الميزانية الضخمة والرواتب المفقودة: أين تذهب موارد الجيش في مناطق حكومة عدن؟ – شاشوف
تعاني المؤسسة العسكرية في عدن من أزمة عميقة، حيث تتأخر رواتب الجنود بشكل متكرر وتصل قيمتها إلى 60-180 ألف ريال شهرياً (38-116 دولاراً)، مما يجعلها غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية. يواجه الجنود صعوبات مالية تدفعهم إلى اقتراض الأموال، وعادة ما تكون فترة انتظار الرواتب طويلة. بينما يحصل الجنود النظاميون على رواتب ضئيلة، تتلقى القوات غير النظامية رواتب أعلى، مما يسبب انقساماً داخلياً. تؤثر هذه الأزمة سلباً على معنويات الجنود وأدائهم، وتنعكس على الاقتصاد المحلي في مدن تعتمد على الإنفاق العسكري.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تكشف المعطيات والحقائق الميدانية عن أزمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة عدن، تتعلق بجوهر الموضوع، وهو راتب الجندي نفسه. يواجه الجنود صعوبات بسبب تأخر صرف الرواتب وانخفاض قيمتها، بالإضافة إلى شعورهم بخذلان ممنهج، مما يجعلهم يقاتلون في جبهتَي الحرب والفقر.
حسب متابعة “شاشوف”، يتراوح راتب الجندي اليمني في مناطق سيطرة حكومة عدن بين 60 ألف و180 ألف ريال شهرياً، أي ما يعادل تقريباً 38 إلى 116 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 1550 ريالاً للدولار. يظهر هذا الوضع ضعف الرواتب وانهيار القيم الحقيقية لها، حيث لم تعد هذه المبالغ كافية لتلبية الحد الأدنى من حاجات المعيشة، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات الأساسية إلى مستويات تفوق هذه الرواتب بكثير.
إذا نظرنا إلى حجم القوات، الذي يُقدّر بين 180 ألفاً و220 ألف جندي، فهذا يعني أن مئات الآلاف يعيشون فعلياً تحت خط الفقر، رغم أن هؤلاء يشكلون العمود الفقري للجيش. الأسوأ هو أن ما بين 30% إلى 40% فقط من هؤلاء يقاتلون في خطوط المواجهة المباشرة، مما يعني أن الذين يتحملون الخطر الأكبر هم أنفسهم الأكثر تأثراً بهذا الواقع المالي.
رواتب لا تصل.. وجندي يعيش على الدَّين
تمتد الأزمة لتشمل عدم انتظام صرف الرواتب، وهي المشكلة الأكثر إيلاماً. وفقاً لشهادات ميدانية، فإن آخر راتب استلمه بعض الجنود كان في ديسمبر 2025، مما يتسبب في انقطاع لفترات طويلة، بحيث يلجأ الجنود إلى الاستدانة أو طلب السلف لتسيير احتياجاتهم الأساسية.
هذا الواقع يجعل من الجندي، الذي ينبغي أن يكون في حالة استعداد قتالية، ينشغل بتأمين لقمة عيشه ويعيش في حالة من القلق الدائم، حيث يروي الجنود قصص تكشف عن قضائهم ساعات في الاتصالات بحثاً عن من يقرضهم المال.
ورغم تخصيص حوالي 36 مليار ريال شهرياً للجيش، منها 17 مليار ريال للمنطقة العسكرية الرابعة في عدن، إلا أن الصورة على الأرض لا تعكس هذا الإنفاق، مما يثير تساؤلات حول إدارة الموارد، خاصة في ظل استمرار الأزمة دون حلول ملموسة.
تُظهر هذه المفارقة أن المشكلة ليست في ندرة الموارد حسب ادعاءات حكومة عدن، ولكن في كيفية توزيعها وأولويات إنفاقها، حيث تتحول الرواتب إلى بند مؤجل وغير منتظم، بينما تستمر نفقات أخرى دون أي انقطاع، مثل نفقات وإعانات مسؤولي الحكومة في الداخل والخارج (الذين يصل عددهم إلى الآلاف).
جنود برواتب “الفتات” وآخرون بالدولار
تتمثل إحدى أخطر مظاهر الأزمة في الفجوة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. بينما يتقاضى الجنود النظاميون رواتب لا تتجاوز 100 دولار في أفضل الأحوال، يحصل أفراد التشكيلات غير النظامية، مثل “الأحزمة الأمنية” و”قوات النخب” و”ألوية العمالقة”، على رواتب تتراوح بين 200 و320 دولاراً شهرياً، وفقاً لشكاوى الجنود أنفسهم، بشكل منتظم غالباً بسبب التمويل الخارجي المباشر.
تؤدي هذه الفجوة إلى انقسام داخل المؤسسة العسكرية، حيث يشعر الجندي النظامي بأنه يُعامل كمقاتل من الدرجة الثانية، رغم أنه يخدم في الجيش الرسمي للدولة، مما يدفع بعض الجنود فعلياً إلى التفكير في الانتقال إلى تلك التشكيلات بحثاً عن دخل أفضل، حتى لو كان ذلك على حساب بنية الجيش النظامي.
في مدن مثل عدن، التي تعاني من ركود اقتصادي وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، لا تكفي رواتب الجنود سوى لتغطية جزء بسيط من احتياجاتهم الأساسية. ومع تراجع قيمة العملة، اضطُر العديد من الجنود لتقليص إنفاقهم إلى الحد الأدنى، ما يعني أنهم يعيشون في حالة تقشف قاسية.
وزاد الطين بلة قيام الحكومة بصرف بعض الرواتب بفئات نقدية صغيرة مثل 100 ريال من الطبعة الجديدة، مما زاد الأعباء اليومية، حيث يُجبر الجندي على حمل كميات كبيرة من النقد لشراء أبسط السلع، وهو مشهد يعكس انهياراً مالياً وإدارياً في آن واحد.
انضباط مهدد واقتصاد متضرر
لا تتوقف آثار هذه الأزمة عند الحدود التي تعاني منها الجندي، بل تمتد إلى المؤسسة العسكرية بأكملها، حيث يؤدي تأخر الرواتب وضعفها إلى تراجع الانضباط والمعنويات، وقد يقود بعض الجنود إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، مما قد يؤثر سلباً على أدائهم المهني.
كما أن تأخر صرف الرواتب يؤثر سلباً على الاقتصاد المحلي، خاصة في مدن تعتمد جزئياً على الإنفاق العسكري مثل مأرب وعدن وتعز، حيث يؤدي غياب السيولة إلى ركود الأسواق وتراجع النشاط التجاري، مما يكثف الأزمة الاقتصادية العامة.
وتُرجع حكومة عدن تأخر الرواتب إلى نقص السيولة وقلّة الموارد وتعقيدات الصرف، وتؤكد أن نظام الأجور موحد، وأن الفوارق ناتجة عن مخصصات خارج الموازنة. ولكن هذه التبريرات لم تعد تقنع الجنود، الذين يرون أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود الإرادة لإصلاح الخلل، واستمرار تجاهل معاناتهم رغم وضوحها.
تعكس هذه الأزمة بشكل عام أزمة ثقة عميقة بين الجندي والدولة، إذ يتحول الولاء إلى عبء، والخدمة تصبح تضحية غير مقدّرة. مع استمرار هذا الوضع، تتوارد الأسئلة حول مدى صمود الجنود أمام الظروف المعيشية القاسية، وقدرة الدولة على الاحتفاظ بجيشها.