أزمة الجوع عالميًا. إنها معركة بين أمن الطاقة وأمان الغذاء، حيث تجد الحكومات نفسها مضطرة للموازنة بين بقاء الشاحنات على الطرقات أو توفير الخبز على الموائد، في ظل ظروف تتطلب حلولاً صارمة ومكلفة.

آسيا تقود “ثورة الإيثانول”: تحركات استراتيجية لكسر حصار الطاقة

لم تكن التحركات الآسيوية مجرد ردود أفعال عشوائية، بل جاءت في إطار استراتيجية شاملة لمواجهة انقطاع إمدادات النفط من الشرق الأوسط؛ حيث أعلنت فيتنام عن تقديم موعد تحولها التام إلى البنزين المخلوط بالإيثانول ليكون ساري المفعول من الشهر الجاري بدلاً من يونيو المقبل، مما يعكس حجم الضغوط التي تفرضها أسعار الطاقة على ميزانيتها.

بالتزامن، رفعت إندونيسيا، أكبر منتج لزيت النخيل في العالم، نسبة المزج الإلزامي للديزل الحيوي إلى 50%، مستفيدة من مواردها الطبيعية لتعويض نقص الإمدادات الناتج عن النزاع وضمان احتياجاتها المحلية بعيدًا عن تقلبات السوق.

هذا الاتجاه لم يقتصر على كبار المنتجين، بل شمل أيضًا الهند وتايلاند اللتين تستعدان لدراسة خيارات مماثلة لزيادة نسبة المزج في وقود النقل.

أوضح المحللون أن هذه الخطوات هي جزء من محاولة تخفيف آثار الصدمة النفطية، حيث يساهم الوقود الحيوي في تقليل الأسعار في محطات الوقود وتقليل الاعتماد على الدولار لاستيراد المشتقات النفطية المرتفعة الأثمنة، وفقًا لتقديرات شاشوف. ورغم الاعتراف بأن الوقود الحيوي يمثل حلاً جزئيًا، إلا أن الدول لجأت بالفعل لتقنين الوقود وتقليل أيام العمل، مما يدل على صعوبة تجاوز الفجوة النفطية الكبيرة التي نتجت عن النزاع.

وفي الجانب الآخر من المحيط، لم تكن القوى الكبرى بعيدة عن هذا التحول؛ ففي الوقت الذي أقر فيه الاتحاد الأوروبي حدودًا قصوى لاستخدام الوقود الحيوي خوفًا من إزالة الغابات وارتفاع أسعار المواد الغذائية، اتبعت إدارة ترامب سياسة معاكسة تمامًا من خلال إصدار أوامر لشركات التكرير لمزج كميات قياسية من الوقود الحيوي هذا العام.

في البرازيل، موجه نصف محصول قصب السكر نحو إنتاج الإيثانول بدلاً من السكر، نظرًا لربحيته المرتفعة فيما يتعلق بأسعار النفط الحالية، مما يشير إلى أن خريطة السلع العالمية تُعاد تصميمها اليوم استنادًا إلى حسابات الوقود بدلاً من الغذاء.

معضلة “الخزان والمعدة”: هل يرفع وقود المحركات أسعار الغذاء؟

تظهر المعضلة الحقيقية في حجم الأراضي الزراعية المطلوبة لتلبية هذا الطلب المتزايد على الطاقة؛ ففي الولايات المتحدة، يُستخدم إنتاج الإيثانول نحو 40% من محصول الذرة، وهي كميات ضخمة كانت موجهة للأعلاف أو الصناعات الغذائية.

ومع ارتفاع أسعار الغذاء العالمية لأعلى مستوياتها في ستة أشهر بسبب تداعيات النزاع، يبدو أن الرهان على الوقود الحيوي قد يتسبب في تكاليف اجتماعية عالية. الخبراء يؤكدون أن أي توسع إضافي في هذا القطاع سيحتاج لسنوات لبناء مصانع جديدة، مما يعني أن ضغط أسعار الغذاء سيظل قائمًا ما لم تنته النزاعات وتعود سلاسل الإمدادات إلى وضعها الطبيعي.

ورغم الزخم الحالي، تشير التحليلات الفنية التي أوردتها شاشوف إلى أن الوقود الحيوي لا يزال يغطي جزءًا ضئيلاً لا يتجاوز 4% من الطلب العالمي على وقود النقل. حتى مع التوقعات المتفائلة للوصول بهذه النسبة إلى 5% بحلول عام 2035، تبقى التحديات اللوجستية ومحدودية المواد الأولية عائقًا أمام تحقيق الاستقلال الطاقوي الكامل عبر الزراعة.

وفقًا لبيانات نشرتها رويترز، فإن ‘حدود المزج’ الفنية في المحركات القديمة وارتفاع تكاليف الإنشاء تجعل من الصعب على هذا القطاع أن يكون البديل الشامل للنفط الخام على المدى القريب، بل سيظل مجرد ‘مسكن’ لألم الأسعار المرتفعة.

علاوة على ذلك، تبرز التحديات البيئية كعامل إضافي؛ إذ قد يؤدي التوسع في زراعة محاصيل الوقود الحيوي إلى تسريع إزالة الغابات في مناطق مثل جنوب شرق آسيا والبرازيل لتوفير أراضٍ زراعية جديدة.

هذا التباين بين الحاجة إلى تأمين وقود رخيص والالتزامات المناخية الدولية يضع الحكومات في موقف صعب، خاصة في ظل استمرار النزاع الذي لا يمنح صانعي القرار الوقت الكافي لاختيار الحلول المثلى، بل يدفعهم نحو الحلول المتاحة والأقل ضررًا على الميزانيات العامة على المدى القصير.