الصين تبرز كالمستفيد الرئيسي من النزاع في إيران: تزايد النفوذ الدبلوماسي والفوائد الاستراتيجية – شاشوف


تصدرت الصين المشهد الدولي بعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث حولت الأزمة إلى فرصة استراتيجية لتعزيز دورها الاقتصادي والدبلوماسي. بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، تمكنت بكين من تجنب تداعيات النزاع وتعزيز حضورها كوسيط يدعو للتسويات السياسية. رغم المخاطر المحتملة من اعتماداتها على إمدادات الطاقة، استعدت بكين مبكراً وأكدت قدرتها على تقديم نفسها كطرف يدعو للحوار، مما عزز صورتها في المنطقة. ومع استمرار المفاوضات بين القوى الكبرى، تسعى الصين لاستثمار هذا الزخم لتعزيز نفوذها الدولي ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط.

تقرير | شاشوف

بينما كانت العواصم الكبرى مشغولة بتقييم نتائج الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الصين كدولة استطاعت تحويل هذه الأزمة إلى فرصة استراتيجية تتميز بالعديد من الأبعاد.

ومع توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لإنهاء المواجهة العسكرية وفتح آفاق مفاوضات سياسية جديدة، وجدت بكين نفسها في موقع متقدم على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي، حيث تمكنت من تجنب أكثر تداعيات النزاع إثارة للقلق، وفي ذات الوقت، عززت من وجودها كقوة تدعو إلى التسويات السياسية والحلول التفاوضية.

ومنذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير، اعتقد الكثير من المراقبين أن الصين ستكون من أكثر الدول تأثراً بسبب اعتمادها العميق على واردات الطاقة من منطقة الخليج، ولكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن بكين كانت قد أعدت نفسها مبكراً لمثل هذه الظروف.

وحسب ما ورد في التقارير الحديثة من “بلومبيرغ” التي استعرضتها “شاشوف”، استفادت بكين من احتياطياتها النفطية الهائلة، وسارعت في تنفيذ خططها في مجالات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، مما خفف من آثار الاضطرابات في أسواق النفط العالمية وأضعف تأثير إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الصيني مقارنة بدول أخرى. كما ساهمت عودة الملاحة تدريجياً إلى المضيق بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني في تعزيز استقرار الإمدادات وإعادة الهدوء إلى الأسواق العالمية.

ولم تقتصر جهود الصين على إدارة تداعيات الحرب من الناحية الاقتصادية فحسب، بل سعت أيضاً إلى استغلال الأزمة سياسياً لتعزيز مكانتها الدولية. فمنذ الأسابيع الأولى للنزاع، كثفت بكين اتصالاتها الدبلوماسية مع مختلف الأطراف، معيدةً التأكيد على دعوتها لوقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات، قبل أن ترحب رسمياً بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وتعلن استعدادها للمساهمة في تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وقد منح هذا الموقف القيادة الصينية فرصة أكبر للتحرك على الساحة الدولية في وقت كانت القوى الأخرى مشغولة بالتفاصيل العسكرية.

بكين تعزز وجودها كقوة دبلوماسية في الشرق الأوسط

مثلّت الحرب فرصة نادرة للصين لإظهار قدرتها على اللعب كدبلوماسي مؤثر في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، فبينما كانت الأطراف المتصارعة تتبادل الاتهامات وتستمر في العمليات العسكرية، تمسكت بكين بخطاب يدعو إلى الحوار والتسوية السياسية، مما جعل صورتها تعزز لدى العديد من دول المنطقة كطرف يفضل الاستقرار على المواجهة.

وفي خضم النزاع، استقبلت العاصمة الصينية سلسلة من الزيارات والاتصالات رفيعة المستوى مع مسؤولين وقادة من دول معنية بالأزمة، وحسب ما ذكرته شاشوف، استغلّت بكين هذه اللقاءات لتأكيد رؤيتها التي تعتمد على احترام سيادة الدول ورفض التصعيد العسكري، وهي المبادئ التي تعززها الصين منذ سنوات كبديل عن سياسات التحالفات والنزاعات المفتوحة.

كما حرصت القيادة الصينية على الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بما في ذلك إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، مما منحها مرونة أكبر مقارنة بقوى أخرى ارتبطت بشكل مباشر بأحد أطراف النزاع.

وشكّل هذا التوازن الدقيق للصين وسيلة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة أو تحمل أعباء أمنية إضافية.

وزاد من أهمية هذا الدور الإشادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس الصيني شي جين بينج في الفترة الأخيرة، عندما تحدث عن التزام بكين الحياد ورغبتها في عدم تحدي الإجراءات الأمريكية في المنطقة.

ورغم أن هذه التصريحات لا تعكس بالضرورة تقارباً استراتيجياً بين القوتين، إلا أنها أبرزت حجم التأثير الذي تتمتع به الصين في مجالات كانت حكراً على النفوذ الأمريكي لعقود طويلة.

الحرب تعيد فتح النقاش حول تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود الصين

واحدة من التداعيات الفكرية والسياسية البارزة للحرب تمثلت في الجدل المتزايد داخل الأوساط الأكاديمية والاستراتيجية بشأن مستقبل النظام الدولي.

فقد اعتبر العديد من الباحثين، سواء من الصين أو الغرب، أن الصراع كشف عن التحديات المتزايدة التي تواجهها الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية، خصوصاً مع ارتفاع التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بالحفاظ على نفوذها العالمي.

وفي الصين، عاد الحديث بقوة عن مفهوم ‘لحظة السويس’، في إشارة إلى أزمة قناة السويس عام 1956 التي اعتبرها مؤرخون نقطة تحول في تراجع النفوذ البريطاني وصعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة.

ويرى بعض المحللين أن الحرب الأخيرة قد تثير تساؤلات مماثلة حول قدرة واشنطن على الاستمرار في قيادة النظام الدولي بنفس الأدوات التي استخدمتها خلال العقود الماضية.

كما زادت الأزمة من قناعة شريحة من النخب الصينية بأن العالم يتجه تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب. حيث لم تعد الصين تُعتبر مجرد قوة اقتصادية عملاقة، بل أصبحت لاعباً سياسياً ودبلوماسياً يمكنه التأثير في مواضيع الأمن والطاقة والتسويات الإقليمية، وهو تحول ترى بكين أنه يتماشى مع رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب.

ومع ذلك، فإن معظم الخبراء الصينيين لا يرون أن بلادهم باتت جاهزة لوراثة الولايات المتحدة كزعيمة للنظام الدولي. وتظهر التقديرات السائدة في بكين التي تتابعها شاشوف أن أمريكا لا تزال تمتلك النفوذ العسكري والأمني الأكبر في الشرق الأوسط، إلا أن الحفاظ على هذا النفوذ أصبح أكثر تكلفة وتعقيداً من أي وقت مضى، بينما تواصل الصين تعزيز حضورها عبر الاقتصاد والدبلوماسية والشراكات طويلة الأجل.

تبدو الصين اليوم أمام فرصة استراتيجية نادرة جاءت نتيجة حرب زعزعت أسواق الطاقة وأعادت ترتيب أولويات القوى الكبرى، فبينما خرجت أطراف النزاع محملة بالخسائر والتحديات السياسية، نجحت بكين في تعزيز صورتها كقوة قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية، وفي ذات الوقت، تقديم نفسها كوسيط مسؤول يدعم الاستقرار والحلول السلمية.

ومع دخول الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من المفاوضات لتنفيذ بنود مذكرة التفاهم والوصول إلى اتفاق نهائي، ستسعى الصين إلى استثمار الزخم الذي وفرته الأزمة لتعزيز نفوذها الدولي وتوسيع وجودها في الشرق الأوسط.

لكن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرتها على تحويل خطابها الدبلوماسي إلى مبادرات عملية تسهم في استقرار المنطقة، وتثبت أن صعودها العالمي لا يقتصر فقط على الاقتصاد، بل يمتد أيضاً إلى تشكيل التوازنات السياسية في عالم يتسم بتغيرات سريعة.