‘النفط يدخل حقبة جديدة من المخاطر السياسية: لماذا لم تعد العوامل الأساسية كافية لفهم الأسعار؟’ – شاشوف


تغيرت أسواق النفط بعد الصراعات بين أمريكا وإيران، حيث أصبح المستثمرون يقيّمون الأسعار بناءً على المخاطر الجيوسياسية مثل النزاعات العسكرية وإغلاق الممرات البحرية، بدلاً من التركيز فقط على الإنتاج والطلب. أدت الأزمات الأخيرة إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، بينما تشير التوقعات إلى استمرارية هذه المخاطر رغم التهدئة المؤقتة. بعد توقيع مذكرة التفاهم، عادت الأسعار للانخفاض، لكن الثقة لم تُستعد بالكامل، مما يعني أن السوق ستبقى متأثرة بالأحداث السياسية، مع احتمالات مختلفة للاتفاقات المستقبلية قد تؤثر بشكل كبير على استقرار الأسعار.

تقارير | شاشوف

لم يكن الارتفاع الحاد في أسعار النفط خلال النزاع بين أمريكا وإيران مجرد رد فعل مؤقت على تراجع الإمدادات أو اضطراب بعض طرق التجارة، بل كان تعبيراً عن تحول أعمق في كيفية نظر الأسواق إلى أمن الطاقة العالمي.

أظهرت الأزمة أن المستثمرين لم يعودوا يقيمون قيمة برميل النفط بناءً على حجم الإنتاج أو الطلب فحسب، بل أصبحوا يعيرون اهتماماً أكبر لاحتمالات نشوب النزاعات العسكرية، وإغلاق الممرات البحرية، وتعطل البنية التحتية للطاقة. وهذه العوامل كانت تعتبر سابقاً مخاطر ثانوية.

على مدار الأشهر الماضية، أصبحت منطقة الشرق الأوسط مركز الثقل في معادلة التسعير العالمية، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز وتوقف جزء كبير من حركة الملاحة إلى إعادة تقييم شامل لموثوقية الإمدادات من الخليج. ولم يكن الارتفاع الملحوظ في أسعار خام برنت والغاز الأوروبي بسبب نقص فعلي في المعروض، بل كان تعبيراً عن مخاوف السوق من فقدان أحد أبرز شرايين الطاقة العالمية وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات تؤثر على الاقتصادات الكبرى.

رغم أن مذكرة التفاهم الموقعة بين أمريكا وإيران ساهمت في تخفيف حدة التوتر، وفتحت المجال لاستئناف الملاحة وعودة بعض الإمدادات، إلا أن المؤسسات المختصة في أسواق الطاقة ترى أن الأزمة لم تنتهي بالكامل، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة تتعلق بإدارة المخاطر السياسية.

أثبتت التطورات الأخيرة أن أسعار النفط أصبحت أكثر تأثراً بالأحداث الدبلوماسية والعسكرية من تأثرها بالمؤشرات الاقتصادية التقليدية، وهذا التحول قد يحدد معالم سوق الطاقة خلال السنوات المقبلة.

من اقتصاديات النفط إلى سياسات النفط

على مدى عقود، اعتمدت أسواق النفط على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الواضحة لتحديد اتجاه الأسعار، مثل مستويات الإنتاج، ومعدلات الاستهلاك، وحجم المخزونات التجارية، وسياسات تحالف أوبك+. وكانت هذه العوامل تشكل الأساس الذي تستند إليه المؤسسات المالية في توقعاتها لحركة السوق، بينما ظلت التطورات السياسية مجرد متغيرات مؤقتة سرعان ما تتلاشى آثارها.

ومع ذلك، أظهرت السنوات الأخيرة، بداية من الحرب الروسية الأوكرانية وصولاً إلى النزاع الأمريكي الإيراني، تحولاً تدريجياً في طبيعة السوق. إذ أصبحت القرارات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الممرات البحرية، عوامل رئيسية في تحديد الأسعار، حتى مع غياب أي تغير واضح في الإنتاج أو الاستهلاك. وبالتالي، بدأ المستثمرون في اعتبار النفط سلعة جيوسياسية بقدر كونه سلعة اقتصادية.

تشير تقديرات من شركة ريستاد إنرجي إلى أن النزاع الأخير دفع خام برنت للارتفاع من حوالي 70 دولاراً للبرميل في منتصف فبراير إلى ما يقرب من 120 دولاراً في أواخر مارس، بينما تضاعفت أسعار الغاز الأوروبية في نفس الفترة تقريباً. ويعكس هذا التحرك السعري أن الأسواق أعادت تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل غير مسبوق، مما يؤكد أن ‘علاوة الخوف’ أصبحت جزءاً ثابتاً من معادلة الطاقة العالمية.

الهدنة خفضت الأسعار… لكنها لم تُلغِ علاوة الخوف

أسهم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران، ثم توقيع مذكرة التفاهم التي وضعت إطاراً أولياً لإنهاء النزاع، في تهدئة بعض المخاوف التي سيطرت على الأسواق خلال الأشهر الماضية. وسرعان ما انعكس ذلك على أسعار النفط، حيث تراجعت إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، مع بدء المتعاملين في تسعير سيناريو استئناف الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز وعودة جزء من الصادرات الإقليمية إلى الساحة العالمية.

لكن هذا التراجع لا يعني أن الأسواق استعادت ثقتها بشكل كامل. فوفقاً لتقديرات شركة ريستاد إنرجي، لا يمثل الاتفاق الحالي سوى محطة أولى في مسار تفاوضي طويل، في حين لا تزال الملفات الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية، بلا حل نهائي. لذا، تظل الأسواق تنظر إلى أي انفراج على أنه مؤقت وقابل للتراجع في أي لحظة.

لهذا، لم تختفِ علاوة المخاطر من أسعار النفط، وفقاً لمتابعات شاشوف، بل انخفضت فقط مقارنة بذروة الأزمة. فالمستثمرون يدركون أن أي تعثر في المفاوضات أو أي تصعيد عسكري جديد قد يعيد الأسواق سريعاً إلى أجواء الاضطراب، مما يجعل الأسعار أكثر ارتباطاً بالأخبار السياسية من ارتباطها بالتغيرات الفعلية في الإنتاج أو الطلب.

هرمز يعمل مجدداً… لكن الثقة لم تعد بعد

رغم استئناف حركة الملاحة تدريجياً، لم يستعد مضيق هرمز مكانته الطبيعية في منظومة التجارة العالمية. فبيانات شركات تتبع السفن التي ترصدها شاشوف تظهر أن عدد السفن العابرة لا يزال أقل بكثير من المعدلات التي كانت سائدة قبل النزاع، كما أن شركات الشحن البحري والتأمين تتعامل مع المنطقة بحذر شديد.

يرجع ذلك إلى أن الأزمة لم تتسبب فقط في تعطيل الملاحة، بل أذابت ثقة الأسواق في استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فقد أثبتت الأحداث أن تعطيل المضيق يمكن أن يحدث خلال فترة قصيرة، وأن إعادة تشغيله لا تعني بالضرورة استعادة الثقة مباشرة، إذ تحتاج شركات النقل والتأمين إلى فترة طويلة لإعادة تقييم المخاطر وتعديل سياسات التشغيل.

تتوقع ريستاد إنرجي انخفاض حجم الإمدادات المتعطلة تدريجياً خلال الأشهر المقبلة، مع تحسن حركة الملاحة واستعادة جزء كبير من الطاقة التصديرية لدول المنطقة. إلا أن هذا التعافي سيبقى مرهوناً باستمرار التهدئة السياسية، لأن أي انتكاسة جديدة قد تعيد حركة النقل البحري إلى نقطة الصفر.

ثلاثة سيناريوهات.. وسوق تترقب القرار السياسي

ترى ريستاد إنرجي أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في التوصل إلى اتفاق محدود بين أمريكا وإيران يسمح بالحفاظ على وقف إطلاق النار، ما يؤدي إلى استعادة تدريجية لحركة الملاحة والصادرات النفطية، مع تأجيل القضايا الخلافية الكبرى إلى مراحل لاحقة. وتمنح الشركة هذا السيناريو الاحتمال الأعلى، كونه الأكثر قدرة على تحقيق بعض الاستقرار دون الحاجة إلى تسوية شاملة.

على النقيض، يبقى سيناريو الجمود السياسي خياراً محتملاً، حيث تستمر الهدنة بدون أي تقدم حقيقي في المفاوضات. وفي مثل هذه الحالة، ستظل الأسواق تعيش حالة من الضبابية، وستبقى أسعار النفط عرضة للتقلبات بسبب أي تصريح سياسي أو حركة عسكرية، حتى وإن استمرت الإمدادات في التدفق بشكل طبيعي.

في الختام، يبدو أن أسواق الطاقة العالمية قد غادرت قواعد اللعبة التقليدية، وأصبح برميل النفط رهينة للملفات الدبلوماسية الساخنة والتحركات العسكرية في الممرات المائية الحيوية، مما يعني أن علاوة الخوف أصبحت عنصراً دائماً في حسابات المستثمرين والمؤسسات المالية التي تراقب العواصم السياسية أكثر من مراقبتها البيانات الإنتاجية.