انخفاض غير متوقع في القطاع غير النفطي في السعودية بسبب تأثيرات إغلاق مضيق هرمز.
شهد القطاع الخاص غير النفطي في السعودية انكماشًا مفاجئًا في مارس 2026، مع تراجع مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات إلى 48.8 نقطة، ما يقل عن مستوى 50 نقطة الفاصل بين التوسع والانكماش. تعود الأسباب إلى تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واحتجاز مضيق هرمز، مما أثر سلبًا على سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف الشحن. هذا الانكماش يمثل الأول منذ أغسطس 2020، وقد يتعارض مع أهداف ‘رؤية السعودية 2030’ في تنويع الاقتصاد. على الرغم من التحديات، هناك تفاؤل حذر بعودة النشاط الاقتصادي المتوقع في الأشهر المقبلة بناءً على الإنفاق الحكومي ومشاريع البنية التحتية.
الاقتصاد العربي | شاشوف
في دلالة اقتصادية تعكس تأثيراتها العابرة للحدود، أظهرت بيانات حديثة نقلتها وكالة “رويترز” انكماشاً مفاجئاً وحاداً في أداء القطاع الخاص غير النفطي في المملكة العربية السعودية خلال مارس 2026.
هذا التراجع، الذي يحدث في ظل بيئة جيوسياسية معقدة، يثير قلق صناع القرار الاقتصادي، حيث لم تعد ارتدادات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران محصورة في أسواق الطاقة فقط، بل تنامت لتؤثر بشكل كبير على جهود التنويع الاقتصادي في أكبر اقتصاد عربي، وتعكس هشاشة سلاسل الإمداد الإقليمية أمام تصاعد الصراعات.
وفقاً للأرقام، أظهر مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات (PMI) في السعودية، المعدل موسمياً بالتعاون مع وكالة “ستاندرد آند بورز جلوبال”، هبوطاً حاداً إلى 48.8 نقطة في مارس، مقارنةً بقراءة مرتفعة بلغت 56.1 نقطة في فبراير الفائت.
هذا الانخفاض عن مستوى الـ 50 نقطة – وهو الخط الفاصل بين التوسع والانكماش – يمثل ضربة حقيقية للأسواق التي كانت قد اعتادت على أداء قوي ومتزايد لهذا المؤشر المرجعي على مدار السنوات الماضية.
تكمن أهمية هذا التراجع في كونه يسجل أول حالة انكماش حقيقي للقطاع غير النفطي في المملكة منذ أغسطس 2020، حين كانت الاقتصادات العالمية مثقلة بإغلاقات جائحة كوفيد-19.
هذا التشابه الرقمي والتاريخي مع مرحلة الوباء يعكس حجم الشلل الذي أصاب شرايين التجارة الإقليمية اليوم، مما يقطع بشكل مفاجئ مسيرة تعافٍ ونمو استمرت لأكثر من خمس سنوات متتالية لم تشهد خلالها الإنتاجية في السعودية أي تعثر كبير مماثل.
المسبب الرئيسي لهذا الانكماش الاقتصادي ليس خافياً؛ فإغلاق مضيق هرمز نتيجة الصراعات المتصاعدة بين أمريكا وإسرائيل وإيران قد فرض حصاراً بحرياً خانقاً على أهم ممرات التجارة العالمية.
هذا المضيق الاستراتيجي، الذي تمر عبره عادةً خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، لم يعد فقط نقطة عبور للطاقة المتجهة بين الشرق والغرب، بل تحول إلى منطقة محظورة قطعت شرايين استيراد المواد الخام وصادرات المنتجات الصناعية غير النفطية لدول الخليج.
نتيجةً لهذا الإغلاق الفعلي، وازدياد التهديدات العسكرية في مياه الخليج، شهدت سلسلة الإمداد والتوريد انهياراً شبه تام. فالشركات السعودية، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المكونات الأساسية والمعدات لصناعاتها، وجدت نفسها عاجزة عن تلبية احتياجاتها التشغيلية، مع ارتفاع غير معقول في تكاليف الشحن وتأمين البضائع، مما أجبر العديد من المصانع على تقليص إنتاجها أو وقفه بالكامل لتفادي خسائر مالية جسيمة.
في هذا الإطار، يشير نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، إلى الجرح الاقتصادي بقوله إن النزول المفاجئ إلى منطقة الانكماش يعكس بوضوح حالة الضبابية وقصر الرؤية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ويؤكد الغيث أن العملاء محلياً ودولياً أصبحوا يتبعون نهجاً حذراً في الاستثمار والإنفاق، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في الطلبيات الجديدة وانخفاض حاد في زخم الإنتاج الذي كان يحفز النمو سابقاً.
هذا الانهيار كان واضحاً في مؤشر الطلبات الجديدة، الذي هبط بشكل مروع إلى 45.2 نقطة في مارس، مقارنةً بـ 61.8 نقطة في فبراير. وعلى مستوى حركة التصدير، سجلت الطلبات الخارجية أكبر انخفاض لها منذ ما يقرب من ست سنوات، حيث أبلغت العديد من الشركات الكبرى عن شلل في قدرتها على شحن منتجاتها العابرة للحدود، في حين غرق آخرون في تعقيدات لوجستية وتأخيرات في تسليم البضائع المتراكمة في المستودعات.
هذا المشهد الاقتصادي المعقد يتصادم بشكل مباشر مع أهداف ‘رؤية السعودية 2030’، التي تضع القطاع الخاص غير النفطي في مركز استراتيجيتها التنموية، مستهدفة زيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65%، ورفع حصة الصادرات غير النفطية إلى 50%. أي تعطيل لهذا المحرك الأساسي بسبب النزاعات الإقليمية يعني إبطاء تقدم التحول الاقتصادي الهيكلي الذي حسبت الرياض عليه للفك من ارتباطها الدائم بتقلبات أسواق النفط، مما يضع خطط التنويع أمام تحدٍ وجودي حقيقي.
المفارقة المحزنة أن هذا الانكماش المباغت يأتي بعد فترة مزدهرة عاشها القطاع الخاص السعودي؛ ففي أواخر 2024 وأوائل 2025، حققت الشركات غير النفطية أداءً استثنائياً بدعم من نمو الطلب المحلي والإنفاق الحكومي القوي عبر مشاريع صندوق الاستثمارات العامة (PIF).
هذا التناقض بين ذروة النمو السابقة وانحدار الانكماش الحالي يثبت أن الاقتصادات الخليجية، مهما كانت إصلاحاتها الداخلية قوية، تبقى أسيرة لهشاشة البيئة الأمنية المحيطة.
مع تفاقم الضغوط على العرض وتراجع الطلب، بدأت ملامح أزمة سيولة وتضخم مقلق في تكاليف المدخلات بين الشركات المحلية. فتعطيل الإمدادات يعني حتماً ندرة المواد الأساسية، وهذه الندرة تعني ارتفاع الأسعار، وهو سيناريو تشغيل يهدد بتمرير التكاليف الإضافية إلى المستهلك النهائي، مما قد يضغط على القوة الشرائية للمواطنين ويزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي الداخلي في ظل ظروف إقليمية تتسم بالدقة.
على الرغم من القلق الذي تثيره الصورة الحالية والمؤشرات المتراجعة، فإن توقعات قطاع الأعمال للأشهر الاثني عشر المقبلة تحمل بعض الأمل، على الرغم من أنها تراجعت فعلياً إلى أدنى مستوياتها منذ يونيو 2020. فبعض قادة الصناعة والتجارة في المملكة يعتمدون بشكل كبير على قوة الاقتصاد الداخلي، واستمرارية مشاريع الإنفاق الحكومي الضخمة، وتطوير مشاريع البنية التحتية الكبرى كحائط صد لتعويض الخسائر الناتجة عن تعطل التصدير، متطلعين إلى انفراجة جيوسياسية سريعة تعيد الأوضاع إلى طبيعتها وتنعش الطلب على المدى الطويل.
تم نسخ الرابط
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));