اليمن وأوكرانيا وإيران: ثلاث أزمات تؤثر على أسواق الشحن – السفن بلا ملاذ آمن


تسبب النزاع الجيوسياسي الحالي في تراجع كبير في حركة ناقلات النفط العملاقة، حيث تأثرت سلاسل الإمداد بخربين رئيسيين: الحصار الإيراني على مضيق هرمز، والعمليات العسكرية في البحر الأحمر. سجلت صادرات النفط العالمية انخفاضًا بنسبة 14%، مع تراجع حاد في التدفقات عبر مضيق هرمز بمعدل 80%. ارتفعت أسعار الشحن بشكل كبير، مما أثر على تكاليف التشغيل. تعتمد السعودية على مسارات بديلة مثل خط أنابيب الشرق والغرب، رغم تحديات السعة. في الوقت ذاته، ضربت الهجمات الأوكرانية مواقع حيوية روسية، مما زاد من الاضطرابات في الأسواق، مع تهديدات تقدر بإيقاف 25% من إمدادات النفط العالمية.

تراجع حركة أسطول ناقلات النفط العملاقة عالميًا | شاشوف

لم يعد بإمكان أسطول ناقلات النفط العملاقة في العالم التنقل بحرية كما كان قبل عدة أشهر. حيث تشهد أسواق الشحن البحري للنفط الخام اضطرابًا غير مسبوق نتيجة تأثير ثلاث أزمات جيوسياسية متزامنة، مما يطرح تحديات معقدة على سلاسل الإمداد العالمية ويعيد تشكيل مسارات الشحن بشكل جذري.

الأزمة الأولى هي الحصار الإيراني الفعلي على مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير 2026، والثانية هي زيادة النشاط البحري لقوات صنعاء في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تتعلق الثالثة بالهجمات الأوكرانية على ميناء نوفوروسيسك الروسي وخط أنابيب بحر قزوين (CPC).

أدت هذه التطورات إلى رفع أسعار الشحن الفوري، وحوّلت تجارة النفط العالمية إلى ما يشبه لعبة شطرنج جيوسياسية متحركة، حيث يتم تغيير مسارات السفن لتحقيق الحماية وتقليل الخسائر.

تشير بيانات شركة كلاركسونز للأوراق المالية وفورتيكسا (Vortexa) المتخصصة في تحليلات الأسواق الطاقوية، إلى حجم الأضرار التي لحقت بتدفقات النفط الخام العالمية منذ بدء الأزمة.

انخفض المتوسط الأسبوعي للصادرات العالمية من النفط الخام والمكثفات إلى 37.7 مليون برميل يومياً، حيث سجل هذا الرقم تراجعًا بنسبة 14% مقارنة بالفترة السابقة، رغم الجهود المبذولة لتعويض هذا النقص بزيادة الصادرات من منافذ بديلة مثل ميناء ينبع السعودي وميناء الفجيرة الإماراتي، فضلًا عن تعزيز الصادرات الأمريكية من دول حوض المحيط الأطلسي.

وفي خضم هذا الاضطراب، سجلت التدفقات عبر مضيق هرمز أدنى مستوياتها التاريخية، حيث بلغت 2.9 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 27 يوليو، بتراجع قدره 80% عن الأرقام السابقة التي كانت تزيد عن 12.2 مليون برميل يومياً.

في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الشحن الفوري بشكل كبير نتيجة لتزايد المخاطر على المسارات الرئيسية. فقد بلغت أسعار شحن ناقلات النفط العملاقة (VLCCs) من ميناء ينبع إلى آسيا 230,000 دولار يومياً، ما يعتبر ضعف سعر الشحن من ميناء عمان الذي بلغ 101,702 دولار يومياً، مما يعكس ‘علاوة المخاطرة’ الكبيرة المرتبطة بعبور البحر الأحمر.

يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة التكاليف التشغيلية لمستأجري السفن، مما يحتم على مالكي الناقلات إعادة تقييم مساراتهم البحرية بشكل جذري، مما يتسبب في اختناقات لوجستية وهدر غير مسبوق في كفاءة حمولة الناقلات، حيث تزداد ‘الأميال’ المقطوعة مع تراجع ‘الأطنان’ الفعلية المنقولة، مما يعتبره محللو لويدز ليست الوضعَ الأكثر خطورة في معادلة الشحن البحري اليوم.

لعبة إعادة التوجيه: كيف تسببت الحرب في اليمن بكابوس لوجستي لصادرات النفط

تشكل التهديدات المتزامنة من إيران وقوات صنعاء تحديات لوجستية ضخمة أمام صادرات النفط السعودي، مما اضطر الرياض للاعتماد على بدائل معقدة ومكلفة لضمان تدفق شحناتها للأسواق العالمية. منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، اعتمدت المملكة بشكل متزايد على خط أنابيب الشرق والغرب (Petroline) الذي يمتد بطول 1,201 كيلومتر، لتصدير النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر.

زادت متوسط الصادرات اليومية من هذا الميناء إلى 3.8 مليون برميل خلال الأزمة، بزيادة تصل إلى 371% مقارنة بما قبل الحرب، وهو ما يمثل 64% من إجمالي النفط السعودي الذي كان يُصدر تقليديًا عبر مضيق هرمز. لكن هذا البديل أصبح مهددًا الآن، حيث أعلنت قوات صنعاء في 20 يوليو 2026 حصارها البحري على السفن السعودية، وتبع ذلك هجوم على ناقلتي نفط سعوديتين في 22 يوليو، مما اضطرهما للعودة أدراجهما.

للتغلب على هذه التحديات، تتحول شركات الشحن نحو مسارات بديلة تعتمد أساسًا على قناة السويس المصرية وخط أنابيب (SUMED) الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. تقوم ناقلات النفط العملاقة بتحميل حمولاتها جزئيًا في ينبع، ثم تتجه شمالًا إلى ميناء العين السخنة لتفريغ جزء من حمولتها عبر خط الأنابيب، مما يُمكنها من عبور قناة السويس، قبل التوجه لميناء سيدي كرير على المتوسط لإعادة التحميل.

مع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات رئيسية تحتاج إلى دراسة. أولاً، القدرة الاستيعابية لخط أنابيب (SUMED) لا تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما يقل كثيرًا عن متوسط حمولات ينبع الحالية البالغة 3.8 مليون برميل، مما يُشكل نقطة اختناق تحد من قدرة السعودية على تصدير نفطها. ثانياً، هناك نقص حاد في ناقلات النفط العملاقة القادرة على نقل مياه الصابورة في الجانب المصري من البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يتجاوز عددها 74 وحدة، أي ما يمثل نحو 10% من الأسطول العالمي الرئيس.

يؤكد محللو القطاع أن هذا التحول الاستراتيجي سيؤدي إلى آثار مقلقلة على أسواق الشحن العالمية. تفيد شركة جيبسون للوساطة البحرية أن إعادة توجيه ناقلات (Suezmax) من خطوط التجارة الأطلسية إلى البحر الأحمر لنقل النفط السعودي إلى أوروبا قد يؤدي إلى تقليص العرض الفعلي في حوض المحيط الأطلسي، مما سيرفع الأسعار.

في ذات الوقت، سيساهم سحب ناقلات النفط العملاقة التي تحمل مياه الصابورة من موانئ الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط في دعم أسعار الشحن في حوض الأطلسي. هناك أيضًا حلول بديلة تعتمد على تحميل ناقلات النفط الكبرى جزئياً في ينبع والتوجه مباشرة عبر قناة السويس دون الحاجة للفراغ في العين السخنة، حيث يتم شحنها من خط أنابيب (SUMED) في سيدي كرير قبل أن تنطلق إلى آسيا حول رأس الرجاء الصالح. ومع ذلك، تظل بعض القيود قائمة بسبب نوع الناقلات التي لا تستطيع عبور قناة السويس محملة بالكامل، بالإضافة إلى التكاليف الزمنية والمالية المتصلة بعمليات التفريغ وإعادة التحميل.

تأثيرات الحرب الأوكرانية وأزمة بحر قزوين: الجبهة الثالثة في معركة الشحن

بجانب التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، أسهمت الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية في البحر الأسود في تفاقم أزمة الشحن البحري بشكل أكبر، خاصة بالنسبة لناقلات النفط من طراز (Suezmax).

في 19 يوليو 2026، توقفت عمليات التحميل في ميناء نوفوروسيسك الروسي بعد تعرض ناقلتي نفط تجاريتين لهجمات بطائرات مسيرة أوكرانية خلال عمليات التحميل في محطة خط أنابيب بحر قزوين (CPC).

هذا الخط الحيوي، والذي ينقل أكثر من 80% من صادرات النفط الكازاخستانية (حوالي 1.5 مليون برميل يوميًا)، عانى من شلل كامل، مما اضطر الحكومة الكازاخستانية لتوقيف تدفق النفط عبره مؤقتًا، مما خلق اضطرابًا حادًا في إمدادات الطاقة العالمية وآثاراً واسعة على أسواق الناقلات.

انعكس هذا التوقف المفاجئ بشكل سريع وعنيف على أسعار الشحن الفوري. فقد صعد مؤشر بورصة البلطيق لعقود (Suezmax) بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط إلى 253,728 دولار يومياً في 28 يوليو، وهو أعلى مستوى منذ منتصف أبريل 2026، مما يعكس زيادة بنسبة 25% مقارنة بالأسبوع السابق و44% على أساس شهري.

يعتبر هذا الارتفاع في الأسعار استجابة طبيعية لانخفاض المعروض من ناقلات النفط الراغبة في المخاطرة بعبور منطقة تُعتبر الآن “عالية المخاطر”، حيث تصنف مكالمات مراكز مراقبة السفن في المنطقة على أنها تمثل أعلى درجات المخاطر، مع رفض عدد من المالكين الرسو في نوفوروسيسك. وقد وصفت شركة جيبسون للوساطة البحرية هذا الأسبوع بأنه “غير مسبوق” بشأن سوق ناقلات (Suezmax) الخاصة بخط أنابيب بحر قزوين.

استئناف عمليات التحميل في ميناء نوفوروسيسك في أواخر يوليو، بالتزامن مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر والتهديدات الإيرانية في مضيق هرمز، يكشف عن ضعف بنيوي عميق في سلاسل الإمداد العالمية التي تواجه ضغوط متعددة في آنٍ واحد. بينما يراقب المحللون ردود فعل الأسواق على التهدئة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران التي تزامنت مع توقيع اتفاق التفاهم في 17 يونيو 2026، يبقى خطر تصاعد الصراع بين قوات صنعاء والتحالف السعودي هو التهديد الأكبر والأكثر استدامة لأسواق الشحن.

إغلاق مضيق باب المندب أمام الناقلات السعودية بالتوازي مع الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز قد يفضي إلى حرمان الأسواق العالمية من 25% من إمدادات النفط والغاز، وهو سيناريو كارثي قد يتسبب في ضغوط إضافية على الأسطول العالمي للناقلات في ظل نقص الطلب والإمداد المتزايد.

أضف إلى ذلك أن انخفاض الصادرات الأمريكية بنسبة 32% في الأسبوع الأخير مقارنة بمتوسط الأزمة، وتراجع استيراد الصين بنسبة 42% مقارنة بفترة ما قبل الحرب، يؤسس مزيدًا من التعقيد لمعادلة العرض والطلب في أسواق النفط الخام العالمية.