الصراع يؤثر سلبًا على الاقتصاد الروسي.. ضغوط متزايدة قبل منتدى ‘سان بطرسبرغ’ – شاشوف
تستضيف روسيا المنتدى الاقتصادي الدولي في سان بطرسبرغ وسط تباطؤ اقتصادي حاد، حيث يتقلص النمو إلى 1% في 2025. يُعزى التباطؤ إلى ارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية، بالإضافة إلى تأثيرات الحرب. الهجمات الأوكرانية زادت الضغوط على القطاعات الحيوية للاقتصاد. كما توجد خلافات داخلية حول الإنفاق العسكري، حيث تحذر وزارة المالية من عجز كبير. الحكومة تواجه أزمة تمويلية متنامية، مع عدم كفاية الارتفاع في أسعار النفط لمعالجة المشاكل الهيكلية. يُشير تحليل إلى أن تقليص الإنفاق العسكري قد يضر بالأهداف الروسية في أوكرانيا.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تستعد روسيا لاستضافة المنتدى الاقتصادي الدولي في سان بطرسبرغ في ظل تباطؤ اقتصادي ملحوظ وزيادة الضغوط على المالية العامة، بالإضافة إلى تزايد الخلافات بين دوائر صنع القرار بشأن مستقبل الإنفاق العسكري الروسي.
ذكرت رويترز أن الرئيس الروسي بوتين يستضيف المنتدى الاقتصادي الخامس منذ انطلاق الحرب في أوكرانيا، وبينما تبحث حكومته عن مسار جديد للنمو الاقتصادي، شهد الاقتصاد الروسي تباطؤاً ملحوظاً بعد أن كان قد استفاد من الإنفاق العسكري الكبير وارتفاع إيرادات السلع الأساسية في السنوات السابقة.
انخفض معدل نمو الاقتصاد الروسي، الذي تُقدّر قيمته بحوالي 3 تريليونات دولار، إلى نحو 1% في عام 2025 بعد أن كان 4.9% في عام 2024، وسجّل الاقتصاد انكماشًا بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من عام 2026 وفق رصد “شاشوف” للبيانات. كما خفّضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام إلى 0.4% فقط بعد أن كانت في تقديرات سابقة 1.3%.
المسؤولون الروس يقدمون مزيجًا من التحديات كأسباب لهذا التباطؤ، منها أسعار الفائدة المرتفعة، العقوبات الغربية، قوة الروبل، وآثار الحرب الاقتصادية المستمرة.
تصدّرت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة في العمق الروسي أحد أبرز العوامل التي زادت الضغوط على الاقتصاد الروسي، حيث استهدفت هذه الهجمات مصافي نفط ومصانع أسمدة وموانئ ومنشآت أخرى حيوية، مما أدى لتعطيل أجزاء رئيسة من النشاط الاقتصادي.
أثرت هذه الهجمات على حوالي ربع قدرات تكرير النفط الروسية، مما أثار مخاوف من نقص في الوقود خلال فترات السفر، كما زادت الضغوط على قطاعات الطاقة والنقل والصناعة.
قطاع الأعمال يربط التعافي بإنهاء الحرب
في هذه الظروف، طلب بوتين من المسؤولين البحث عن طرق لإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو، لكن العديد من رجال الأعمال الروس يرون أن العامل الأكثر تأثيرًا في تحسين الأوضاع الاقتصادية يتمثل في إنهاء الحرب نفسها.
نقل مسؤول تنفيذي روسي كبير عن رويترز أن التحسن الذي يشهده سوق الأسهم الروسية بعد كل خبر إيجابي عن محادثات السلام يعكس بوضوح تطلعات رجال الأعمال نحو إنهاء النزاع.
لكن الآمال بتحقيق نجاح سياسي تبدو حالياً محدودة، حيث أكد الكرملين أن محادثات السلام حول الحرب في أوكرانيا، التي بدأت بوساطة أمريكية، متوقفة فعليًا في الوقت الحالي نظرًا لانشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط.
تتزايد حالات التشاؤم بين الأوساط الاقتصادية الروسية غياب أي تقدم ملموس نحو تدفق استثمارات أمريكية بمليارات الدولارات إلى روسيا أو تخفيف العقوبات الغربية، وهما عاملا يُنظر إليهما كفرص محتملة لدعم الاقتصاد الروسي.
خلافات داخلية حول الإنفاق العسكري
بجانب التباطؤ في النمو، يكشف تقرير اطلعت عليه “شاشوف” من وكالة “بلومبيرغ” عن تصاعد الخلافات بين المؤسسات الاقتصادية الروسية بشأن كلفة الحرب المتزايدة.
أبلغ مسؤولون كبار في وزارة المالية والبنك المركزي الروسي الكرملين أن مستوى الإنفاق العسكري الحالي أصبح ‘غير قابل للاستمرار’، محذرين من أن استمرار ذلك سيؤدي إلى توسيع عجز الميزانية إلى مستويات خطيرة.
ودعا هؤلاء المسؤولون إلى خفض النفقات العسكرية، ولكن وزارة الدفاع ومسؤولون مقربون من الكرملين يعارضون بشدة هذه الخطوات، معتبرين أن تقليص الإنفاق الدفاعي قد يضر بالقطاعات الاقتصادية الروسية التي أصبحت تعتمد بشكل كبير على العقود المرتبطة بالصناعات العسكرية.
وفقًا لبلومبيرغ، طلب بوتين من وزارة المالية البحث عن تخفيضات في بنود الإنفاق الأخرى قبل المساس بالموازنة الدفاعية، مع احتفاظه بخيار اتخاذ القرار النهائي حول أي تعديلات مستقبلية.
فجوة تمويلية بمليارات الدولارات
تقديرات الحكومة الروسية تشير إلى أن الإنفاق العسكري قد يحتاج إلى تمويل إضافي يصل إلى 3 تريليونات روبل (ما يعادل حوالي 36 مليار دولار) خلال هذا العام لسد فجوة متزايدة في مخصصات الحرب.
كما كان المسؤولون الروس يتوقعون عند إعداد ميزانية عام 2026 حدوث فجوة تمويلية تتراوح بين 1.2 و1.5 تريليون روبل، أي ما بين 16.7 و20.9 مليار دولار، خلال النصف الثاني من عام 2026، بناءً على افتراضات سابقة بشأن إمكانية انتهاء الحرب أو تقلص حدتها.
لكن استمرار العمليات العسكرية ألقت بظلالها على هذه التوقعات، مما زاد من الضغوط المالية على الحكومة الروسية.
هذه التطورات تتماشى مع تحذيرات سابقة نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية استنادًا إلى وثيقة داخلية صادرة عن وزارة المالية الروسية في فبراير الماضي.
الوثيقة أوضحت أن الوزارة توقعت تجاوز الإنفاق المرتبط بالحرب لمخصصات الميزانية بما لا يقل عن تريليوني روبل، أي حوالي 28 مليار دولار، خلال عام 2026، مع احتمال أن تصل الفجوة إلى 4 تريليونات روبل، أي نحو 56 مليار دولار، في أسوأ السيناريوهات.
كما قدّرت الوزارة أن يصل الإنفاق الإضافي المرتبط بالحرب إلى حوالي 4 تريليونات روبل سنويًا، أي ما يعادل 55.6 مليار دولار، خلال عامي 2027 و2028، ودعت إلى تجميد تريليونات الروبلات من الإنفاق غير الدفاعي في السنوات المقبلة.
عجز الموازنة يتجاوز المستهدف السنوي
تنعكس الضغوط المالية في أرقام الميزانية الروسية التي تتبعها شاشوف، حيث بلغ عجز الميزانية خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 نحو 5.9 تريليونات روبل، أي ما يعادل 82.1 مليار دولار، أو نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الرقم يتجاوز بنسبة 50% المستوى الذي كانت موسكو تستهدفه للعام بأكمله، إذ كانت الحكومة تتوقع سابقًا أن يبلغ العجز 3.8 تريليونات روبل فقط، أي نحو 52.9 مليار دولار، خلال عام 2026 بالكامل.
جعل هذا التدهور وزارة المالية تطالب الهيئات الحكومية بخفض الإنفاق غير الضروري بنسبة 10%، بينما لجأت الحكومة إلى السحب من صندوق الرفاه الوطني لتعويض تراجع الإيرادات.
النفط لا يوفر حلاً كافياً
رغم استفادة روسيا من ارتفاع أسعار النفط منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير الماضي، إلا أن المسؤولين الروس يعتبرون أن هذه المكاسب غير كافية لمعالجة الأزمة المالية المتزايدة.
وفقًا لمصادر حكومية نقلت عنها بلومبيرغ، يجب أن تبقى أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل لمدة عام كامل حتى تنعكس بشكل ملموس على الوضع المالي لروسيا.
كما يرى المسؤولون أن ارتفاع أسعار الخام لا يعالج التحديات الهيكلية المرتبطة بضعف النمو والتضخم والضغوط على القطاع المصرفي.
في هذا الإطار، أوضح وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أن الإيرادات الإضافية الناتجة عن صادرات الطاقة خلال أبريل 2026 تعوض جزء كبير منها بسبب تراجع الإيرادات في مارس، بالإضافة إلى زيادة المدفوعات الحكومية لشركات النفط المحلية للحفاظ على استقرار أسعار الوقود.
تشير المؤشرات الاقتصادية الحالية إلى أن الكرملين يواجه تحديًا متزايد التعقيد، فتمويل الحرب يتطلب تكاليف ضخمة تزيد من الضغوط على الميزانية، مهددة بتباطؤ اقتصادي على المدى الطويل، بينما يمكن أن يؤدي تقليص الإنفاق العسكري إلى التأثير على أهداف موسكو في أوكرانيا وإضعاف القطاعات الاقتصادية التي تعتمد بشدة على الطلب الدفاعي.