الاعتقالات في العراق: جهود محاربة الفساد أم إعادة تنظيم الوضع تحت ظل الهيمنة الأمريكية؟ – شاشوف


شهد العراق حملة اعتقالات غير مسبوقة طالت مسؤولين وشخصيات سياسية بعد إسقاط حصانتهم، مما يثير تساؤلات حول توقيتها ودوافعها السياسية. تمت الحملة بمشاركة مكثفة للأمن في المنطقة الخضراء، حيث قُبض على شخصيات بارزة بسبب فساد مالي. تعكس هذه الحملة محاولات الحكومة الجديدة، برئاسة علي فالح الزيدي، لإعادة تشكيل علاقاتها مع الولايات المتحدة وتحقيق شراكة اقتصادية مع الحفاظ على توازن العلاقات مع إيران. ومع ذلك، يثير بعض المحللين مخاوف من أن تكون هذه الحملة مجرد إعادة توزيع للنفوذ بدلاً من معالجة جوهرية للفساد المستشري.

الاقتصاد العربي | شاشوف

شهد العراق حملة اعتقالات كبيرة استهدفت مسؤولين وشخصيات سياسية بعد إسقاط الحصانة عنهم. وقد وُصفت هذه العملية بأنها غير مسبوقة من حيث حجمها والأسماء التي شملتها، مما أثار تساؤلات حول توقيتها ودوافعها السياسية، وما إذا كانت تهدف حقًا لمكافحة الفساد أو أن ذلك يُعتبر جزءًا من جهود لإعادة تشكيل موازين القوى في بغداد بدعم أمريكي متزايد.

رصد “شاشوف” بداية الحملة مع استنفار أمني كبير داخل المنطقة الخضراء في وسط بغداد، حيث تم نشر الدبابات والمدرعات وإغلاق المداخل الرئيسية. جاء ذلك بالتزامن مع عمليات دهم واعتقال نفذها جهاز مكافحة الإرهاب بحق عدد من المسؤولين الكبار والنواب، استنادًا إلى أوامر قضائية تتعلق بقضايا فساد مالي وإداري.

شملت الحملة عشرات المسؤولين، بينهم أعضاء في مجلس النواب تم رفع الحصانة عنهم، مما يُعتبر خطوة غير مسبوقة بالنسبة للحكومة العراقية الجديدة التي ترأسها علي فالح الزيدي، والتي لم يمضِ على تشكيلها سوى شهرين تقريبًا.

تشير تحليلات شاشوف إلى أن الزيدي كثف اتصالاته الإيجابية مع واشنطن قبيل زيارته المقررة هناك في منتصف يوليو المقبل، في وقت يرى فيه المحللون أن حكومته تسعى لإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس شراكة اقتصادية وأمنية موسعة دون المساس بتوازن علاقات بغداد مع إيران.

في هذا السياق، أكد وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” أن واشنطن لاحظت مؤخرًا إشارات إيجابية وبناءة من الحكومة العراقية الحالية، خاصة فيما يتعلق بالفصائل المسلحة، فيما تحدث الزيدي عن تطلعات حكومته نحو إقامة “شراكة اقتصادية قوية” مع الولايات المتحدة.

اعترافات وكيل وزارة النفط تفتح المجال لسقوط أسماء بارزة

بدأت التحقيقات بعد اعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية “عدنان الجميلي”، الذي أدلى باعترافات في يونيو الجاري، مما أدى إلى تعزيز الاتهامات لتشمل مسؤولين بارزين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما في ذلك محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير صحة المحافظة رائد الجبوري، إلى جانب مسؤولين ومديرين عامين وشخصيات سياسية معروفة.

وفقًا لمتابعات “شاشوف” التي نقلتها مصادر المجلس الأعلى للقضاء العراقي، تمكنت السلطات خلال التحقيقات من ضبط أكثر من 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار، بعدما تم العثور على جزء من الأموال مخبأة داخل منازل، بينما كان جزء آخر مدفونًا تحت الأرض على عمق أربعة أمتار باستخدام معدات حفر متخصصة، في واحدة من أكبر عمليات ضبط الأموال المرتبطة بقضايا الفساد في العراق.

كما أفادت تقارير إعلامية بأن حملة الاعتقالات استهدفت أكثر من 20 مسؤولًا، وسط تسريبات عن أسماء شخصيات سياسية معروفة، مع تأكيدات رسمية بأن الحملة ستستمر، ولن تستثني أي متورط في إهدار المال العام.

الجديد في هذا المشهد هو الإجراءات العسكرية غير الاعتيادية التي صاحبت الحملة، حيث أظهرت مقاطع مصورة انتشار دبابات ومدرعات داخل المنطقة الخضراء، وإغلاق مداخلها، محاطة بمنازل مسؤولين كبار، مع تشديد الرقابة على مطار بغداد لمنع مغادرة شخصيات مطلوبين. يرى المراقبون أن هذا الانتشار الأمني يشير إلى توقع السلطات لمقاومة من مراكز النفوذ التقليدية.

إلى جانب الحملة، تشير التحليلات إلى تعاون بين بغداد وواشنطن في تنفيذ العملية، حيث يرى البعض أن استهداف شخصيات نافذة بهذا الحجم يصعب تحقيقه دون الضوء الأخضر الأمريكي، خصوصًا مع النفوذ الواضح الذي تمارسه واشنطن على المؤسسات المالية والأمنية في العراق.

ورغم عدم وجود إعلان رسمي يثبت مشاركة أمريكية مباشرة في الحملة، إلا أن توقيتها يتزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد في الأشهر الأخيرة، سواء في المجال المالي أو السياسي أو الأمني.

السيطرة على أموال النفط.. ورقة الضغط الأمريكية

تكتسب هذه التطورات بعدًا إضافيًا عند النظر إلى العلاقة المالية بين بغداد وواشنطن، إذ تُشير التقارير الدولية إلى أن عائدات النفط العراقية تُدار عبر حسابات في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وذلك نظامٌ مستمر منذ الغزو الأمريكي عام 2003، مما يمنح الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد في نحو 90% من موازنة على إيرادات النفط.

في أبريل الماضي، أوقفت إدارة الرئيس دونالد ترامب شحنة نقدية تقدر بحوالي 500 مليون دولار مُستحقة للعراق من مبيعات النفط، وهو ما ربطته التقارير الأمريكية بالضغط على بغداد لتقليل نفوذ الفصائل القريبة من إيران، مما أثار مخاوف عراقية من إمكانية استخدام واشنطن لهذه الأموال كوسيلة ضغط سياسية واقتصادية.

كما أشارت وكالة “رويترز” إلى أن الولايات المتحدة استخدمت هذا النفوذ سابقًا عند تهديدها بالحد من وصول العراق إلى أمواله النفطية خلال أزمات سياسية مُختلفة، مما يوضح استمرار الاعتماد المالي العراقي على النظام المالي الأمريكي رغم مرور أكثر من عقدين على الغزو.
من جانب آخر، شهدت الساحة العراقية مؤخرًا تدخلاً سياسيًا واضحًا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، مهددًا بوقف الدعم الأمريكي للعراق في حالة إعادة تكليفه، ما اعتبرته أطراف عراقية تدخلاً مباشرًا في الشأن الداخلي.

هذا يأتي ضمن سلسلة من الضغوط الأمريكية تهدف، بحسب مراقبين، إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل العراق بما يحد من النفوذ الإيراني، ويعيد ربط القرار العراقي بالسياسات الأمريكية.

مكافحة فساد أم إعادة هندسة السلطة؟

يمثل الفساد في العراق أزمة مزمنة، حيث تشير التحقيقات الأخيرة إلى وجود شبكات واسعة استغلت مواقعها للنهب من المال العام. الأرقام المضبوطة وحجم المسؤولين المتورطين يُظهران أن الدولة تواجه نظامًا فسادًا متجذراً داخل مؤسساتها.

لكن التحليلات المتداولة تشير إلى أن اقتصار الحملات الأمنية على مجرد اعتقالات دون إصلاحات مؤسسية وقضائية ومالية شاملة قد يجعل هذه العمليات مجرد تعديل في النفوذ بين مراكز السلطة، بدلاً من كفاح جاد للقضاء على الفساد.

علاوة على ذلك، يرى المحللون أن تزامن هذه الحملة مع الضغوط الأمريكية، واستمرار هيمنة واشنطن على أجزاء كبيرة من النظام المالي العراقي، علاوة على تدخلها في تشكيل الحكومات، يجعل من الصعب فصل ما يحدث عن سياق أوسع يتعلق بإحكام القبضة الأمريكية على العراق، سواء عبر أدوات مالية أو سياسية أو أمنية.

مع استمرار اعتماد العراق على النظام المالي الأمريكي في إدارة عائداته النفطية، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى استقلال القرار العراقي، وما إذا كانت حملة مكافحة الفساد تمثل بداية إصلاح حقيقي لمؤسسات الدولة، أم هي جزء من مرحلة جديدة لإعادة ترتيب المشهد السياسي العراقي بما يتماشى مع المصالح الأمريكية، مع احتفاظ الفساد نفسه بأنه قضية بنيوية تحتاج لمعالجة شاملة تتجاوز الاعتقالات وحدها.