العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي والديون: لماذا تُعتبر ‘فُقاعة’؟ – بقلم شاشوف

العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي والديون لماذا تُعتبر فُقاعة؟ بقلم


بمناسبة تزايد الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، حذر رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، بورج بريندي، من ثلاث فقاعات مالية تهدد الاستقرار الاقتصادي: فقاعة العملات الرقمية، فقاعة الذكاء الاصطناعي، وفقاعة الديون. أشار بريندي إلى أن الأسواق تتجاهل المخاطر المرتبطة بارتفاع الفائدة والتضخم، مع ارتفاع غير مسبوق في تقييمات الشركات. كما تسلط التحذيرات الضوء على ضعف الشفافية في أسواق العملات الرقمية والرموز غير القابلة للاستبدال. وخلص إلى أن انكماش فقاعة الديون قد يؤدي إلى انهيار الأسواق. تتزامن هذه التحذيرات مع اقتراب الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في ظل تزايد الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، أطلق “بورج بريندي” رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي (الذي يتخذ من سويسرا مقراً له) تحذيراً بشأن ثلاث فقاعات مالية محتملة تهدد استقرار الاقتصاد الدولي، مشيراً إلى أن العالم يقترب من مرحلة حساسة حيث تتشابك التكنولوجيا، المال، والدَّين العام في مشهد معقد للغاية.

خلال زيارته إلى ساو باولو في البرازيل، أكد بريندي على ضرورة أن يتعامل العالم بحذر مع فقاعة “العملات الرقمية”، وفقاعة “الذكاء الاصطناعي”، وفقاعة “الديون”، التي بدأت تتضح ملامحها بسبب التضخم في الأسواق المالية، وارتفاع التقييمات بشكل مبالغ فيه للشركات، وتجاهل المستثمرين للمخاطر الحقيقية مثل ارتفاع الفائدة والتضخم والاضطرابات التجارية، وفق اطلاع شاشوف.

هذا التحذير يأتي في وقت تشهد فيه أسهم التكنولوجيا العالمية انخفاضات حادة بعد موجة ارتفاع قياسية خلال العامين الماضيين، ما دفع بعض المحللين إلى اعتبار أن “الأسواق تقترب من مستويات خطيرة من المبالغة”، بينما يرى آخرون أن ما يجري هو تصحيح طبيعي بعد فترات من التفاؤل المفرط.

العملات الرقمية: من اللامركزية إلى الفوضى العالمية

منذ ظهور البيتكوين قبل أكثر من عقد، أصبحت العملات الرقمية رمزًا للحرية المالية والتقدم التكنولوجي، لكنها في ذات الوقت تحولت إلى واحدة من أكثر المجالات تقلبًا ومخاطرة في الاقتصاد الحالي.

ليس التحذير من “فقاعة العملات الرقمية” جديدًا، لكنه يأتي هذه المرة في توقيت حرج، فبعد ارتفاعات ضخمة في 2023 و2024، بدأت قيمتها في التراجع فجأة في النصف الثاني من 2025، حيث وصلت حالياً إلى حدود 102 ألف دولار (بعد انخفاض من مستوى يجاوز 120 ألف دولار) في ظل ازدياد القيود التنظيمية وتراجع الإقبال المؤسسي.

من المهم الإشارة إلى أن هذه الفقاعة لا تقتصر على العملات فقط، بل تشمل وفق متابعة شاشوف سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) ومنصات التمويل اللامركزي (DeFi) التي جذبت مليارات الدولارات من المستثمرين الأفراد دون وجود ضمانات حقيقية أو قوانين رقابية واضحة.

يرى الاقتصاديون أن المضاربة المفرطة، وغياب الشفافية، والاعتماد على التوقعات المستقبلية أكثر من القيمة الحقيقية، قد تجعل من هذه السوق عرضة لانفجار كبير يذكّر بفصل الفقاعة في الإنترنت في مطلع الألفية.

من ناحية أخرى، تواجه بعض الدول التي راهنت على تبني العملات الرقمية، مثل السلفادور، صعوبات في تحقيق استقرار مالي عقب تذبذب أسعار البيتكوين، مما يثير القلق حول قدرة الأنظمة النقدية الهشة على تحمل هذه المخاطر.

فقاعة الذكاء الاصطناعي: تكنولوجيا تفوق قيمتها الحقيقية

يشير خبراء الاقتصاد إلى أن الذكاء الاصطناعي يعتبر الثورة التكنولوجية الأبرز في القرن الحادي والعشرين، إذ يعد بتحقيق مكاسب إنتاجية هائلة وتحولات جذرية في أنماط العمل والإنتاج.

لكن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي حذر من أن التفاؤل المفرط في هذا المجال قد يقود إلى فقاعة مالية مشابهة لتلك التي شهدتها أسواق التكنولوجيا عام 2000.

فمنذ عام 2023، قفزت أسهم الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لارتفاعات غير مسبوقة، مدفوعة بتوقعات مبالغ فيها حول الأرباح المستقبلية، بينما تبقى نماذج الأعمال في كثير منها غير مستدامة أو حتى غير واضحة المعالم.

كما أشار بريندي، فإن الأسواق تجاهلت مجموعة من العوامل الاقتصادية المقلقة مثل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم المستمر، وبدلاً من ذلك ركزت على حلم أن الذكاء الاصطناعي سيحول الاقتصاد العالمي إلى آلة إنتاج لا تتوقف.

لكن هذا الحلم يصطدم بواقع آخر، حيث إن التطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان ملايين الوظائف المكتبية، خاصة في مجالات الخدمات، والمحاسبة، والإدارة، والصحافة، وحتى البرمجة.

وذكر بريندي: “الذكاء الاصطناعي يقدم إمكانية تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة، لكنه قد يهدد أيضًا بعض الوظائف المكتبية”.

وأضاف أن التحولات التكنولوجية الكبرى على مر التاريخ عادةً ما تؤدي إلى زيادة الإنتاجية والرخاء، لكنها تخلق فترات انتقالية مليئة بالتحديات الاجتماعية، حيث تقل فرص العمل التقليدية قبل أن تظهر وظائف جديدة في مجالات أخرى.

ويحذر بعض المحللين من أن فقاعة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الأسعار السوقية، بل تشمل الخطاب العام والإعلامي الذي يبالغ في الإنجازات ويقلل من المخاطر، مما يخلق بيئة خصبة لتضليل المستثمرين وصنّاع القرار.

الديون: العبء الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية

يُعتبر فقاعة الديون كما قال بريندي من أكثر الفقاعات خطورة، حيث تمس الهيكل الأساسي للاقتصاد العالمي بأسره.

وقال بريندي: “منذ عام 1945، لم تكن الحكومات مثقلة بالديون كما هي الآن”، في إشارة إلى الارتفاع التاريخي لمستويات الدين العام والخاص في معظم الاقتصادات الكبرى، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين والدول النامية.

تراكمت هذه الديون على مدى عقدين من السياسات النقدية الميسرة، وأسعار الفائدة المنخفضة، والإنفاق الحكومي الكبير، خاصة خلال جائحة كورونا، مما أدى إلى وُجدت بعض الدول تدفع الآن فوائد سنوية تعادل ميزانيات كاملة لقطاعات حيوية.

تحذر مؤسسات مالية دولية من أن ارتفاع الفوائد في الأعوام الأخيرة جعل خدمة الدين عبئاً لا يُطاق، خاصة في البلدان النامية التي تقترض بالدولار، كما بدأت الأسواق المالية تفقد الثقة في قدرة بعض الحكومات على الوفاء بالتزاماتها دون اللجوء إلى طباعة الأموال أو اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة.

يمكن أن يؤدي انفجار فقاعة الديون إلى انهيار في أسواق السندات، واضطرابات مصرفية، وتراجع حاد في النمو العالمي، حسب تحليلات اقتصادية تتبعها شاشوف، وهناك مخاوف من أن يكون العالم اليوم في مرحلة تكرار لما حدث قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، ولكن على نطاق أوسع وأعمق.

هدوء يسبق العاصفة

ما يجمع هذه الفقاعات الثلاث هو نمط السلوك النفسي للمستثمرين، حيث يتمثل في التفاؤل المفرط وتجاهل المؤشرات التحذيرية، فكما حدث قبل أزمة الرهن العقاري، يتكرر المشهد اليوم في قطاعات العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي والديون السيادية، حيث يسود الشعور بأن الأسواق يمكن أن ترتفع بلا حدود.

لكن مع تراكم العوامل السلبية مثل التضخم، وارتفاع الفائدة، وتباطؤ النمو العالمي، يبدو أن الأسواق تقع في حالة إنكار جماعي، وهو ما يوصف حالياً بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

تأتي تصريحات بورج بريندي قبل الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، حيث يتجمع قادة العالم السياسيون والاقتصاديون لمناقشة التحديات العالمية.

من المتوقع أن تتصدر هذه التحذيرات جدول أعمال المنتدى القادم، إذ تسعى الحكومات والشركات الكبرى إلى وضع آليات للتوازن بين الابتكار والضبط المالي، والبحث عن سبل لتجنب انفجار أي من هذه الفقاعات الثلاث في وقتٍ واحد.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version