التجارة في السياسة: ما هو مجلس السلام المعني بغزة؟ – شاشوف

التجارة في السياسة ما هو مجلس السلام المعني بغزة؟


واشنطن تسعى لإعادة هندسة إدارة الصراع في غزة عبر ‘مجلس السلام’ بقيادة ترامب، والذي أثار جدلاً دولياً. أُعلن عن المجلس بالتزامن مع المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ويهدف إلى إدارة ‘اليوم التالي’ لحرب غزة. يشترط المجلس على الدول الراغبة في العضوية دفع مليار دولار سنوياً. المخاوف تزايدت من أن يعزز المجلس نفوذ ترامب على الشرعية الدولية، ويمكن أن يُعد بديلاً عن الأمم المتحدة. تم تشكيل لجنة تنفيذية تضم شخصيات بارزة، ويُعتبر المجلس نموذجاً يجمع بين التمويل والإدارة، مع توقعات بتعزيز دور واشنطن في العملية السياسية في المنطقة.

تقارير | شاشوف

تحاول واشنطن إعادة تشكيل إدارة الصراع في غزة من خلال إعادة ترتيب أدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين، عبر إنشاء ما أطلق عليه “مجلس السلام”، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما أثار جدلاً دولياً واسعاً.

جاء الإعلان عن “مجلس السلام” بالتوازي مع بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وبدء عمل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة برئاسة علي شعث، وفق متابعة “شاشوف”، مما يشير إلى أن المجلس جزء من حزمة أمريكية شاملة لإدارة “اليوم التالي” للحرب، وليس كياناً منفصلاً.

صرح البيت الأبيض بتشكيل المجلس ضمن ما وصفته بـ”المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في القطاع”، وتعيين ممثل سامٍ لغزة، وتشكيل لجنة تنفيذية، وقوة استقرار دولية، أثناء تراجع الدور الإسرائيلي المباشر في فرض شروطه في الترتيبات ما بعد الحرب، حسب تقديرات أمريكية رصدتها شاشوف.

ووفقاً لما كشفه بشارة بحبح، رئيس مؤسسة “الأمريكيون من أجل السلام العالمي”، فإن العضوية المؤكدة حتى الآن تقتصر على 10 دول رئيسية، هي: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، تركيا، مصر، قطر، الأردن، الإمارات وباكستان.

في المقابل، أظهرت مسودة الميثاق التي نشرتها وسائل إعلام غربية أن ترامب وجّه دعوات لنحو 60 دولة للانضمام إلى المجلس، بما في ذلك فرنسا، أستراليا، كندا، المجر، السويد، هولندا، فنلندا، بالإضافة إلى المفوضية الأوروبية ودول رئيسية في الشرق الأوسط.

شرط “المليار دولار”

أكثر بنود الميثاق جدلاً هو الشرط المالي. وفقاً لتحليل شاشوف، تشترط إدارة ترامب على الدول الراغبة في العضوية الدائمة أو تمديد العضوية لأكثر من ثلاث سنوات، أن تسهم بمبلغ لا يقل عن “مليار دولار” نقداً خلال السنة الأولى من دخول الميثاق حيز التنفيذ.

تنص المسودة على أن مدة عضوية أي دولة لا تتجاوز ثلاث سنوات، وتجديدها يتم بقرار من الرئيس الأمريكي، ولا يسري شرط السنوات الثلاث على الدول التي تدفع أكثر من مليار دولار.

يعتقد المحللون أن هذا المبلغ يُعتبر مساهمة أولية في إعادة إعمار غزة، التي تُقدَّر تكاليفها الإجمالية بما بين 74 و112 مليار دولار، معتبرين أن هذا الإلزام بالدفع يتماشى مع أسلوب ترامب في إدارة السياسة بعقلية رجل الأعمال.

ومع ذلك، رأى دبلوماسيون غربيون أن هذا الشرط يحوّل العمل الدولي إلى صيغة اشتراك مالي، ووصفوه بأنه أمر “غير مقبول” بالنسبة للعديد من الدول التي كانت مرشحة للانضمام.

كما تكشف مسودة الميثاق عن تركيز غير عادي للسلطة بيد الرئيس الأمريكي، حيث يتولى ترامب رئاسة المجلس بصفته الأول، ويقرر بنفسه الجهات التي تُوجه إليها الدعوات، ويملك القرار النهائي في الموافقة على قرارات المجلس حتى وإن اتخذت بالأغلبية، ويعتمد الختم الرسمي للمجلس، وله صلاحية عزل أي عضو، مع إمكانية نقض القرار بأغلبية الثلثين، كما يُحدد مواعيد وأماكن الاجتماعات وجدول أعمالها.

الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الوثيقة تحدد أن ترامب سيكون رئيساً للمجلس مدى الحياة، وعليه في جميع الأوقات تعيين خليفة له، في صيغة لا تشبه أي تنظيم دولي قائم.

وعلى الرغم من أن القرارات تُتخذ نظرياً بناءً على “صوت واحد لكل دولة”، فإن شرط موافقة الرئيس الأمريكي يجعل هذا المبدأ شكلياً إلى حد كبير.

هل هو بديل للأمم المتحدة؟

أبدت عدة حكومات ودبلوماسيين غربيين مخاوف من أن المجلس الجديد قد يُقوّض عمل الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم. وُصفت المبادرة بأنها “أمم متحدة على طريقة ترامب، تتجاهل أسس ميثاق الأمم المتحدة”.

كما حذر ثلاثة دبلوماسيين غربيين، كما رصدت شاشوف، من أن إطلاق المجلس بصيغته الحالية قد يفتح المجال لنموذج موازٍ للشرعية الدولية، قيادة من دولة واحدة، تتحكم فيه مالياً وسياسياً.

ترتبط هذه المخاوف بإحجام العديد من الدول عن إعلان مواقفها علنًا، رغم تلقيها دعوات رسمية.

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استعداد بلاده للمشاركة في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مؤكداً أن لندن تجري مشاورات مع الحلفاء بشأن بنود المجلس، دون أن تتخذ موقفًا نهائيًا من الترتيبات المالية أو آليات العمل.

ذكرت روسيا أن بوتين تلقى دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، مع تحفظات أوروبية. وأفادت موسكو بأنها تدرس الاقتراح وتأمل في إجراء اتصالات مع واشنطن بشأنه.

قالت كندا إنها ستبذل قصارى جهدها لمواجهة معاناة غزة، لكنها أكدت على أن تفاصيل المجلس لا تزال قيد الدراسة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد دُعي نتنياهو إلى المجلس، وكان على علم بدعوة تركيا وقطر، لكنه فوجئ بدعوة مسؤولين رفيعي المستوى من الدولتين للمشاركة في اللجنة الإدارية لغزة، مما أثار امتعاضاً إسرائيلياً.

البنية التنفيذية وإدارة غزة

أعلنت إدارة ترامب، وفق متابعة شاشوف، عن تشكيل لجنة تنفيذية تأسيسية تضم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

كما تم تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلاً سامياً لغزة وعضواً في المجلس التنفيذي، والجنرال جاسبر جيفيرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية، وآرييه لايتستون وجوش غروينباوم مستشارين للاستراتيجية والعمليات اليومية.

لاحقاً، كُشف عن تقليص دور توني بلير من موقع تنفيذي إلى عضوية عادية وفق ما رصدته شاشوف، في ظل حساسية الأدوار الدولية داخل المجلس.

أبعاد سياسية وأمنية

يعتقد المحللون، مثل بشارة بحبح، أن واشنطن أصبحت تسيطر على المرحلة المقبلة في غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار وفتح المعابر وتشكيل لجنة إدارة غزة ونشر قوات استقرار بضمانة أمريكية، مشيرين إلى أن واشنطن لن تسمح لإسرائيل بإفشال مسار إعادة الإعمار، وأنها تسعى لربط الملف الإنساني بمسار سياسي أوسع، قد يؤدي في النهاية إلى قيام دولة فلسطينية وربط غزة بالضفة الغربية.

يُشار إلى أن نزع السلاح مطروح للتفاوض، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف مستعد للقاء قيادة حماس.

تعكس “مجلس السلام” تحول السياسة الأمريكية إلى دور المدير والممول وصاحب القرار بحسب تحليل شاشوف، وهو نموذج جديد يجمع بين التمويل المشروط والإدارة المباشرة وتهميش الأطر الدولية التقليدية.

بينما ترى فيه واشنطن فرصة لوضع “توقيع ترامب” على ما يُوصَف بأنه “اتفاق سلام تاريخي”، تراه العديد من الدول مخاطرة تُهدد قواعد العمل الدولي وتحويل السلام إلى صفقة مالية.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version