التكنولوجيا في صميم الصراع: هل يستنزف البنتاغون 55 مليار دولار لإنقاذ مغامرة ترامب؟ – بقلم قش
تواجه الولايات المتحدة أزمة استراتيجية حادة نتيجة الحرب على إيران، حيث تسعى وزارة الدفاع لضخ 55 مليار دولار في أنظمة الحرب الذاتية لتعويض إخفاقاتها. هذا الاستثمار الضخم يعكس إدراكًا متأخرًا لإمكانات الذكاء الاصطناعي، لكن الخبراء يحذرون من أنه قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة إذا لم يُوجه بشكل صحيح. غياب عقيدة عسكرية موحدة، بالإضافة إلى نقص في التدريب والتنظيم، يؤديان إلى عشوائية في التعامل مع هذه التقنيات. بينما تركز الجيوش الأخرى على تطوير استراتيجيات فعالة، فإن أمريكا تهدر مواردها، مما يهدد بتوسيع الفجوة مع خصومها مثل الصين وروسيا.
تقارير | شاشوف
في ظل الكارثة العالمية المتصاعدة الناتجة عن الحرب على إيران، تواجه الإدارة الأمريكية أزمة استراتيجية تستهلك مواردها العسكرية والاقتصادية. ومع تعقيدات المشهد الميداني واتساع نطاق المواجهات التي أربكت سلاسل التوريد وأشعلت أسعار الطاقة، يسعى البنتاغون بشغف للبحث عن ‘عصا سحرية’ تكنولوجية تعوض الخسائر الاستراتيجية على الأرض.
وفي هذا السياق، كشف تقرير تحليلي اطَّلع عليه ‘شاشوف’ من صحيفة ‘ذا هيل’ عن اتجاه وزارة الدفاع الأمريكية لاستثمار تاريخي يقدر بـ 55 مليار دولار في أنظمة الحرب الذاتية التشغيل، في محاولة يائسة لحسم حرب أثبتت الأيام تفاهتها وتكلفتها المرتفعة على الاستقرار العالمي.
هذا الاستثمار الضخم، الذي يعادل ميزانية تسليح جيوش كاملة في دول أخرى، يعكس إدراكاً أمريكياً متأخراً للإمكانات التحويلية للأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك المعاصرة. ومع ذلك، يحمل هذا الرقم المالي الضخم مخاطر كارثية في حال عدم توجيهه بصورة صحيحة.
فالاندفاع نحو تسليح الآلات بشكل مستقل لمواجهة تداعيات هذه الحرب العبثية، يبدو كقفزة في الظلام تتجاهل أبسط القواعد العسكرية التي تؤكد أن التكنولوجيا وحدها، مهما بلغت من التطور، لا يمكن أن تعوض غياب الرؤية السياسية أو تصحيح الأخطاء الاستراتيجية الكبرى التي أدخلت العالم في دوامة مظلمة.
ووفقاً لـ’ذا هيل’، يحذر الخبراء العسكريون، على رأسهم الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، من أن البنتاغون يوشك على تكرار خطأ تاريخي فادح ارتكبه في السنوات الأولى لحروب أفغانستان والعراق. في تلك الفترة، كان التركيز منصباً على شراء طائرات ‘بريداتور’ المسيرة كتقنية، مع تجاهل كامل للبنية التحتية البشرية والتنظيمية اللازمة لتشغيلها؛ حيث اكتشف الجيش لاحقاً أن تشغيل طائرة واحدة يتطلب فريقاً مكوناً من 150 شخصاً من طيارين ومحللين وفنيين.
اليوم، ومع استمرار الإدارة في إدارة هذه الحرب المتهورة بعقلية ‘شراء التفوق’، يبدو أن واشنطن لم تتعلم الدرس، مما يهدد بتحويل هذا الاستثمار الملياري إلى مجرد أرقام في جداول البيانات دون أي فعالية عملياتية حقيقية.
عسكرة الذكاء الاصطناعي.. غياب العقيدة وفوضى القيادة
حسب قراءة شاشوف، تُظهر المؤشرات الأولية لخطط الاستحواذ الأمريكية الحالية خللاً بنيوياً عميقاً في مقاربة الحرب الذاتية. يتمثل العائق الأول في غياب عقيدة عسكرية أمريكية مشتركة ومحدثة تسمح بالاستخدام الفعال لتشكيلات الأسلحة المستقلة.
هذه الأنظمة، التي يُفترض أن تنسق فيما بينها بسرعات فائقة وتنفذ أوامر القادة حتى في ظل انقطاع الاتصالات، تفتقر إلى إطار عقائدي يحدد قواعد اشتباكها بوضوح. وبدون هذه العقيدة، يصبح مصطلح “الحرب الذاتية” مجرد شعار تسويقي خالٍ من المحتوى، مما يزيد من حالة التخبط الميداني للقوات التي تقاتل في جبهات متعددة تلبيةً لضغوط حلفائها في تل أبيب.
إلى جانب غياب العقيدة، تتطلب الحرب الذاتية ثورة حقيقية في الهياكل التنظيمية وأساليب القيادة والسيطرة. فالقادة العسكريون اليوم غير مؤهلين للتعامل مع أسراب من الروبوتات والمسيرات المستقلة؛ إذ يحتاجون إلى تدريب مكثف على مهارة “برمجة النوايا” مسبقاً، أي تحويل الأهداف التكتيكية والقيود الميدانية والأولويات الاستراتيجية إلى خوارزميات يمكن للآلات فهمها وتنفيذها بدقة عالية.
المؤسف أن مسارات التدريب الحالية في البنتاغون لا تزال حبيسة العقول التقليدية، وغير قادرة على تخريج جيل من القادة القادرين على إدارة هذه التشكيلات المعقدة في ساحة معركة سريعة التحولات.
هذا التخلف التنظيمي يكشف بوضوح حالة التسرع والعشوائية التي تتسم بها قرارات المؤسسة العسكرية الأمريكية في ظل ضغوط هذه الحرب. بدلاً من إعادة تقييم جدوى الاستمرار في مسار عسكري أثبت فشله في تحقيق الأمن العالمي وزيادة تعقيده، تستمر الإدارة في الدفع نحو تبني تقنيات غير ناضجة عملياتياً. النتيجة المباشرة لهذا التوجه هي تعرض الأهداف الاستراتيجية للخطر، وتأخير الفاعلية القتالية، وإهدار سنوات من التفوق التكنولوجي لصالح خصوم يراقبون ويتعلمون من هذه الأخطاء المتراكمة بحذر وذكاء.
بطء التكيف الأمريكي.. دروس أوكرانيا المهدورة
في حروب الجيل الحديث، لا يُقاس التفوق بحجم الإنفاق المالي فقط، بل بسرعة التكيف وتطوير الأداء الميداني. وهنا تبرز المعضلة الثالثة للبنتاغون: البطء الهيكلي في ترجمة الخبرات التشغيلية إلى تكتيكات جديدة.
وإذا نظرنا إلى ساحة المعارك الحديثة كما في أوكرانيا، نجد أن النجاحات التي حققتها الأنظمة المسيرة لم تأتي بفضل منصة تكنولوجية فائقة، بل نتيجة وجود ‘حلقة تغذية راجعة’ سريعة ومستمرة بين المشغلين في الخطوط الأمامية، والمهندسين، والقادة. هذه الديناميكية التكيفية المفقودة في الآلة العسكرية الأمريكية الحالية تجعل من أنظمتها، مهما بلغت كلفتها، أهدافاً بطيئة في مواجهة خصوم أكثر مرونة.
ورغم أن الجيوش في أوكرانيا وروسيا تعيد اليوم تعريف طبيعة الحروب براً وبحراً وجواً من خلال التحديث اللحظي لأساليب القتال وتطوير المسيرات، إلا أن واشنطن تبدو بطيئة في استيعاب هذه الدروس الجوهرية.
الفجوة اليوم بين أمريكا ومنافسيها مثل الصين وروسيا لم تعد في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في القدرة على توظيف هذه التكنولوجيا ضمن استراتيجية حرب متكاملة. بينما تنشغل الإدارة الأمريكية في تبرير حربها المتهورة دفاعاً عن المصالح الإسرائيلية، يقوم الخصوم بتحليل عميق لأساليب الحرب الذاتية، مما يؤسس لاختلال استراتيجي سيكون من الصعب على واشنطن تعويضه لاحقاً.
وما يزيد الطين بلة هو التوزيع السيء لميزانية الـ55 مليار دولار؛ حيث تشير التقارير الميدانية والتحليلات العسكرية المتابعة من قبل شاشوف إلى أن أقل من 2% فقط من هذا الاستثمار يوجه نحو تطوير العقيدة العسكرية وتكامل الأنظمة وتدريب الكوادر البشرية.
هذا الخلل في الأولويات يعني أن البنتاغون يركز على تجميع ‘الحديد والسيليكون’ متجاهلاً العقل البشري والتنظيمي الذي سيدير هذه التقنيات. الاستمرار في هذا النهج سيؤدي حتماً إلى امتلاك الولايات المتحدة لمخزون ضخم من الأسلحة غير الفعالة، بدلاً من بناء قوة قتالية ذكية ومؤثرة.
لتفادي هذه الكارثة المحتملة، يجب على المشرعين في الكونغرس التدخل بحزم لضبط توجيه الإنفاق العسكري وفرض رقابة صارمة على سياسات الاستحواذ في البنتاغون. يجب أن يُخصص ما لا يقل عن 5% من تمويل الحرب الذاتية لبرامج العقيدة والتدريب وتصميم القوات، وإلزام المؤسسة العسكرية بدمج آليات التغذية الراجعة السريعة والمستمرة في عقود التصنيع بدلاً من الاعتماد على متطلبات ثابتة عفى عليها الزمن.
في النهاية، وكما يؤكد تحليل ‘ذا هيل’، فإن الولايات المتحدة تقف أمام مفترق طرق تاريخي ومصيري. إلقاء 55 مليار دولار في أتون التكنولوجيا المستقلة لن يكون الحل السحري للخروج من مأزق الحرب المتهورة التي أشعلها ترامب لإرضاء إسرائيل، والتي أثبتت الأيام أنها تدفع العالم بأسره نحو حافة الهاوية.