الملفات الاقتصادية تتصدر الأولويات… جهود خليجية مكثفة للحفاظ على الهدنة بين أمريكا وإيران – شاشوف


بعد اتفاق مؤقت لوقف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تواصلت الجهود الدبلوماسية للحفاظ على الهدنة. تتوسط الدوحة بين الجانبين، حيث تُجرى محادثات حول قضايا مثل أمن الملاحة والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. رغم المؤشرات الإيجابية، تبقى التوترات قائمة، إذ شهدت المنطقة تبادلاً للهجمات، مما يزيد من الشكوك حول تنفيذ الاتفاق. ترتبط المفاوضات أيضًا بقضايا اقتصادية، مثل استعادة الأصول الإيرانية، وتعافي أسعار النفط بعد تقلبات حادة. يبقى مستقبل الاتفاق غير مستقر، مع إمكانية تصاعد الخلافات الأمنية والسياسية.

تقارير | شاشوف

بعد أيام قليلة من التوصل إلى إتفاق مبدئي أوقف واحدة من أكبر المواجهات العسكرية في المنطقة منذ سنوات، عادت الجهود الدبلوماسية للتحرك بسرعة كبيرة في محاولة لمنع انهيار هذا الإتفاق قبل أن يبدأ تطبيقه فعلياً.

فالتصعيد العسكري الذي شهدته الأيام الماضية، والمشادات حول انتهاكات وقف إطلاق النار، دفعت الوسطاء الإقليميين لتكثيف اتصالاتهم لإعادة تثبيت الهدوء وتأمين الأجواء لجولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران، وسط إدراك متزايد بأن أي عائق قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة المباشرة.

تعود العاصمة القطرية الدوحة لتبرز كمركز رئيسي للوساطة بين الطرفين، بعدما لعبت دوراً محورياً في توصيل الرسائل وتقريب وجهات النظر خلال المفاوضات التي أدت إلى مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو. تشير البيانات إلى أن الاتصالات الحالية لا تركز على الجوانب السياسية فقط، بل تشمل ملفات تنفيذية معقدة تتعلق بأمن الملاحة في الخليج، وآليات مراقبة وقف إطلاق النار، وإطلاق الأصول الإيرانية المجمدة، بالإضافة إلى معالجة القضايا التي أثيرت خلال الأيام الماضية.

رغم المؤشرات التي تدل على وجود رغبة مشتركة في الحفاظ على المسار الدبلوماسي، فإن الوضع لا يزال يكتنفه الكثير من الغموض. بينما أفادت مصادر مطلعة بأن فرق فنية من الجانبين تستعد للاجتماع في الدوحة خلال الأيام القادمة لاستكمال ترتيبات تنفيذ الإتفاق، صدرت عن طهران مواقف رسمية تقلل من احتمال تحديد موعد لهذه الاجتماعات، مما يعكس استمرار التباين بين ما يُعلن عبر القنوات الدبلوماسية وما يتم تداوله في التصريحات السياسية.

وساطة لمنع انفجار جديد… والدوحة تتحول إلى غرفة إدارة للأزمة

بحسب مصادر مطلعة على سير الاتصالات، يعمل الوسطاء حالياً على إنشاء قنوات اتصال مباشرة وسريعة بين الطرفين، بهدف احتواء أي حادث ميداني قد يؤدي إلى انهيار الهدنة الهشة.

هذا التحرك يأتي بعد تبادل ضربات عسكرية خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أعاد المخاوف من انزلاق الاتفاق المؤقت إلى مواجهة جديدة، خصوصاً مع استمرار انعدام الثقة بين واشنطن وطهران رغم توقيع مذكرة التفاهم.

تشير المعلومات إلى أن الاجتماعات المرتقبة لن تقتصر على مراجعة البنود الفنية للاتفاق، بل ستتناول أيضاً آليات إدارة مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان الأهم لتجارة الطاقة العالمية. وضمان حرية الملاحة في هذا الممر البحري هو أولوية للطرفين وللدول الوسيطة، بعدما أدى إغلاقه خلال المواجهات الأخيرة إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط وارتفاع الأسعار إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، قبل أن تتراجع مجدداً عند الحديث عن الحلول الدبلوماسية.

في موازاة ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اجتماع بشأن إيران سيعقد في الدوحة، في تصريح عزز التوقعات بقرب استئناف الاتصالات المباشرة أو غير المباشرة بين الطرفين.

لكن مسؤولين إيرانيين أكدوا أن المشاورات لا تزال جارية بشأن طبيعة الاجتماعات وجدول أعمالها، وأن بعض الملفات الفنية لم تُحسم بعد، وهو ما يعكس استمرار الحذر في التعامل مع الاتفاق، رغم رغبة الطرفين في تجنب العودة إلى التصعيد العسكري.

الأصول والنفط وهرمز تتقدم على الخلافات السياسية

لا تقتصر المفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى مجموعة من الملفات الاقتصادية التي يعتبرها الطرفان مفتاحاً لنجاح الاتفاق المؤقت.

في مقدمة هذه الملفات يأتي الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر، إذ أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده أصبحت قريبة من استعادة ستة مليارات دولار من أصل 12 مليار دولار مودعة في الدوحة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل بداية لعملية تنفيذ الالتزامات المذكورة في مذكرة التفاهم.

يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن الاتفاق الأخير قد يوفر مساحة لتخفيف القيود المفروضة على قطاعي النفط والبتروكيماويات، مما قد يسمح بزيادة الصادرات الإيرانية تدريجياً إذا استمر المسار الدبلوماسي. في المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل بحذر مع هذه الترتيبات، إذ تربط أي خطوات إضافية بمدى التزام طهران ببنود الاتفاق واستمرار الهدوء الميداني، مما يجعل تنفيذ التعهدات الاقتصادية مرتبطاً بالتطورات الأمنية والسياسية.

لم يكن من صدفة أن تستجيب أسواق الطاقة بسرعة لآخر الأخبار المتعلقة باستئناف الاتصالات بين الطرفين، إذ استقر خام برنت قرب مستوى 72 دولاراً للبرميل بعد موجة تقلبات حادة شهدتها الأسواق خلال فترة إغلاق مضيق هرمز والعمليات العسكرية المتبادلة.

يعكس هذا الأداء إدراك المستثمرين أن مستقبل أسعار النفط لن يتحدد فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضاً بمدى نجاح الوسطاء في منع أي تصعيد جديد قد يهدد أحد أهم ممرات تصدير الطاقة في العالم.

هدنة هشة واختبارات إقليمية… التصعيد لم يتوقف بالكامل

ورغم استئناف المسار السياسي، تؤكد الحقائق الميدانية أن الاتفاق لا يزال يواجه اختبارات صعبة. فقد شهدت المنطقة تبادل للهجمات بين إيران والولايات المتحدة، بعد تعرض سفينة شحن في مضيق هرمز لهجوم، تلاه تبادل الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار. كما أعلنت الكويت اعتراض صاروخين باليستيين دون تسجيل أي خسائر، بينما دوت صفارات الإنذار في البحرين أكثر من مرة، قبل أن تعلن السلطات المحلية عن تعرض مبنى سكني في المحرق لأضرار جراء هجوم إيراني، مما دفع المنامة إلى المطالبة بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن.

في خضم هذه التطورات، استمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه رسائل نارية إلى طهران، مؤكداً أن الخيار العسكري سيظل مطروحاً إذا فشلت الجهود الدبلوماسية أو تعرضت المصالح الأمريكية لهجمات جديدة. رد الحرس الثوري الإيراني باتهام واشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار، محذراً من أن القواعد الأمريكية في المنطقة ستواجه عواقب وخيمة إذا استمرت العمليات العسكرية، في تعزيز للرسائل التي تعكس هشاشة التهدئة رغم استمرار الاتصالات السياسية.

لا تقف تداعيات الاتفاق عند حدود العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى ساحات إقليمية أخرى، منها لبنان. فقد أثار الاتفاق الخاص بوقف القتال بين لبنان وإسرائيل انقسامات سياسية داخلية، مع تشكيك رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في إمكانية تنفيذه، في حين تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات تستهدف مواقع تدّعي أنها تابعة لحزب الله. في المقابل، تؤكد إيران أن أي تسوية شاملة يجب أن تشمل إنهاء العمليات العسكرية في لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، مما يضيف بعداً إقليمياً جديداً للمفاوضات الجارية ويجعل نجاحها معتمداً على قدرة الوسطاء على احتواء عدة جبهات في آن واحد.

تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة أن الاتفاق بين أمريكا وإيران لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار، بل لا يزال في بدايات مسار معقد تتداخل فيه القضايا الأمنية مع المصالح الاقتصادية والتوازنات الإقليمية. فكل تقدم في ملف الأصول المجمدة أو أمن الملاحة يقابله اختبار ميداني جديد، مما يجعل النجاح في الاتفاق رهناً بقدرة الطرفين على الفصل بين الخلافات السياسية وآليات تنفيذ التفاهمات العملية.