السعودية تواجه تحديات مالية في ظل حرب إيران: جهود للتأقلم رغم تفاقم العجز – شاشوف


تمكنت السعودية من مواجهة صدمة الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، رغم تسجيل عجز مالي قياسي بلغ 125.7 مليار ريال في الربع الأول من عام 2026. تراجع الإيرادات النفطية بنسبة 3% إلى 144.7 مليار ريال، مع زيادة في الإنفاق الحكومي بنسبة 20%. ومع ذلك، تجاوزت المملكة الآثار السلبية بفضل بنية تحتية قوية وخطوط أنابيب جديدة. سجّلت الإيرادات غير النفطية نموًا بنسبة 2%، وزادت الحكومة من إنفاقها على الإعانات والدفاع. بدلًا من سحب الاحتياطيات، استخدمت أدوات الدين، مع توقعات بتقليص العجز إلى 3-4.2% من الناتج المحلي الإجمالي إذا استقرت أسعار النفط.

اقتصاد المملكة العربية السعودية | شاشوف

نجحت السعودية في تجاوز الجزء الأكبر من تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، رغم ما سجلته من عجز مالي قياسي في الربع الأول من عام 2026. التقرير الربعي الذي اطلع عليه ‘شاشوف’ والصادر عن وزارة المالية أظهر ضغوطًا مالية نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية وزيادة الإنفاق، لكنها حافظت على الاستقرار المالي العام وتفادت الانزلاق إلى عمق أزمة أكبر.

سجلت الميزانية السعودية عجزاً بنحو 125.7 مليار ريال (33.4 مليار دولار) في الربع الأول من عام 2026، مما يعكس استمرار سلسلة العجز للربع الرابع عشر على التوالي، لتؤكد على الضغوط المالية المستمرة منذ سنوات. جاء هذا العجز في ظل زيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 20% على أساس سنوي ليصل إلى 386.7 مليار ريال، وهو مستوى إنفاق غير مسبوق منذ الربع الرابع من عام 2023.

في المقابل، تراجعت الإيرادات الإجمالية بنسبة تقارب 1% لتصل إلى حوالي 261 مليار ريال (69.5 مليار دولار)، نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية بنسبة 3% إلى نحو 144.7 مليار ريال (38.5 مليار دولار)، وهو أدنى مستوى لها منذ الربع الثاني من عام 2021. يدل هذا الانخفاض على التأثير المباشر لتقلبات أسواق الطاقة العالمية الناتجة عن النزاع، حيث تسببت الأزمات في انخفاض الإنتاج وتعقيد عمليات التصدير، رغم ارتفاع الأسعار في بعض الفترات.

ورغم هذه المؤشرات السلبية، فإن تقييم المؤسسات الدولية يبرز قدرة الاقتصاد السعودي على الاستجابة للصدمات. توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.1% في عام 2026، رغم خفض التوقعات بمقدار 1.4 نقطة مئوية مقارنة بالتقديرات السابقة، مما يدل على تباطؤ لكنه لا يصل إلى حد الانكماش.

كما رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في عام 2027 إلى 4.5%، مما يشير إلى آفاق إيجابية على المدى المتوسط، مدفوعة بقدرة السوق على التعافي وزيادة الإنتاج بعد انتهاء الأزمة. وبالمثل، تشير تقديرات منظمة ‘أوبك’ التي راجعها ‘شاشوف’ إلى أن الانخفاض بمقدار 7.7 مليون برميل يوميًا من إنتاج تحالف ‘أوبك+’ لم يؤثر بشكل كبير على الطلب العالمي المتوقع، مما يمنح السعودية فرصة للاستفادة من أي انتعاش لاحق في السوق.

تجاوز أزمة هرمز من خلال البنية التحتية

من أبرز العوامل التي ساعدت السعودية في تقليل تأثير الأزمة هي قدرتها على تجاوز إغلاق مضيق هرمز، من خلال الاعتماد على خط أنابيب ينقل النفط من شرق المملكة إلى غربها عبر البحر الأحمر، مما ساعد على استمرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية بلا انقطاع. هذه القدرة اللوجستية خففت من تأثير تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، مما يسلط الضوء على أهمية الاستثمار في البنية التحتية لتعزيز الأمن الاقتصادي.

في الوقت نفسه، خفضت السعودية إنتاجها النفطي بمعدل 2.3 مليون برميل يوميًا ليصل إلى 7.8 مليون برميل، في محاولتها التكيف مع ظروف السوق، مما يعكس توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على الحصة السوقية والاستجابة للقيود الناتجة عن الأزمة.

بالإضافة إلى انخفاض الإيرادات النفطية، سجلت الإيرادات غير النفطية نموًا بنسبة 2% لتصل إلى 116.3 مليار ريال (30.9 مليار دولار)، وهو ما يدل على استمرار جهود تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. كما ارتفع الإنفاق الرأسمالي بنسبة 56% ليبلغ 43.4 مليار ريال (11.5 مليار دولار)، مما يعكس التزام الحكومة بالاستثمار في المشاريع التنموية والبنية التحتية لدعم التحول الاقتصادي على المدى الطويل.

من الجدير بالذكر أيضًا الزيادة الكبيرة في الإنفاق على الإعانات بنسبة 170% ليصل إلى 17.54 مليار ريال (4.6 مليارات دولار)، في خطوة تهدف إلى تخفيف تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين، مما يعكس استخدام السياسة المالية كأداة للتعامل مع الضغوط الاجتماعية.

لم يكن مفاجئًا أن تشهد الميزانية زيادة ملحوظة في الإنفاق العسكري، الذي ارتفع بنسبة 26% ليصل إلى 64.7 مليار ريال (17.2 مليار دولار) خلال الربع الأول فقط، مما يمثل 27% من إجمالي المخصص السنوي لهذا البند. يبرز هذا الارتفاع التوترات الأمنية في المنطقة والحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية في ظل تفاقم المخاطر الناتجة عن النزاع.

إدارة العجز من خلال الدين وليس الاحتياطيات

في مواجهة العجز، فضلت الحكومة السعودية عدم السحب من الاحتياطيات، بل اعتمدت على أدوات الدين كجزء من استراتيجية متوسطة المدى تهدف إلى الحفاظ على قوة المالية العامة. وقد ارتفع الدين العام بنسبة 10% بما يعادل 148.2 مليار ريال (39.4 مليار دولار)، لكنه لا يزال ضمن مستويات مقبولة بمعدل حوالي 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

في السياق نفسه، تخطط الحكومة لاقتراض ما بين 14 و17 مليار دولار من الأسواق الدولية خلال العام، مع الرغبة في إبطاء وتيرة الإصدارات مقارنة بالسنوات السابقة، في إطار إدارة متوازنة للدين.

تشير تحليلات بنك أبوظبي التجاري إلى أن عجز الميزانية السعودية قد ينخفض إلى ما بين 3% و4.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مقارنة بـ5.8% في 2025، إذا استقرت أسعار النفط عند مستويات تتراوح بين 72 و80 دولارًا للبرميل، واستمرت الصادرات عند مستويات بين 6.2 وأكثر من 7 ملايين برميل. ومع ذلك، تبقى هذه التوقعات مشروطة بأن يبقى التوتر محدودًا، مما يبرز الترابط الوثيق بين المسار الجيوسياسي والأداء المالي.