الممرات البحرية: الروابط الخفية التي تؤثر على الاقتصاد العالمي من الطاقة إلى الغذاء – بقلم قش


أدت الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى تسليط الضوء على أهمية الممرات المائية في الاقتصاد العالمي، حيث تتحكم هذه المضايق في تدفق الطاقة والسلع. تحمل النقل البحري 80-90% من التجارة العالمية، مما يجعل المضايق نقاط اختناق حساسة. تشمل هذه الممرات ‘مضيق هرمز’ و’مضيق ملقا’، حيث أي اضطراب فيها يؤثر على أسعار الطاقة والغذاء والتضخم. رغم التكنولوجيا، تظل الجغرافيا عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي، حيث يمكن أن تتحول هذه الممرات بسهولة إلى بؤر صراع، مما يؤثر بشكل خاص على الدول النامية الأكثر هشاشة اقتصادياً.

أخبار الشحن | شاشوف

أعادت الصراعات في الشرق الأوسط وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز تسليط الضوء على حقيقة أساسية في هيكل الاقتصاد العالمي، وهي أن التجارة الدولية تتم وليس فقط عبر الأسواق والمصانع، بل أيضاً عبر ممرات مائية ضيقة تقوم بالتحكم الفعلي في تدفق الطاقة والسلع وتكاليف نقلها. وتُعتبر هذه المضايق ‘عُقداً حاكمة’ في شبكة الاقتصاد العالمي، حيث أن أي اضطراب فيها يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.

تشير البيانات المجمعة من ‘شاشوف’ إلى أن الشحن البحري يمثل أكثر من 80 إلى 90% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من 70% من قيمتها، بإجمالي شحن يُقدَّر بنحو 12 مليار طن سنوياً، مما يجعل المضايق البحرية نقاط اختناق يصعب تعويضها مقارنةً بالنقل الجوي أو البري، اللذين يظلان ملحقين فقط وليس بديلاً حقيقياً للتجارة العابرة للقارات.

تتعلق التجارة العالمية بمجموعة من المضايق والقنوات الاستراتيجية، أبرزها مضايق الطاقة التجارية الكبرى، وأهمها ‘مضيق هرمز’ الذي يُعَد الممر الأكثر أهمية للطاقة عالمياً، إذ يمر عبره من 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، أي 38% من تجارة النفط الخام البحرية، و29% من غاز النفط المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية.

ولعل ‘مضيق ملقا’ هو شريان آسيا الحيوي، حيث تعبره نحو 23 مليون برميل يومياً، مما يغذي اقتصادات الصين واليابان وكوريا الجنوبية. كما يعتبر ‘باب المندب’ منفذاً للبحر الأحمر نحو قناة السويس، وأي اضطراب فيه يجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بتكاليف أعلى، مثلما حدث خلال العامين الماضيين نتيجة استهداف قوات صنعاء للسفن الأمريكية والإسرائيلية بسبب حرب الإبادة على غزة.

أما القنوات الاصطناعية بالكامل فهي قنوات استراتيجية، مثل ‘قناة السويس’ التي تُختصر المسافة بين آسيا وأوروبا وتعتبر واحدة من أهم ممرات التجارة العالمية، و’قناة بنما’ التي تربط بين الأطلسي والهادئ وتخدم التجارة بين الأمريكتين وآسيا.

وهناك الممرات الإقليمية الحساسة مثل ‘مضيق تايوان’ و’قناة باشي’ اللذان يعدان محوران لسلاسل الإمداد الآسيوية، خاصة في صناعة الشرائح الإلكترونية. كذلك ‘مضيق البوسفور’ و’مضيق الدردنيل’ اللذان يربطان البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط، و’مضيق جبل طارق’ الذي يُعَد المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى ‘القناة الإنجليزية’ التي تعتبر أحد أكثر الممرات ازدحاماً في أوروبا.

لماذا تعتبر هذه المضايق حاسمة؟

وفقاً لمتابعات ‘شاشوف’، فإن أهمية هذه الممرات تنبع من ثلاث وظائف رئيسية، وهي اختصار الزمن والكلفة (من خلال تقليل مسافات الشحن بشكل كبير)، وتركيز التدفقات (بعبور كميات ضخمة من الطاقة والسلع عبر نقاط محددة)، وصعوبة الاستبدال (حيث تكون البدائل غالباً أطول وأعلى تكلفة وأقل أماناً).

لذا، فإن أي اضطراب في هذه الممرات لا يظل محلياً، بل ينتقل بسرعة إلى أسعار الشحن، وتكاليف الطاقة، والتأمين، وأسعار الغذاء، ومعدلات التضخم، والنمو الاقتصادي أيضاً.

تخضع هذه الممرات لقواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي توازن بين سيادة الدول الساحلية وحق الملاحة الدولية. ويتجلى مفهومان رئيسيان هما المرور البريء (وهو العبور غير الضار داخل المياه الإقليمية) والمرور العابر (وهو الحرية الكاملة للمرور في المضايق الدولية دون أي عوائق).

ومع ذلك، فإن التطبيق ليس موحداً، حيث تخضع العديد من المضايق لاتفاقيات خاصة، في حين أن البعض الآخر لا يزال محل جدل قانوني، خاصةً في المناطق المتوترة مثل هرمز وتايوان.

عندما تتحول المضايق إلى أزمات عالمية

تاريخ هذه الممرات مليء بالأزمات التي كشفت عن هشاشة النظام العالمي. فعلى سبيل المثال، في مضيق هرمز، تراجع عدد السفن المُعبرَة من 129 يومياً إلى مستويات منخفضة في مارس 2026، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 27% وأسعار الغاز الأوروبي بنسبة 74% خلال أيام، وأثار تهديداً مباشراً لإمدادات الغذاء والأسمدة عالمياً.

في ‘باب المندب’، أدت الأزمة البحرية إلى تغيير مسارات السفن وزيادة التكاليف، رغم استفادة بعض الشركات من طول الأزمة لتحقيق أرباح أكبر. كما شهدت قناة بنما الجفاف خلال عامي 2023-2024 مما قلص حركة العبور. وتعرض مضيق ملقا لمخاطر القرصنة والازدحام المستمر، في حين شكلت التوترات العسكرية في مضيق تايوان ما يجعله أحد أخطر نقاط الاختناق. وفي السابق، شهد مضيق هرمز ما يُعرف بـ ‘حرب الناقلات’ في الثمانينيات، مما يُظهر أن هذه الممرات يمكن أن تتطور بسهولة إلى بؤر صراع عالمي.

إن تأثير اضطراب المضايق لا يقتصر على النفط والغاز بل يمتد ليشمل سلاسل الإمداد الصناعية، وأسعار الغذاء والأسمدة، وتكاليف الإنتاج، واستقرار الدول النامية، وفقاً لمتابعات ‘شاشوف’. إذ تعد الدول الأكثر هشاشة اقتصادياً هي الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات، وخاصة من الطاقة والمواد الأولية.

في الختام، فإن الجغرافيا تحكم الاقتصاد العالمي رغم التقدم التكنولوجي، فهذه المضايق، على ضيقها، تحمل أوزاناً استراتيجية ضخمة، وأي خلل فيها يُحدث اضطراباً في الأسواق ويعيد توزيع القوة الاقتصادية بين الدول.


تم نسخ الرابط