اليمن يقترب من تعافٍ هش.. صندوق النقد الدولي يعرض التحليل الاقتصادي بعد انتهاء مشاورات المادة الرابعة – شاشوف


أعلن صندوق النقد الدولي عن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع حكومة عدن بعد 11 عاماً، مما يعكس جهود إعادة بناء الثقة الدولية في الاقتصاد اليمني. على الرغم من تداعيات الحرب التي تسببت في انهيار الاقتصاد، يظهر التقرير تحسنًا مع تراجع انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.5% في 2025. ومع ذلك، الاقتصاد لا يزال هشًا ومرتهنًا لتوترات إقليمية قد تؤدي لانكماش إضافي بنسبة 0.7% في 2026. الحكومة ملتزمة بتنفيذ إصلاحات شاملة، لكن التعافي المستدام يعتمد على تحقيق السلام واستقرار المؤسسات. تشديد الرقابة المالية يعزز ثقة النظام المصرفي، بينما يبقى المستقبل مشروطًا بالدعم الدولي.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

أعلن صندوق النقد الدولي انتهاء مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع حكومة عدن، بعد انقطاع استمر أكثر من 11 عاماً، وهي خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز الأبعاد الفنية إلى إعادة بناء الثقة الدولية في الاقتصاد اليمني.

جاء هذا الإعلان، الذي أُصدر في 03 أبريل 2026 من واشنطن، في وقت حساس يشهد فيه اليمن تداعيات حرب أدت إلى انهيار واسع في المؤشرات الاقتصادية، واضطرابات حادة في صنع السياسات، وانخفاض كبير في مستويات الدخل والمعيشة، ما جعل أكثر من نصف السكان بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، وسط انتشار انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الأمراض، والتزايد في حالات النزوح، وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة.

رغم الصورة القاتمة، يشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني بدأ يُظهر مؤشرات على الخروج التدريجي من حالة الركود العميق التي دخلها بعد توقف الصادرات النفطية في عام 2022، وهو الحدث الذي كان له تأثير كبير على الاقتصاد، نظراً للاعتماد الكبير للبلاد على عائدات النفط والغاز كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي والإيرادات الحكومية. فقد انخفض انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 0.5% في عام 2025، مقارنة بانكماش حاد بلغ حوالي 10% في عام 2023، مما يشير إلى تباطؤ التدهور، رغم عدم الوصول بعد إلى مرحلة التعافي الكامل، بحسب ما أفاد به ‘شاشوف’ عن بيان الصندوق.

نتج هذا التحسن النسبي عن تضافر عوامل عديدة، أبرزها الدعم الخارجي من الشركاء الإقليميين والدوليين، واستمرار تدفقات تحويلات المغتربين، إلى جانب جهود السلطات لتحقيق بعض الاستقرار المالي، على الرغم من الضغوط الكبيرة الناتجة عن ارتفاع التضخم، وانخفاض سعر العملة، وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين.

لكن هذا التحسن لا يُخفي هشاشة الوضع، إذ يشير التقرير إلى أن الاحتياطيات الأجنبية تكاد تغطي فقط شهراً واحداً من الواردات التي تشمل أساساً الغذاء والطاقة والأدوية، مما يعكس ضيق الهامش المالي والخارجي، ويحدد قدرة الدولة على الاستجابة للصدمات أو زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية.

الاقتصاد في مخاطر كبيرة.. وبداية جديدة في 2027

وفي هذا السياق، حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد اليمني لا يزال عرضة لمخاطر كبيرة، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية، حيث من المتوقع أن تؤثر الحرب في الشرق الأوسط سلباً على اليمن خلال هذا العام، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالمياً، واضطراب سلاسل الإمداد، مما قد ينعكس مباشرة على مستويات التضخم، ويزيد الضغط على سعر الصرف، ويؤدي إلى مزيد من استنزاف الاحتياطيات.

تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد قد يشهد انكماشاً إضافياً بنسبة 0.7% خلال العام الحالي، في ظل ضعف الاستهلاك الخاص وارتفاع الأسعار، إلى جانب تفاقم العجز الخارجي نتيجة زيادة الواردات وضعف نمو الصادرات، مما يعمق الاختلالات الاقتصادية ويزيد من تعقيد المشهد.

مع ذلك، تحمل الآفاق المتوسطة بعض الإشارات الإيجابية، حيث يتوقع أن يبدأ الاقتصاد في استعادة زخم تدريجي اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم، وتحسن مستويات الدخل الحقيقي، وتخفيف القيود المالية، بالإضافة إلى توسع تحويلات المغتربين ونمو الصادرات غير النفطية، خاصة في إطار ما يُعرف بـ’الخطة الزراعية’ التي تتبناها السلطات لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما يُتوقع أن يساهم تحسن الإيرادات الحكومية بمرور الوقت في تعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والواردات الأساسية، مما قد يخفف قليلاً من حدة الأزمة الإنسانية المستمرة. وفي موازاة هذه التوقعات، أكد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على ضرورة تبني سياسات حذرة ومتوازنة، تركز على تعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة المالية العامة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تدريجية، بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي.

وطالب أيضاً بترشيد دعم الكهرباء، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية والتنموية الأكثر إلحاحاً، بالإضافة إلى ضرورة العمل مع الدائنين لإعادة هيكلة الديون بشكل شامل يضمن استدامتها على المدى الطويل.

الوضع المالي والمصرفي

في الجانب النقدي، أشار التقرير إلى تراجع معدلات التضخم نسبياً، لكنه دعا إلى الحفاظ على سياسة نقدية متحفظة والحد من التمويل النقدي، وتعزيز استقلالية بنك عدن المركزي، مع التأكيد على أهمية نظام سعر الصرف القائم على السوق في تحسين تخصيص الموارد وتعزيز مصداقية السياسات الاقتصادية.

كما سلّط الضوء على أهمية تطوير القطاع المالي، من خلال توسيع نطاق الرقابة ليشمل جميع المؤسسات المالية، وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يضمن الحفاظ على العلاقات مع البنوك الدولية. واعتبر الصندوق أن نقل البنوك الرئيسية من صنعاء إلى عدن يمثل فرصة لتعزيز الاستقرار المالي وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، مما يدعم الثقة في النظام المالي.

من زاوية أوسع، قال الصندوق إن الإصلاحات الهيكلية، خصوصاً في مجالات الحوكمة والطاقة والبنية التحتية، تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص، مع التركيز على ضرورة تقوية المؤسسات لمعالجة مواطن الفساد وضمان قبول المجتمع لهذه الإصلاحات.

وفي السياق نفسه، رحبت حكومة عدن، وفق ما نشرته وكالة سبأ بعدن، بنتائج مشاورات المادة الرابعة، معتبرةً إياها مؤشراً إيجابياً على استعادة التفاعل مع المؤسسات المالية الدولية، وتعزيز الثقة في جهودها لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية. وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج شامل للإصلاحات يغطي الجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية، بالتوازي مع التعاون مع الشركاء الدوليين، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026. في الوقت ذاته، أوضحت حكومة عدن أن تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام يبقى مشروطاً بإنهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل، واستعادة مؤسسات الدولة.

أما بنك عدن المركزي فقد أكد استمراره في الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة في النظام المصرفي، وتبني سياسات نقدية منضبطة ومرنة تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار بحسب الإمكانات، دون الإشارة إلى تفاقم أزمة السيولة المحلية.

بين مؤشرات التعافي الهش من جهة، ومخاطر الانزلاق مجدداً تحت ضغط الأزمات الداخلية والخارجية من جهة أخرى، تبدو البلاد في سباق مع الزمن لإعادة بناء اقتصادها على أسس أكثر استدامة وعدالة، في حين أن الطريق نحو التعافي الكامل ما زال طويلًا ويعتمد على تحقيق الاستقرار السياسي واستمرار الدعم الدولي.


تم نسخ الرابط